غطرسة الوضيع


تنزوي في قلوب السواد الأعظم من عباد الله غدة لعينة، تفرز إنزيما للتوق، ينتعش بوفرة حين تعود قلوبهم بالهزيمة جراء الإعراض، ويشح حد الجفاف، بالمقابل، حين يتسنى لتلك القلوب الظفر، وبالأخص إذا حل بلا فرط عناء.

ولأجل هذا، تنال قصص الحب التي من طرف واحد نصيبا فخما من المبالاة والإثارة، بينما يخفت وهج ما سواها، ولا تنال العائد ذاته من الرنة.

ولا يتبيّن لِمَ يهيم الناس بمن يضرب عنهم صفحا، وتراودهم حكة الشوق إلى لقائه، بينما يزهدون فيمن تمتدّ يده إليهم بالوصال النقي، ويبخسونه أهميته الجديرة. ويا لها من هالة يعود بها المرء الصَدود، ويُفلس منها المبادر.




وإلى ذلك، يشرئبّ الناس إلى آنية سواهم، بالغا ما بلغ بخسها، في حين يعافون ما بحوزتهم، كائنة ما كانت نفاسته. وكمثال، غالبا ما نقع على قصص زوجية محيرة في هذا الصدد.

وفي شؤون الاعتياد، لا نكيل المدائح، ولا نزجي أكاليل الحنين سوى للغائبين منا، في الوقت الذي لا يعود المواظبون بالحضور إلا بالملل والغفلة. وحتى نسقنا المدوَّن يؤازر ذلك. أما جاءت في تراث العرب مقولة الأم التي سألوها عن أحبّ فلذاتها إلى فؤادها فأفادت: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ، وغائبهم حتى يعود. فأي شيطان خصه الله بالكبير، والسليم، والحاضر؟ وأين إذاً سيعثر أولئك على الحب السليب؟

ألا يبدو الأمر كما كتب باولو كويلهو في إحدى عشرة دقيقة: الحب مقرون بغياب الآخر؟

ومراراً، يتبدّى أن شرط النجاة الأوحد لأيّما تعارف جديد بين اثنين، هو أن يتم تلقاءً دونما سبق إصرار أو ترصد، ويتخلل ذلك ادّعاء بقلة الحماسة لنمو هذه الصداقة. وحده هذا ما سيجهض المزاجيّة وتعالي الطرف الآخر. وما خلا ذلك، فسيكون، عمّا قريب، مصير هذا المشروع الوليد سلةَ المهملات.

وفي سياق إلى حد ما متصل، يضج الناس بالقهقهة لحظة أن يتفوه رجل بطرفة، شريطة أن يعلو محياه وقتها شيء من سيماء الصرامة، ودون أن يطلق الضحكات. في الوقت الذي تكون فيه الطرفة ذاتها أدنى وقعا، وأقل إضحاكا, ساعة أن يلقيها قائلها ممهورة بوابل من القهقهات التي له. فحبا بالله، ما سرّ سطوة الإعراض؟

لِمَ يلهث الناس خلف اللاهين عنهم، ويتقشفون حيال المقبلين؟

لأي شيء تغدو خريطة الطريق الأشد ضمانة ناحية قلوب الآخرين مبرمجة وفق إحداثيات الصد؟

ما سر خسران المرء نصيبا من الغنائم حين يتجشم البدار بالصلة وبلا أجندات سقيمة؟

أي أمر يختار، من ترتطم القيم لديه باعتبارات الواقع، وتتعين عليه المفاضلة بين الركون للمبدأ، لو بشيء من الخسران، أو الغيرة على الأرباح، لو على حساب القيمة؟

أتكمن الحكمة في أن يمكث المرء ضمن سياج الأمل، لمن استطاع إليه سبيلا، أم لا عليه لو يندرج في عداد الألم، والله غفور رحيم؟

وفي أثر الفراشة، كتب محمود درويش : أن نكون ودودين مع من يكرهوننا، وقساةً مع من يحبوننا، تلك هي دونية المتعالي، وغطرسة الوضيع.


تابع جديد رسائل المجموعة على تويتر

/
twitter.com/AbuNawafNet


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

غطرسة الوضيع

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول