صناعة السعادة


قبل عدة سنوات قضيت عيد الفطر في القاهرة وفي صباح العيد مررت بإحدى الحدائق العامة في أحد الأحياء الشعبية وقد لاحظت هناك صفة عجيبة في شريحة البسطاء ما وجدتها عند الكثير فالصغار قد لفهم السرور وظللتهم سحائب الفرح فلا تسل عن الزهو وحجم المباهاة بتلك الملابس البسيطة الجديدة التي يرتدونها فتراهم غادين رائحين حيث الضحك المتواصل والأرواح الطاهرة والأفئدة النظيفة متحابين متعاطفين لايشكون هما ولايندبون حظا وغير بعيد من هولاء الصغار كان الكبار يرتشفون مشروب( الشربات ) باستمتاع عجيب والنكت تتراقص بينهم والضحكات تتعالى وقد أدهشني هذا المشهد وأعطاني درسا لن أنساه طول عمري في مهارة الاستمتاع باللحظة و فن تقدير الموجود وأيقنت تماما أن العبرة ليست بما نملك إنما بحجم تقديرنا له!
وقد أكد هذا المعنى الشاعر الانكليزي جون ملتون صاحب ملحمة الفردوس المفقود بقوله:
في وسع العقل أن يخلق وهو في مكانه….جحيما من الجنة أو نعيما من الجحيم

ولن أنسى تلك الرحلة البرية قبل سنوات والتي صادفت أجواء ربيعية منتهى الروعة حيث الرذاذ يداعب الوجنات والأرض قد راضها كف المطر فتوشحت برداء أخضر فغدت كعروس في ليلة عرسها ولكننا للأسف قد اشغلنا أنفسنا طوال الرحلة بالتوجع والصدام مع مجموعة الذباب فلم نتغنَ بجمال الطبيعة وتناسينا كل التفاصيل حولنا!


اعلان





سئل شيخا كبيرا قد تجاوز المائة من السنين عن سبب تمتعه بتلك الصحة رغم العمر الطويل فرد بإجابة جميلة عميقة وقال انه عندما ينهض من فراشه يعرف أن لديه خيارا عليه اتخاذه أما أن يكون سعيدا أو لايكون وقال انه قرر منذ زمن بعيد أن يكون خياره على الدوام أن يكون سعيدا! وتلاحظ على الكثير تفضيله لخيار التعاسة والشقاء في حياته حيث النفسية المتأزمة والوجه المكفهر والتصرفات الخرقاء وامتهان تصيد الأخطاء والسلبيات وتلمس مواطن الضعف ! قدرة عجيبة على مهارة (تشويه الجميل) و عقليات لاتكن أي تقدير أو احترام للحياة! وهكذا تمضي بهم الأيام في دروب التعاسة والشقاء لأنهم اختاروا أن يقيموا في مواطن البؤس ومستقر الألم وما أجمل أن نتعلم إستراتيجية)الاستمتاع بالموجود)! نسعد ونستمتع بأطياف النعم التي تتراءى بين أعيننا نرفل في نعيمها ليل نهار

يقول احد الفلاسفة من لم يسعد بما في يديه فلن يسعد بما سوف يأتيه في المستقبل

وتظل كلمة السعادة من أكثر الكلمات جاذبية وهي مطلب البشر بأسرهم فكل سلوكيات البشر وما يطمعون إليه غايته السعادة والحصول على السعادة لايكون بتعمد تأجيل الفرح لغائب ينتظر ولمفقود يطلب فتفاصيل الحياة عامرة بالأمور المفرحة تفاعل مع ابتسامة القمر وحفيف النسيم وخرير الماء وابتسامة الصغير تغريد الطير و رنة الحادي و منتثر الورد و يقظة الفجر استمتع بتقبيل رأس الأم و حضن الولد و حديث ا لصديق وغيرها مما يبهج الروح ويسر الخاطر مما تملكه وهي لاتعد ولا تحصى والقاعدة تقول استخدم الشيء وإلا خسرته وتلك الدور وهاتيك القصور والضياع والمراكب الوثيرة لن يكون لها أدنى قيمة ما لم يستمتع بها ومن أعجب ما قرأت في فن صناعة السعادة ماذكر عن مجموعة من المساجين والذين حكم عليهم لمدة عشرين سنة أنهم كانوا يحتفلون بغروب كل شمس فرحين بانقضاء يوم من أيام سجنهم الطويلة لا ثياب جديدة تفرح ولا بيوت واسعة تبهج ولا أموال تسعد ولا صحة تسر فماذا نريد؟ ما أحوجنا أن نضحك كالصغار فالشيء الصغير يضحكهم وأحيانا من لاشيء يضحكهم! وضحكاتهم تنبع من إحساسهم بان كل شيء على ما يرام! وكأنهم تشربوا قول شيمفورد ليس أضيع للسعادة من يوم فات ولم تضحك فيه!
تذكر إن ما تملكه هو اللحظة الحاضرة فالماضي لن يعود والمستقبل أمره بيد الله

ومضة قلم:
إن منظر الشاكر ونغمة ثنائه وحمد أوقع في السمع من العود في هزجه وأعذب من نغمات معبد

د خالد بن صالح المنيف
[email protected]


تعليقات 10

  1. المقال جداا راااائع وصلني وانا في امس الحاجة اليه وصلني ونفسيتي في ادنى مستواياتها بارك الله فيك اخي خالد اقف لك احتراما وثناءا على كتاباتك الرائعه فانا وامي اليوم كنا نتكلم عن نفس الموضوع عن المصريين وروحهم الحلوه بالرغم من قساوة الحياة حولهم وحالتهم الماديه الصعبه الا ان اللبسمه وروح الظل لا تفارق محياهم اشكرك ثانيه ..فانا وامي ايضا من المتابعين لك

  2. صراحة كانت فيني بعض الضيقة اعوذ بالله منها لكن بقراءة موضوعك انشرحت اساريري:D وفعلا دكتوري العزيز (في وسع العقل أن يخلق وهو في مكانه….جحيما من الجنة أو نعيما من الجحيم) وهذا شيء جربته بنفسي اسألك لك وللجميع السعادة دائماً وشكرا لك عالموضوع الاكثر من رائع 🙂

  3. مشكور اخوي خالد كتابه وتمحور جميل حول موضوع رائع ومفيد بانتظار جديدك

  4. تحية طيبة لك.. اشكرك كثيرا على ما سطرته.. وصدقت في اننا نصنع السعادة بانفسنا.. وموضوعك يشمل اكثر من السعادة.. حيث اننا نقدر ان نصنع الحدث او نقول نوظف الحدث.. وابسط مثال امريكا حيث انها توظف الحدث و الاحداث في صالحها حتى ولو كان سيء و مشين تجلعه انتصار لها و بطولة او جعله امر ايجابي.. لك تحياتي..

  5. كم سعدت بأنضمام د.خالد المنيف في مجموعتنا البريدية فصفحتك بجريدة الجزيرة أكبر شاهد على أبداعك المتواصل. مقال رااائع,ولكن يبقى التطبيق.

  6. (يقول احد الفلاسفة من لم يسعد بما في يديه فلن يسعد بما سوف يأتيه في المستقبل)

  7. في زمن قلت فية الاقوال الحكيمه ذات المغزى فمررررررة شكرا على الفته الرائعة وننتظر الاروع ان شاء الله

  8. يقول احد الفلاسفة من لم يسعد بما في يديه فلن يسعد بما سوف يأتيه في المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

صناعة السعادة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول