مزالّ الكتابة


حيث أني ما زلتُ في طور التعلم ؛ كنت قد عقدتُ العزم على تأجيل هذه المقالة حتى يستقيم عودي في الكتابة ، ولكن طلب من لا يقبل طلبه التأجيل : عجّل بها ، فشكرًا لحسن ظنه الذي أرجو ألا يخيب ، وعذرًا لكل من يرى التقصير .


اعلان





المزلة الأولى : الكتابة للكتابة !

كل كتابة لها غاية تتغياها ، وعندما تكون الكتابة هي الغاية ؛ ستجد الكثير من الكلام الذي لا معنى له ، والعاقل لا يتفوه بكلمة فضلًا عن كلام إلا وله هدف يصبو إليه ، والعقلاء يزنون الأمور بغاياتها ، ويقيسون الأشياء بأهدافها ، فلتكن هذه منك على بال حين تمسك بزمام لوحة المفاتيح !

المزلة الثانية : الكتابة في كل شأن !

بعض الناس يظنُ أنه من الواجبات أنّ يدون رأيه في كل أمر ، ولا أدري من أقنع الناس : بأن يكون لكل شخص رأيًا في كل شيء ، فثمة أمور يحتاج تكوين الرأي فيها إلى فريق عمل لا عقل رجل ، والتهوين من اتخاذ الرأي في الأمور الجسام : أنتج الكثير من الآراء الساذجة والساقطة ، التي تستهلك وقتًا للرد عليها من أصحاب الاختصاص ، وجهدًا لتبيين عوارها !

المزلة الثالثة : التكلف في الكتابة !

التكلف مصطلح يخضع لاعتباراتٍ عديدة ؛ جلها غير موضوعي ، والبلاغة في حدودٍ معينة : ضرب من أضرب التكلف ، وليس هذا ما أعنيه ، وإنّما المبالغة في الغموض وعدم الوضوح والتحوير والتغيير والتصوير والتعبير بشكل يجعل القارئ الحصيف يتكلف القراءة تكلفًا حتى ينتهي من النص ، وهذا التكلف غايته : اقتطاع جزءٍ من إعجاب القراء ، ولكن على حساب المضمون ، وكلما كانت الكتابة بسيطة وعميقة : كانت أقرب وأنفع .

المزلة الرابعة : المبالغة في المبالغة !

كي تحوز على احترام القراء بجميع أطيافهم ؛ لابد أن تكون موضوعيًا قدر الإمكان ، وحيث أنّ الموضوعية المطلقة : متعذرة ، فلا أقل من أن تحوم حول الحمى ، ولكن غلبة العاطفة ، وطغيان الهوى ، وضغط الواقع ، وردة الفعل ، وقلة العلم ، وضعف الحجة ، كلها عوامل تدفع القلم لأن يستطيل في الدعوى ، ويبالغ في الوصف = ظنًا منه أنه سيجني اقتناعًا من قارئ ، وتعاطفًا من سامع ، والأصوات التي تكتسب من خلال هذه الطريقة : تزول عند سماع دعاوى أقوى وأوصافٍ أشد !

المزلة الخامسة : الإغراق في الجزئيات !

عندما تضع عدستك المكبرة على أمور صغيرة ، فحتمًا ستراها أكبر من حقيقتها ، ولا شك أنّ بعض الجزئيات في حاجة لتسليط الضوء والصوت عليها ؛ والحديث هنا عن الإغراق لا مجرد الحديث بإطلاق ، فتكبير الصغير وتصغير الكبير باستمرار : يحدث خللًا في الموازين لدى العامة ، ويحيّد التركيز عن المواضيع الهامة .

المزلة السادسة : عقدة المنقذ !

بعض الكتّاب يكتب بنفسيّة المنقذ ، وروح الفارس الذي سيذعن القراء لسطوة بنانه ، وخلاصة بيانه ، وهذا متولد من نفس كبُرتْ في عين صاحبها ، وعقلية متقدة في ذهن مالكها ؛ لذا يأنف إن رفض قوله فضلًا عن الرمي به في عُرض الحائط ، وهذه مزعجة للقارئ المستقل برأيه ، ومربكة للقارئ التابع لغيره ، والعقلاء يعرضون ما عندهم دون إلزام أو استسلام ، فالقارئ في النهاية : خصيم نفسه !

المزلة السابعة : الموضة الكتابية !

الكتابة التي ولدت من رحم المجاراة للآخرين ، وخُلقتْ من وحي ملاحقة الكاتبين = هي كتابة تطل من نافذة : سمعتُ الناس يقولون قولًا فقلته ، فلا يهمه الدافع ولا الشكل ولا المضمون ؛ المهم أن يواكب الموضات الثقافية بأي شكل يكون ، والمواكبة الدائمة بإطلاق غير محمودة ، والمخالفة للسائد أحيانًا غير مذمومة ، ورحم الله قلمًا عرف قدره ؛ فاحترم عقله ، ووفر وقت غيره !

المزلة الثامنة : عدم الدقة !

العجلة في كل شيء مذمومة ؛ إلا ما كان في وجوه الخير ، وبعض الكتّاب يسارع في تسطير رأيه ورؤيته حول حدث أو معلومة ، دون استفراغ الوسع وبذل الجهد في التحقق منها ، وكم هو مؤسف أن يعانق وجه الكاتب كفيه خجلًا ؛ بعد أن يكتشف أنه لم يكن على بيّنة !

المزلة التاسعة : الكتابة الذاتية !

بعض الكتّاب يدور حول نفسه ، ففي أي حديث له لا يجد صعوبة في الحديث عن نفسه ، وكأن الكتابة وسيلة تعريفه الوحيدة ، ويظن أن الناس متشوقون لسماعها في كل حين ، ولو بلغ مقدار ما كتبه عنها عشرات بل مئين ، والحديث عن النفس باستمرار : مؤشر على تضخم أنا أو تهميش نفس !

المزلة العاشرة : الضعف اللغوي !

كم من كتابة جميلة الجوهر مشوهة المظهر ، تحمل من المضامين أعلاها ، وتلبس من الملابس أدناها ، يعوزها النحو في أسهل حالاته ، وينقصها الإملاء في أبسط أشكاله ، تستجدي الترقيم لتفهمها ، وتتطلب الترتيب لتقرأها ، ورغم ما كُتب فيه من كثير كلام ؛ إلا أنّ الأمر يحتاج إلى مزيد اهتمام ، عجّل الله لي ولك بالمزيد منه وله.

أورنجزيب


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


تعليقات 4

  1. كم من كتابة جميلة الجوهر مشوهة المظهر ، تحمل من المضامين أعلاها ، وتلبس من الملابس أدناها ، يعوزها النحو في أسهل حالاته ، وينقصها الإملاء في أبسط أشكاله ، تستجدي الترقيم لتفهمها ، وتتطلب الترتيب لتقرأها ، ورغم ما كُتب فيه من كثير كلام ؛ إلا أنّ الأمر يحتاج إلى مزيد اهتمام ، عجّل الله لي ولك بالمزيد منه وله. —————- كلام رائع .. تجد كتاب كثير لديهم موهبة الكتابة ولكن لا يعرفون قواعدها الاساسية .. جزاك الله خير وعجل لنا بجزء ثاني بارك الله فيك وتقبل مررورى

  2. اعتقد ان اغلب هذه الصفات ينطبق على بعض كتاب الصحف الذين يجهلون معنى الكتابه الحقيقيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزالّ الكتابة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول