فن التحرر من المشاعر السلبية (EFT)

(الحرية النفسية)

عندما خطر لي أن أكتب هذا الموضوع خشيت أن لا أتمكن من لملمة أطرافه وتشعباته فتتناقص الفائدة المأمولة منه، لكنني آثرت طرحه عسى أن يكون فيه مصلحة. فإن بدا هذا الموضوع طويلا أو استطراديا فإنني أعتذر للقارئ الكريم مقدما عن الإطالة.

قد يرى البعض أن المرض النفسي منقصة أو عيب من العيوب التي يجب إخفاؤها، ولكن هذا التصور خاطئ بلا شك؛ إذ أن المرض النفسي لا يختلف كثيرا عن المرض العضوي، ويجب أن لا يكون هناك فرق بينهما في الحرص على التشخيص والعلاج، بل إنهما قد يتبادلان الأدوار؛ فينتج عن المعاناة النفسية مرض عضوي كالقولون والحساسية وآلام الظهر والرقبة وصعوبات التنفس، وربما نتج عن الأمراض والتشوهات العضوية مرض نفسي كالقلق والاكتئاب والعزلة. ولهذا فلا أرى مبررا أبدا للتحرج من الأمراض النفسية وتلمس علاجها.

وفي الحقيقة فإنني أكاد أجزم بأنه لا أحد منا إلا وتعرض لمعاناة نفسية سواء صغرت أم كبرت، فكلنا نخوض غمار هذه الحياة التي لم نفصّلها كما نشاء وإنما اضطررنا دائما للتكيف مع ظروفها، والتعايش مع أفراحها وأتراحها، والتعرض لملابساتها المفاجئة التي لا يمكن التحكم بها وبمساراتها خصوصا في المراحل العمرية المبكرة.

ومن جانب آخر، يجب إدراك الفرق بين الأمراض النفسية والأمراض العقلية؛ فالأولى يكون المريض فيها مدركا لمرضه ومتفاعلا مع واقعه رغم معاناته، وساعيا لعلاج مشكلته، وأما في الحالة الثانية فإن المصاب بالمرض العقلي كالفصام والذهان والهلوسة لا يعلم في الغالب أنه مريض، خصوصا في الحالات الحادة، وقد ينفصل عن الواقع فتختلط عليه الحقيقة بالخيال ويصاب بالهلوسات، وربما يَظهر لك بعد إصابته بالمرض العقلي وكأنه شخص آخر في سلوكه وتصرفاته. والأمراض العقلية في بعض حالاتها تعود إلى خلل في المخ أو الأعصاب فيكون علاجها وصف الأدوية من قبل المختصين، وقد تكون الرقية في بعض الأحيان علاجا ناجعا للكثير منها سواء كانت عضوية أو ناتجة عن المس أو العين أو السحر. وعلى أية حال، فلا أعتقد أنه يمكن علاج الأمراض العقلية باستخدام تقنية “التحرر من المشاعر السلبية” التي نحن بصددها الآن.

لست أدري ما السر في عدم انتشار طريقة العلاج بالتحرر من المشاعر السلبية (EFT) في المجتمعات العربية كما هي منتشرة في المجتمعات الغربية مع أنها ذات نتائج باهرة لعلاج أنواع كثيرة من الأمراض النفسية ابتداء بأنواع الفوبيا والمخاوف وانتهاء بحالات الإدمان كإدمان القهوة والتدخين والكحوليات والمخدرات.

يبدو أن عدم انتشارها على المستوى الشعبي يعود إلى عدم التصديق بنتائجها نظرا لبساطتها الشديدة، فهي غالبا لا تستغرق أكثر من دقائق معدودة، وتظهر وكأنها نوع من العبث إذا علمنا أنها تختصر مدة العلاج التي تمتد لأشهر باستخدام الطرق التقليدية إلى دقائق، وربما لزم تكرارها أكثر من مرة على فترات متباعدة في بعض الحالات. وقد يعود عدم انتشارها إلى سهولة ممارستها من قبل المريض بحيث لا يحتاج إلى طبيب نفسي متخصص، فهي بذلك تؤدي إلى كساد سوق المعالجين النفسيين، وهنا يأتي الدور الحاسم لمصادر المعلومات التي أصبحت متاحة للجميع.

تسمى طريقة العلاج هذه بطريقة التحرر من المشاعر السلبية (Emotional Freedom Techniques)، وتسمى اختصارا (EFT)، ويترجمها البعض بـ (الحرية النفسية)، وهي ترجمة تبدو خاطئة؛ فالحاصل أثناء العلاج هو “تحرر من المشاعر السلبية” بكل معنى الكلمة، حتى أن بعض المرضى الذين يعانون من مشاعر سلبية مزمنة يئسوا من التخلص منها قد يشعرون بالمفاجأة أو ما يشبه الصدمة بعد اختفاء تلك المشاعر.

وهذه الطريقة تقوم على الاستفادة من مبادئ العلاج بالإبر الصينية، ولكن دون استخدام الإبر، وإنما بالربت بالأصابع على نقاط معينة على الوجه والصدر. وهي تفترض أن الربت على هذه النقاط يعيد التوازن في مسارات الطاقة (Meridians) عبر الجسم وبالتالي يتم التخلص من المشاعر السلبية كالألم والخوف والغضب والقلق والحزن… الخ.

بدأ استخدام هذه التقنية العلاجية في الثمانينيات على نطاق ضيق في الولايات المتحدة على يد مخترعها كريغ Gary Craig، وهو مهندس يحمل بعض المؤهلات في البرمجة اللغوية العصبية NLP، ثم بدأت في الانتشار شيئا فشيئا إلى أنحاء كثيرة من العالم. وقد عقد كريغ مؤتمرا في أواخر التسعينيات لعدة أيام حضره عدد من المختصين في العلاج النفسي ودار فيه نقاش رائع لجوانب مختلفة من هذه التقنية العلاجية ودمجها مع طرق علاجية أخرى، وهي متوفرة في الإنترنت على ملفات فيديو باللغة الإنجليزية مدتها أكثر من أربع عشرة ساعة.

طريقة العلاج:
في الحالات التي يمكن قياس المشاعر فيها كالغضب والحزن والألم يفضل في البداية أن يتم تحديد درجة المعاناة من عشر نقاط، ليتم التحقق من تأثير العلاج وبالتالي تكرار الجولة مباشرة حتى تصل حالة المعاناة إلى الصفر وتختفي تماما، وهذا القياس لا يلزم في بعض الحالات التي لا يمكن قياسها كأمراض القولون مثلا.

ويتكون العلاج من مرحلتين هما “الإعداد” و “الربت” (شاهد المقاطع في آخر المقال).

ومن الأساسيات أن يقوم المريض بقياس مشاعره السلبية قبل الشروع بالعلاج، ويكون القياس بأية طريقة مناسبة، والدارج في ذلك أن يحدد قوة مشاعره السلبية في معيار من عشرة نقاط، فإذا كان يعاني من فوبيا إبرة الحقنة، على سبيل المثال، فإنه يحدد درجة خوفه من الحقنة، ولتكن مثلا 8 من 10، على اعتبار أن أقوى مشاعر الخوف عنده هي 10، ويكون ذلك بطريقة تلقائية تماما دون الحرص على الدقة. والقياس مناسب في الحالات التي يشعر بها المريض، كأنواع الفوبيا المختلفة أو الحزن أو الغضب أو الألم أو الرغبة (في حالات الإدمان)، وأما عند علاج الأمراض ذات العلاقة بالمشاعر النفسية كالقولون والإمساك وغيرها فلا يستخدم القياس، لأنه أصلا لا توجد مشاعر آنية.

بعد ذلك تبدأ المرحلة الأولى، وهي مرحلة الإعداد، ويتم هنا الضرب برؤوس الأصابع بإحدى اليدين على منطقة الكاراتيه (أسفل الكف) من اليد الأخرى لعدة مرات مع ترديد عبارة “رغم أني أشعر بكذا وكذا (المشكلة) لكنني أتقبل نفسي وأسامحها تماما”. ويفضل النطق بالمشكلة هنا لتحفيز العقل الباطن ومراكز التفكير في المخ على معايشة التجربة وعدم رفضها وبالتالي المشاركة في إعداد مسارات الطاقة لحالة المشاعر التي تجري معالجتها، فإذا كان المريض مثلا يشعر بالغضب والحزن معا، فيجب معالجة كل واحدة من هاتين العاطفتين على حدة. وقد يستعاض عن الربت على منطقة الكاراتيه بتدليك خفيف على منطقة وسط عضلة الصدر في أحد الجانبين، كما يتضح من أحد المقاطع في آخر هذا المقال. والهدف الأساسي من هذه المرحلة هو التخلص مما يسمى بالانعكاس النفسي (Psychological Reversal)، وهو حين يكون المريض راغبا بالعلاج على مستوى الوعي ولكن العقل الباطن لا يرغب بذلك، والأمثلة كثيرة، كحالات تأنيب الضمير أو الحقد على الآخرين؛ فالتعبير عن القبول والرضى يؤهل العقل الباطن للتوافق مع الوعي وتقبل المرحلة الثانية من العلاج.

المرحلة الثانية، وهي مرحلة الربت، حيث يتم الربت بالأصابع لعدة مرات على نقاط محددة هي: بداية الحاجب، ثم الصدغ بقرب العين، ثم أسفل العين على عظمة الخد، ثم فوق الشفة العليا، ثم تحت الشفة السفلى، ثم على (عظمة الطوق) وهي بداية عظمة الترقوة الواقعة أسفل الحنجرة جهة اليمين أو الشمال، ثم تحت الإبط، ويفضل أيضا أن يتم الربت فوق أعلى الرأس وباطن الرسغ. ويفضل ذكر المشكلة أثناء الربت على كل منطقة. وقد يختصرها بعض المعالجين بالربت بين الحاجبين وبجانب العين وتحتها.

بعد ذلك يلاحظ المريض حالته ومشاعره ويقيسها مرة أخرى، وسوف يجد أن تلك المشاعر السلبية قد نقصت حدتها، ولتكن درجتها الآن مثلا 4 من 10، وهنا يكرر المرحلة الثانية ثم يقيس أيضا، وهكذا حتى يصل إلى الصفر، وبهذا تكون المشكلة قد انتهت تماما. وتستغرق هذه العملية كاملة خمس دقائق تقريبا في الأحوال العادية. وقد تختفي تلك المشاعر السلبية التي تم علاجها إلى الأبد. أما إن عادت مرة أخرى بعد زمن فتتم إزالتها بنفس الطريقة مع البحث عن أية مشاعر سلبية أخرى مرتبطة بالحادثة أو الموقف (السبب الأصلي للمشكلة). وفي الحالات الشديدة قد تصل مدة العلاج إلى نصف ساعة، تزيد أو تنقص، حيث ينقب المريض عن أية حادثة أو موقف أو تجربة سيئة لها ارتباط بمشاعره تلك ويقوم بعلاجها بنفس الطريقة حتى يتلاشى تأثيرها على نفسه تماما.

عند مراجعة أنواع الأمراض التي يعالجها المختصون بهذه الطريقة يمكن تقسيمها إلى أربعة أصناف رئيسة: الأمراض النفسية، والأمراض العضوية ذات الأسباب النفسية، والعادات السلبية، وحالات الإدمان.

الأمراض النفسية:
من أروع النتائج التي تم تحقيقها باستخدام طريقة التحرر من المشاعر السلبية هي علاج حالات الفوبيا (الرهاب) بكافة أنواعها. والفوبيا هي خوف مرضي غير مبرر ناتج في الغالب من تجربة شخصية مبكرة قد لا يعيها المريض. والخوف من الأخطار شعور فطري طبيعي يدفع الجسم للاستعداد لمواجهة المخاطر أو الهروب منها (fight or flight)، ولكن عندما تظهر أعراض الخوف بشدة من دون احتمال وقوع خطر فإن ذلك يعتبر حالة من حالات الفوييا. وأنواع الفوبيا لا تكاد تحصى، فمنها فوبيا الطائرات، والأماكن المرتفعة، والأماكن المفتوحة، والأماكن المغلقة، والحشرات كالعناكب والصراصير، والحيوانات المختلفة، والتلوث بالجراثيم والاتساخ، والإبر، وركوب السيارة، والوحدة، والزحام، والفشل.. الخ.

وقد شاهدت عرضا لمخترع هذه التقنية يعالج فيه مريضا خمسينيا لديه فوبيا الماء، وكانت حالته مستعصية، إذ كانت المشكلة تنمو لديه منذ الصغر حين كانت والدته تحذره من النهر المجاور بأنه ملوث وفيه أسماك مفترسة، وتلا ذلك حوادث متفرقة حيث كان رفاقه يفاجئونه برميه في المسبح، مستغلين مشكلته للتندر، وتفاقمت حالته كثيرا مع مرور الزمن. ثم حاول هذا المريض العلاج بشتى الطرق ولم يفلح، إذ كان يخاف من مجرد الاقتراب من أماكن المياه. وقد رأيت في هذا العرض كيف أن مشكلته انتهت تماما وأصبح يستمتع بالغطس في مياه المسبح بعد نصف ساعة تقريبا من بدء العلاج بهذه الطريقة.

ومن الحالات النفسية الممكن علاجها أيضا حالات الأسى والحزن الشديد، والمشاكل العاطفية كالفقد، وكذلك ما يسمى بـ “رهاب المسرح”، والقلق، والشعور بالذنب، والأرق، والخجل الشديد، وكافة الأمراض النفسية التي ترتبط بالمشاعر السلبية.

الأمراض العضوية ذات الأسباب النفسية:
لقد حققت هذه الطريقة في العلاج نجاحات باهرة على كافة الأمراض العضوية ذات الأسباب النفسية كالقولون، ونوبات الربو، وحالات الإمساك المزمن، والشقيقة (الصداع النصفي)، وآلام الرقبة، وآلام الظهر، وبقية الآلام المرتبطة بتقلص العضلات. وفي الغالب يكون سبب هذه الآلام نفسيا. فإن كان المريض يدرك السبب النفسي وراء هذا المرض العضوي فالأفضل أن يبادر إلى علاج السبب النفسي بنفس الطريقة، فهذا يعجل بالشفاء بإذن الله، وإن لم يكن يعرفه فيكتفي بعلاج المرض نفسه. فإذا كان- على سبيل المثال- يعلم أن الألم في يده يعود إلى شعوره بتأنيب الضمير نتيجة إلحاقه أذى أو عاهة في شخص دون قصد، فالأفضل بالطبع هو معالجة شعوره بالذنب، فهذا أسرع وأنجع لإزالة الألم، وإلا فيمارس هذه الطريقة لعلاج الألم نفسه.

وبعض هذه الأمراض العضوية قد تحتاج لتكرار الجلسات لعدة أيام، بجلسة أو جلستين يوميا، ولا تظهر النتيجة إلا بعد أيام، كحالات القولون العصبي مثلا. ويؤكد بعض المختصين إن الأسباب النفسية لمرض القولون تتعلق غالبا بمشاعر تجاه الأب، إما بالفقد أو المعاناة أو القسوة أو غيرها، ولا أعلم لهذا الربط تفسيرا.

العادات السلبية:
هذه العادات السلبية كثيرة ومتنوعة، فمنها ما يعاني منه الأطفال كالتبول اللاإرادي أثناء النوم، ومنها ما يعاني منه الصغار والكبار كقضم الأظافر وأكل الشعر أو نتفه، وإخفاء الفم أثناء الحديث، والتأتأة.. الخ.

وقد كنت محتارا حول إمكانية علاج التأتأة باستخدام تقنية التحرر من المشاعر السلبية، فعثرت في الموقع الرسمي لهذه التقنية (eftuniverse.com) على علاج حالة لسيدة كانت مسئولة في مدرسة، وكانت تعاني من ثلاث مشاكل هي القولون العصبي والتأتأة ورهاب المسرح، والواضح أن رهاب المسرح ناتج عن مرض التأتأة، إذ كانت تخشى كثيرا من الحديث أمام مجموعة من الأشخاص. وبالنسبة للقولون فقد نصحها ثلاثة أطباء بإجراء عملية جراحية للقولون، وكانت كل مرة تقوم باللجوء لطبيب آخر لتجد نفس النصيحة. وقد جرى علاجها بطريقة الحرية النفسية في وقت قصير بجلسات لكل مشكلة على حدة، لتتخلص تماما من كل هذه المشاكل، فأصبحت تتحدث أمام الناس بطلاقة وبلا أية مشاكل، وانتهت مشكلة القولون عندها تماما.

ما أعلمه جيدا عن مشكلة التأتأة هو أنها تنشأ في الغالب إما بسبب منع الطفل من البكاء وإسكاته عنوة، أو من تعرضه لموقف مخيف جدا في مرحلة عمرية مبكرة، كتهديده بالقتل أو مشاهدة التهديد بالقتل لشخص آخر. وعلاج التأتأة بالتنويم المغناطيسي لا يقل سهولة، لكنه يحتاج إلى منوّم حاذق، وقد اطلعت على تسجيل صوتي نادر– من الخمسينيات الميلادية- لـ (ديف إلمان Dave Elman) ضمن سلسلة تعليمية له، وهو أحد أكثر المنومين إبداعا في التاريخ، حيث قام بعلاج مرض التأتأة لرجل بالغ بتنويمه والبحث عن سبب المشكلة بأسلوب الارتداد (regression) فوجد أن السبب هو عقاب أبيه له لتصرف طريف، عندما كان عمره سنتين، وعندما بكى الطفل منعه أبوه من البكاء. وهنا نجد أن (إلمان) جعل المريض يكمل بكاءه الطفولي أثناء التنويم، وبعد الجلسة انتهت مشكلة التأتأة.

وما دمنا نتحدث عن العلاج بالتنويم المغناطيسي، فإنني أرى أن العلاج بالتحرر من المشاعر السلبية أسهل كثيرا من العلاج بالتنويم وأسرع، وهي لا تحتاج إلى معالج مختص وإنما يقوم المريض بعلاج نفسه. ويأتي بعد ذلك هاتين الطريقتين- في رأيي- أسلوب العلاج النفسي بالإيحاء والإقناع، وهذا طريق طويل للعلاج، فالتعامل مع العقل الباطن عن طريق التنويم لعلاج المشكلة أسهل كثيرا من التعامل مع العقل الواعي والتأثير به.

حالات الإدمان:
ينقسم الإدمان هنا إلى قسمين، إدمان نفسي كالإدمان على القهوة والشيكولاته وبعض أنواع المأكولات والتدخين والكحوليات، وإدمان نفسي عضوي كالإدمان على المخدرات بأنواعها.

وهناك حالات يمكن اعتبارها حالات إدمان نفسي كتلك الناتجة عن بعض الوساوس القهرية (OCD)، كإدمان غسل اليدين أو الأواني والأدوات، وإدمان التخزين القهري للأطعمة والأغراض، والشك القهري حول نسيان غلق الأبواب وفصل الأجهزة الكهربائية، وغيرها من الحالات.

فأما الإدمان النفسي فيسهل التخلص منه عن طريق العلاج بالحرية النفسية، وسيجد المدمن بعد جولات قليلة أن لا رغبة لديه بتناول تلك المادة على الإطلاق، وقد تنتهي رغبته وتوقه إليها نهائيا، وقد تعود فيتم القضاء عليها مرة أو مرتين حتى تختفي تماما، وهذا ما يحصل عند معالجة عادة التدخين مثلا.

وأما الإدمان النفسي العضوي، كالإدمان على المخدرات مثلا، فكما هو واضح، يقوم على الإدمان النفسي والإدمان العضوي، وهنا مصدر الصعوبة في علاج مثل هذه الحالات، فاستخدام تقنية الحرية النفسية يكسر الإدمان النفسي ويبقى الإدمان العضوي والأعراض الانسحابية، وإذا تحققت الرغبة الأكيدة لدى المدمن فإن كسر الإدمان النفسي تماما سيكون عاملا حاسما للسيطرة التدريجية على الإدمان العضوي، وبالتالي القضاء على إدمان المادة المخدرة نهائيا مع مرور الوقت، وهناك حالات كثيرة في أمريكا تم علاجها بنجاح للإقلاع عن المخدرات كالكوكايين وغيره.

وبعد علاج الإدمان، بكافة أنواعه، لابد من معالجة الأسباب المؤدية إليه، فإذا كان الدافع لشرب الكحول أو المخدر هو الهروب من الحزن أو القلق فيجب معالجة هذا السبب والقضاء عليه بنفس الطريقة.

وكقاعدة عامة، يمكنك استخدام هذه التقنية العلاجية على أي مرض، فقد تم علاج مرض الذئبة الحمراء بهذه الطريقة، وهو مرض جيني. وشعارهم دائما هو: “استخدمها لكل شيء” (Try it on everything). وليس هناك أية أضرار محتملة من استخدام العلاج بالحرية النفسية حتى لو لم يتحقق الشفاء.

وأشير هنا- والشيء بالشيء يذكر- إلى مبدأ مهم يدركه جيدا المعالجون بالتنويم المغناطيسي (hypnotherapists) والمعالجون النفسيون (psychotherapists)، وهو أن أكثر الأمراض النفسية تنبع أساسا إما من الشعور بالذنب (عقدة الذنب)، أو من الضغينة على الآخرين، وهما وجهان لعملة واحدة، فالشعور بالذنب ناتج عن خطأ غير مقصود ارتكبه المريض في حق الآخرين، والشعور بالضغينة ناتج عن خطأ ارتكبه شخص آخر في حق المريض. وفي كلتا الحالتين يبقى المريض حاملا هذا الشعور بالذنب أو الضغينة حتى ينتج عنه اضطراب ومضاعفات أخرى مع مرور الزمن.

وعندما أتحدث هنا عن الشعور بالذنب فإنني لا أعني الأخطاء التي يرتكبها الشخص متعمدا، فهذه يجب أن نشعر بها وأن نحاسب أنفسنا عليها ونستغفر لها إن كانت في حق أنفسنا ونصححها ونعتذر عنها إن كانت في حق الآخرين، ولا أعني بالطبع ذلك الشعور بارتكاب الذنوب والمعاصي الذي يدفعنا للتوبة والاستغفار، وإنما أعني تلك الأخطاء التي تقع في حق الآخرين دون قصد كالتسبب عرضا في الإضرار بالآخرين.

وقد لاحظت أن مؤسس العلاج بالحرية النفسية (Craig) صار يحرص على أن يقول المريض في مرحلة الإعداد “أسامح نفسي تماما وأسامح الآخرين”، وهذا بالتأكيد يساعد في العلاج. ويقول جيرالد كاين (Gerald Kein)، وهو من أكبر المختصين المعاصرين في التنويم المغناطيسي، إنه يحرص شخصيا، ويوصي الآخرين، بأن يسامح نفسه ويصفح عن كل من يعرفه قبل النوم كل ليلة، ويقول أن هذا يعد من أهم أسباب الصحة والراحة النفسية.

وإذا شعر المريض بصعوبة الصفح عن شخص أخطأ بحقه، فهنا علامة واضحة على وجود مشكلة ومعاناة، وغالبا ما يقاوم المريض هذا الطلب من المعالج، فهو لا يعلم أنه هو نفسه المستفيد الوحيد من الصفح والمسامحة وليس الشخص الآخر، وأن بقاء الضغينة في نفسه يضره هو، ولن يكترث الآخر المتسبب في هذه الضغينة سواء بقيت في نفس صاحبها أو زالت. هذا بالطبع إن لم يكن له حق وفي وارده الاقتصاص لحقه.

ويذكرني هذا بالحديث المشهور الذي صح سنده على شرط البخاري ومسلم، وإن كان في متنه كلام، وقد تراجع الألباني عن تصحيحه وضعفه في ضعيف الترغيب والترهيب:

من حديث عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عن مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ, قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ, فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ, فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى, فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا, فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- رضي الله عنهما- فَقَالَ: إِنِّي لاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ قَالَ نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: فكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ, فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا, غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا. فَلَمَّا مَضَتْ الثلاث لَيَالٍي, وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ, قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِنِّي لَمْ يَكـُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلا هَجْرةٌ وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَاتٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلاثَ مِرَات, فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ, فَلَمْ أَرَكَ عملتَ كبيرَ عَمَلٍ, فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ قَالَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ, غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا, وَلا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ.

مقاطع توضيحية:

شرح للطريقة المختصرة للعلاج بالحرية النفسية للدكتور حمود العبري

شرح جيد للمعالج البحريني عصام البلوشي

تطبيق من الدكتور حمود العبري لمعالجة فوبيا الثعابين

Exit mobile version