كـنت بدينـاً :)


كنت بديناً: ذكريات سمين سابق

هذه "ذكـريـــات" الكـاتب الســعـودي تـركي الدخيل


اعلان





و يجسد فيها معاناته "السابقة" مع السمنة المفرطة و ينتـقد فيها نظرة الناس و تعاملهم ـ و خصوصا العرب ـ مع أصحاب الوزن الثقيل

و هي من أجمل كتاباته الساخرة و أخفها ظل

كنت


عندما اتذكر أني كنت احمل على قدمي اكيالاً يبلغ تعدادها اكثر من 180 أصاب بالذهول، واحاول ان اغير موضوع الفكرة، مع أن القدرة على الانجاز تروقني كثيراً

اليوم فقدت ما يقارب من خمسين كيلاً من وزني خلال اشهر ستة. كان قرار التخلص من هذا الترهل في شهر آب (اغسطس) الماضي. واليوم نحن في نهايات فبراير وابدو لنفسي ثقيلاً بحاجة الى التخلص من المزيد من الشحوم

الحديث عن كونك بديناً في مجتمع لا يعبأ كثيراً بمشاعر الآخرين ذو شجون، وقصصي في هذا الخصوص لها أول وليس لها آخر
سأبدأ من الطائرات التي كانت مهمتي كصحافي ولا زالت تلزمني بركوبها كثيراً

كنت اجد نفسي مترفاً رغماً عن انفي، لا استطيع الركوب إلا في مقاعد الدرجة الأولى، مع انه هذه الاخيرة لا توفر لي راحة مرجوة

لم يكن عملي يوفر لي في احسن الاحوال اكثر من مقعد على درجة الأفق في رحلات العمل، وكنت ملزماً بدفع الفارق لصالح فارق وزني عن الأسوياء. وفي الطائرة، تبدأ معاناة من نوع آخر، بداية بحزام الأمان وليس نهاية بعدم القدرة على النوم في الرحلات الطويلة

لم تكن مقاسات الحزام الطبيعية حتى عندما تستخدم رمقه الأخير اتساعاً تكفي لتحيط بكرشي المترهل وزوائدي المندلقة في الأرجاء المحيطة بي. كان طلب وصلة للحزام هو الخيار الوحيد. وعندما تطلب طلباً كهذا على طائرة سعودية، حتى لو كنت ترفل بمقاعد الدرجة الأولى التي تفترض أن قاطنيها من علية القوم أدباً وخلقاً، فإنك تعرض نفسك لنظرات حادة ممن حولك، تحمل في احسن حالاتها الشفقة، وفي أوضاعها الطبيعية السخرية والضحكات العارية من الحياء، والتعليقات التي تشبه سياطاً لا تعرف للرحمة معنى. وليس بغريب بتاتاً أن يتفضل عليك جارك بالنصح داعيك للتخفيف رأفة بحالك! … وكأنك صعدت درجات سلم الطائرة واقتطعت من مالك قيمة لتذكرة سفر، بل وتجشمت عناء الغربة، ورضيت ركوب المطايا خاضعاً لوعثاء السفر، أملاً في أن تتلقى نصيحة باردة كهذه

هذه النصيحة تأتيك مزيجاً من ثقافة صحية ضحلة، مع تطفل طاغٍ في التعاطي مع شؤون الآخرين، كل ذلك مشوباً بجرأة غير محمودة، ما يشكل تعليقاً يكتفي بكلمتين لا اختصاراً بل وقاحة في قوله: الله يعينك! أو في خطبة طويلة تذكرك بمجد فيديل كاسترو أبان صعود الشيوعية

اذكر حادثتين ربما تُظهران الفارق بين تعاطي مجتمعنا مع قضايا الإنسان، وتقدير حقه في الاختيار، ومراعاة مشاعره، وبين تعامل الغرب مع حالة كهذه
ركبت الطائرة يوماً من الرياض إلى بيروت، وعندما طلبت وصلة الحزام الإضافية، سألني المضيف بصوت عال عن ما أريده؟ وكأنما أراد بقصد أو بغير قصد أن يٌسمع من حولي. يا مضيفي المهذب: ألا ترى بأن زوائدي كفيلة للحديث بصوت صاخب عن الموضوع، لم التذكير به الآن ثانية؟ كان ذلك لسان حالي الذي لم ينطق. كررت طلبي بصوت أعلى بقليل. فهز رأسه بأدب كناية عن استعداده لتلبية طلبي. وأشار بان عليّ أن انتظر حتى يفرغ من شرح وسائل السلامة أولاً للركاب، لأنه سيستخدم ذات الوصلة الحزامية الإضافية في بيان ما يجب على الأسوياء فعله بأحزمتهم غير المحتاجة إلى زيادات أو وصلات. أطرقتُ موافقاً، وما إن يمر من حولي وما اكثر ما يفعل، حتى يقول لي: لا تخف، فأنا لم انسَ وصلة الحزام الإضافية! .. ليتك نسيت يا عزيزي

بعد ذلك وقبله وأثناءه كنت الموضوع الأكثر خصوبة لتعليقات ثلة من الشباب تجلس إلى يساري، وهو ما جعلني أوغل في كراهية اليسار المتجذرة في داخلي أصلاً. لا زالت صدى الضحكات الساخرة يجلجل في أذني، وأنا اسمع موسوعة من النكات على البدناء والسمان، وكلنا ــ عبيد لله ــ

في الجانب الآخر، قمت بزيارة إلى الولايات المتحدة في مطلع العام 2000 مدعواً من الخارجية الأميركية، ضمن برنامج الزائر الدولي، وهو برنامج يتيح لما يزيد على 5000 آلاف زائر من الإعلاميين والسياسيين والمثقفين والاقتصاديين زيارة أميركا كل عام للاطلاع عليها، بكل أطيافها وتعدديتها، بوجوهها الحسنة والقبيحة، والحُسن والقبح نسبي بطبيعة الحال، باعتبار الناظر

قلت لمنظمي الزيارة أني امتلك من المؤهلات البدنية ما لا يتيح لي فيزيائياً الجلوس في مقاعد الدرجة السياحية التي عادة ما يوفرها البرنامج لضيوفه، وأني املك استعداداً كاملاً لدفع فارق السعر بين الدرجتين السياحية وما فوقها للحصول على مقعد يلائم ما اكتنزه من قدرات شحمية. قال لي المنظمون انهم سيسعون للنظر في الموضوع. بعد فترة قالوا لي انهم وفروا لي مقعدين سياحيين، لأن البرنامج عادة يوفر مقاعد سياحية، وليس من عادة الوزارة أن تصرف لأمور كهذه مقعداً أعلى من ذلك. قلت: لست أطالب أحدا بأن يخرق عادة أو يغير قانوناً. أريد فقط أن تتاح لي فرصة دفع الفارق. ابتسمت محدثتي بلطف بالغ، وقالت: أنت ضيفنا، ونرجو أن تقبل ما وفرناه لك. شكرتهم على ذلك

في مطار واشنطن العاصمة، وجدت تذكرة الصعود للطائرة مزدوجة باسمي، واستمتعت بمقعدين سياحيين مع عدم الأخذ بما سببه الفاصل بين المقعدين من آلام، لا بد أن تنسها وأنت تستمتع بزيارة أولى بعد الإدراك لدولة كالولايات المتحدة بكل تنوعها وثرائها المعرفي والثقافي والاجتماعي

وفي سان فرانسيسكو تلك المدينة الحالمة حدثت المفارقة المضحكة واللافتة في آن، حيث كنا نستعد للطيران باتجاه كبرى مدن تكساس، هيوستن، إذ قدم لي الموظف في المطار بطاقتين لصعود الطائرة. انتبهت لكونهما تخصاني ولم اهتم لباقي التفاصيل. قضيت باقي الوقت قبيل موعد الإقلاع مع الزملاء في البرنامج وهم يمثلون صحافيين وصحافيات من مصر، والضفة الغربية، والأردن، والمغرب، وتونس، وسوريا، وزميل سعودي إلى جانب العبد الفقير إلى الله

وعندما أُعلن عن وقت الرحلة وقفت في صفوف الانتظار بزهو، معتداً بقدرتي على الانخراط في النظام، ولو كنت عربياً. وفي الطائرة قدمت بفخر يشبه زهوي الأول بطاقتيّ للمضيفة التي أشارت إلى أن مقعديّ يقبعان في مؤخرة الطائرة، فمضيت إلى مضيفي المؤخرة، وهناك، قال لي مضيف اذكر تفاصيل وجهه التي كانت بلا معالم تنبض فيه، إن أحد المقاعد في الكرسي رقم 68 دي، والآخر في المقعد 71 إي . قلت له أني اعتقد أن لدي قدرات ممتازة، لكني لم أتصور أنها ستصل يوماً ما إلى درجة أن انفصل بين مقعدين بينهما ما لا يقل عن ثلاثة أمتار. فغر المضيف فاه مستغرباً، فزدته: هذان المقعدان يفترض أن يكونا للعبد الفقير إلى الله الماثل أمامكم، وهو حتى هذه الساعة كتلة واحدة، وان كبرت وتضخمت، إلا أن فصلها إلى جزئين يبدو متعذراً اللحظة. لجأت إلى السخرية، لأخفف من الموقف في تأثيره على نفسيتي، ولا شيء يخطر في بالي ويجول بذهني إلا رحلة بيروت تلك التي تتراءى بتفاصيلها أمام ناظري. قال لي: تبدو الرحلة ممتلئة بالركاب، انتظر حتى نرى ماذا يمكن أن نفعل! .. كأنه قال لي: اصبر لننظر في كتلتك المترامية وكيف نجد لها حلاً
أصدقكم جميعاً أني حينها وقعت في شجر البوادي، وخضت في وادي حيص بيص، وعنّت لي الأفكار التي لا تروى، لعل اقلها أن أعود من حيث جئت رافضاً الانصياع لقوانين الأسوياء أجساداً. يلزمني الآن وأنا في كامل وعيي التأكيد على أنه ليس بين أفكاري تنفيذ أي عمل يصنف بأنه عدائي أو إرهابي، تنفيذاً لوصية كان يرددها صديق قديم مفادها أن الخوف مليح
بعد دقائق مرت عليّ أطول من حصار العراق، قال لي المضيف البائس: اعتذر لك! .. لا يوجد مقعدين خاليين الآن. يلزمك أن تبحث بنفسك عن حل لمشكلتك

و أطرقتُ للوجوم، واليأس، والقلق في آن. كان على مقربة مني، ضمن مجموعة من الوجوه المتكاثرة التي تداخلت في بعضها لتشكل نسيجاً لا رابط له في ذاكرتي، شقراء في بحر الثامنة عشرة من عمرها، جلست بحنو إلى جانب شاب يكبرها بعامين أو ثلاثة. كان الفتى الأميركي قد نثر حدائد مزروعة في وجهه، بين انفه وشفته ولسانه وأذنه، ما أوحى لي وفقاً لأرث ثقافي- اجتماعي مكتسب بأنه يصنف في خانة من لا خير فيهم، وبخاصة اعتباراً على أن ــ سيماهم في وجوههم ــ

خلال لحظات الحيرة والقلق التي بدت على معالم وجهي المستدير اكثر مما يجب، كتب الله لي أن استمع بتركيز إلي الفتاة وهي تطأطيء على صاحبها، لتقول له: "عزيزي، لم لا نأخذ المقاعد الأخرى لإنقاذ موقف هذا الشاب؟"
الله أكبر….. ربما للمرة الأولى استمع إلى من يقدم شبابي في وصفه لي على سمنتي
هز الحبيب المغرم ذو الخلاخل رأسه موافقاً دون إبداء تفاصيل. وقامت الفتاة ذات الصوت الهامس، من مقعدها تجر إليها صديقها، لينتثرا بعد ذلك في مقعدين متباينين، حتى لا يوقعا عربياً سميناً في حرج

لا زلت مديناً لتلك الفتاة بكلمات شكر وعرفان، ولصاحبها باعتذار لتصنيفي له ولشكر يوازي شكر صاحبته
أنا مدين لهما بالشكر كثيراً… لا لكونهما ساعداني في محنة مزعجة فقط، بل لكونهما علماني أن الإنسان لا يجب أن يصنف الناس باعتبار إشكالهم أبداً. لست أدري ربما وفقاً لما كنت عليه قبل تعلمي هذا الدرس، واجهت من يقول: ماذا ترجو من سمين لم يستطع أن يحل مشكلته مع بدنه، فكيف سيتعاطى مع غيرها؟! كانت هذه الحادثة وغيرها مفتاحاً مختلفاً لي للتعاطي مع الولايات المتحدة إجمالاً، ولعل من العناصر التي جعلتني أغير وجهة نظري ذاك المشهد الذي لا زال عالقاً في ذهني إبان مغادرتي وعائلتي الولايات المتحدة قافلين عودةً إلى بلادنا بعد عامين من الدراسة. كان صورة ناطقة لزوجتي النجدية المحافظة المحجبة، وهي تعانق جارتها سيندي البروتستانتية المنفتحة ذات الشعر الأصفر المتناثر في مشهد وداع كان مكسواً بدموع صادقة ولحظات حزن عارمة على الفراق… كل ذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بثمانية أشهر
سيندي وأشواق، لم تعبئا في صدق عناقهما، بصعود اليمين المتطرف في ادراة بوش، ولا باليمين البن لادني في تمثيل العالم الإسلامي

كان الحضور طاغياً للإنسان، ذلك الذي يغيب في كل صراع………انتهى


تحياتي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كـنت بدينـاً :)

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول