خمسونَ دقيقة‎


المكان : إحدى قاعات كلية الحقوق
الحدث : محاضرة القانون الإداري
الوقت : 11 صباحا ً


اعلان





أشعر بالانزعاج، هذا الكائن لم يتغير مذ عهدته ! نفس التعابير و نبرة الحديث و الوجه البارد..
نفس الثياب وطريقة التفكير .. لا شيء يتحسّن على الإطلاق..
حتى المنديل الذي يحتفظ به في جيبه الأيسر ويُخرجه كلما أوشك على العطاس لم يُكرم نفسه بتبديله !
يدل على ذلك لونه المُصفرّ ومظهره البالي.

لا زال يُردد نصوص القانون ببطءٍ يُشبه خُطوات السُلحفاة، ينصب عينيه بعينيّ ويومئ لي برأسه أن اكتُبي،
أحاول كتابة أي شيءٍ يملأُ فراغ الورقة أمامي.. تُراقص أصابعي خاصرة القلمِ بشكلٍ انسيابيّ .. أغرسُ زهرةً مُنتعشَة ..
أنظمُ قصيدةً مبتورة .. أنقشُ زخارفاً عشوائية .. و أحفرُ وشوما ً زرقاء كتلك المحفورة على وجوه بدويات السنين الماضية ..
أسفل الورقة أرسم راقصةَ باليه صغيرة .. تتراقص على أنغام الصمت الذي يحفٌّ الدفتر، رغم الرزانة التي تلفُّ رقصتها ينسدلُ شعرها الأشقر المموج ..
تخرجُ من خلف شعرِها المتناثرِ فراشة.. تشقُّ بجناحيها سطور الورقة التي تكبلها
حتى تتطاير أمامي متحررة ً من رائحة الورق ..

تحطُّ فراشتي على كتفِ الفتاة الجالسة أمامي ثم تعود لتتمايل في الهواء بخفَةٍ فاتنة.. يخطفُ بصري عنها وجهُ الأستاذ الذي يوجه لي سؤالاً لم أعيه ،
أتمتم .. أحاول أن أجيب بأي كلمةٍ قانونيةٍ تُرضيه و أسمع همهمة صديقتي التي تحاول المساعدة دون جدوى ..
يتجاهلُ الأستاذ محاولاتي الموءودة للإجابة و يعود لسؤال طالبةٍ أخرى ..

أرجع إلى ورقتي المزحومة ..
أحشو فيما تبقى من بياضها كل التواريخ المهمة بالنسبة لي ..
أرسمُ ساعةً كتلك التي كُنا نرسمها على أيدينا يوم أن كُنا صغار تُشير عقارِبها إلى 11.30 تماماً ..

“أوف ! ” باقي عشرون دقيقة .. تمرُّ كل دقيقةٍ فيها كالزؤام !
هل تتخيل أن تموت مقتولا ً بنصوصِ القانون ؟ ما أدناها من طريقةٍ للقتل ..
أستعيذُ بالله من شرِّ القانونِ الإداري و أهله، ثم أعود لأَضيف على زحام الورقة كتابً صغيرً بغلافٍ أبيض.
أتمنى لو أن أوهب مقدرةً سحريةً على فتحِ هذا الكتاب !

عن ماذا سيتحدث يا ترى ؟ ربما عن مدينةٍ جديدةٍ لم أسمع بها من قبل ، آه ما أروع اكتشاف العالم وأصعبه !
أينَ ستكون تلك المدينة يا نورة ؟ في أيٍ عُضوٍ من جسدِ العالَم ستُحشر ؟ ربما في الشرق الأقصى !
نعم ، مدينة صغيرة .. دافئة .. تعيش على حد الكفاف .. شعبها يُجيد الابتسامة ويتحدث بلغة الهان ..
تلفٌّها غابات الخيزران و الصنوبر و حقول الأرز .. بيوتها طينية و أزقتها ضيّقة وأرصفتها تغصٌّ بأقدام المارّةِ والباعة المتجولين ..
ربما أرسمُ بجانب الكتاب امرأةً من تلك المدينة بلونِ بشرتها الأصفر وقامتها القصيرة وشعرها الأسود الفاحم و ألوان الكيمونو الزاهية !

يبدو أن الورقة لم تعد تحتمل أي خربشاتٍ أخرى ، تلكزني لولوة بقوة بينما أغرق بالتفكير في مدينتي الجديدة: هااااه ! أُجيبها بنفاذ صبر، فُتشير إلى الأستاذ..
أعتقدُ بأنه يقول شيئا ً مُهمّاً يحتاجُ للتدوين فعلا ..

أتجاهل لولوة و الأستاذ وملاحظاته التي لا تُغني و لا تُسمن من رسوب !
وأقلبُ ورقتي التي جرّح بياضَها قلمي ، أرسم ساعةً أنيقة أغرسُ داخلها حبَاتٍ من الألماس،
تُشير عقاربها إلى 11.50 تماما ً . انتهت المحاضرة !


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


تعليقات 6

  1. سرد جميل لاحداث هذه المحاضره الممله والدكتور الذي يوجد الكثير من عيناته التي لاتسمن ولاتغني من رسووب ..! سلمت يداك اخت نوره ، وان شاء الله في المستقبل القريب يوضع قبل اسمك د لأنك تستحقين هالحرف اكثر بكثير من البعض !

  2. المقال اعجبني كثيرا لكن عنوانه خمسون دقيقة لم يكن مناسبا وتحيط به الشبهات والله اعلم والسموحة اذا اخطأت

  3. أسلوب راقي.. خيال عميق.. كلمات منتقاة.. لكن حقيقةً لا أعي بما قد أستفيد منها؟!! هل هي مجرد ذكرى؟؟ أو ماذا؟؟ ولكن استمتعت بقرائتها 8)

  4. لأول مرة أكتب تعليقاً في هذا المكان ربما كان هناك تعليق قد كتبته قبل مئات السنين هنا لكني الآن أكتب في هذا المكان للمرة الأولى ما كُتب لطيف ورائع نعم لطيف وممزوج بشيء كنت أحتاجه منذ فترة… راجعت كل ما المقالات السابقة وجدت أني لو كنت قرأت أول مقال لما كنت تابعت القراءة أبداً لكني وجدت المقالات الأخرى جميلة لاأدري ما أقول فقط شكراً فقط

  5. تعبيرك عن احداث المحاضرة جميل للغاية .. فـ تسليطك الضوء عن اسلوب المحاضر وما يمتاز به بــ كتساء ثوب الملل والتكرار وعدم التطرق والبحث عن اساليب ومستجدات تضيف للقاعة روح جديدة ويقبل الطلبة على الانصات وكسب المعرفة بما يليق بهم ,,, اختي لقد سرحت ذاكرتي معكى إلى الوراء ايام دراستي في الثانوية وتذكرت حصة الرياضيات ومدرسها الممل :~ فالح فقط في تعبئة الصبورة بأرقام ورموز وحروف وقرائتها اثناء كتابتها ثم يلهث لكي يفرغ بياناتها B قبل ان نفهم ما كُتب .. وقبل ان نقوم بنسخها في دفاترنا …

  6. ليتني استطيع الوصول الى مدينتك الفاضلة و الهروب من هذه المحاضرات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسونَ دقيقة‎

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول