حياة الأسود


الليث أو الهزبر أو القسورة أو الضرغام أو الغضنفر وإن شئت فقل ملك الغابة
تعددت أسماؤه وتنوعت أشكاله وتشابهت صفاته فالعرب تطلق عليه قرابة الخمس مئة اسم وصفة لا مكان لمفردات الخوف أو التراجع أو الضعف أو الرحمة من بينها
لا تستطيع الاقتراب منه فتضطر إلى النظر إليه من بعيد … لا تستطيع الوثوق به فطبع الفتك يجري في دمه … لا تستطيع أن تناقشه فشعاره وافق أو فارق ولا تستطيع أن تشاركه القيادة فقانون الأسود ( إما أن تقود أو تقاد أو تموت في العراء )
يقود جماعات ترفع شعار التبعية له خوفاً منه لا حباً فيه … لا يسمح فيها برأي ناقد أو اجتهاد مساعد
..
الجميع يعمل ويخطط في صمت وحذر لمحاصرة قطيع من الجواميس ثم تبدأ المعركة وتنطلق إناث الأسود وأسودها الفتية خلف القطعان الهاربة في مشهد دموي عنيف على مرأى ومسمع من الأسد الملك الذي يستلقي مستمتعاً بجهود أفراده
وبعد معاناة من المطاردة ينتهي المشهد غالباً بسقوط الضحية مع إصابات طفيفة وربما بالغة لبعض الأسود العاملة …
وما هي إلا لحظات حتى يُقبل الأسد القائد من بعيد يسبقه زئيره …. وتقوده مصالحه فيأخذ من اللحم أطيبه ومن الوقت أوفره ….فإذا اكتفى وقطف أطيب الثمار تراجع إلى الخلف فاسحاً المجال لأتباعه ليتنازعوا على ما تبقى من فتات مائدته
تدوم هذه السيطرة من الأسد على بقية القطيع ينافس ويناضل ويقاتل حتى يهرم فيتنازل عن الحكم أو يموت برصاصة صياد أو مخالب أسد أقوى منه
فما إن يتولى الأسد الجديد منصبه حتى يبدأ بالفتك والقتل وتصفية الحسابات وفرض السيطرة والهيمنة والتي يروح ضحيتها عادة ــ كما يقول الخبراء ما بين عشرين إلى ثلاثين أسداً …. حيث تقتل الأسود المتمردة و الأشبال الصغيرة و الأمهات المدافعات عن صغاره

إن هذه الحياة المليئة بالتنافس المميت على السلطة والهيمنة وتقديم المصالح الشخصية
وكتم الحريات ووأد المبادرات ومصادرة الآراء …. حياة تكرِّس الأحقاد في نفوس التابعين وتحوِّل صدورهم إلى قنابل موقوتة ذخيرتها الاحتقان وفتيلها الانتقام ونارها العواطف
ففي البيت يتسلط الأب فيزرع في نفوس أبنائه أن القوة في البأس ، والرجولة في العنف لتتحول بعد تكرار الممارسة إلى منهج حياة ينتهجه الأبناء مع أبنائهم في سلسلة قد تبدأ ولا تنتهي
وفي العمل يتسلط المدير على موظفيه ويحاول إدارتهم بسوط العقوبات وتتبع الزلات ويسخرهم للقيام بالأعمال والمهام ليأتي في نهاية المطاف لقطف الثمار وقص الشريط والابتسام أمام عدسات المصورين … ناسباً الفضل لعقله لا لأهله
فإذا رحل هذا المدير وجاء مدير متسلط جديد فعل كما يفعل الأسد الجديد .. من الإبعاد والإقصاء والفتك ، فتجده يبعد هذا وينحي هذا ويهمش هذ
وفي المدرسة يدخل المعلم إلى فصله كما يدخل الأسد إلى عرينه فلا أحد يدخل بعده ولا مجال للحديث أو الحركة عنده فمخالب الدرجات بادية وعصا الخيزران حاضرة
إن إدارة البشر والتعامل مع الناس أشبه بالإمساك بطائر صغير إن أغلقت يديك عليه اختنق وإن فتحتهما طار وشرد
إن التسامح والتغافل وتفهم الآخرين والتقلب بين الحزم واللين واحترام الحقوق وتأدية الواجبات ومراعاة الله عز وجل صفات يجدر أن تكون في الأمير والوزير ورب الأسرة والمدير وفي كل من ولي للمسلمين أمرا
قال صلى الله عليه وسلم ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نزع من شيء إلا شانه(
إن الإدارة بالقوة تصحح الخطأ بالخط وتطفئ النار بالنار و تخيط الجروح بلا تخدير و تنزع الاحترام من النفوس وتزرع الخوف في القلوب ،
إن الإدارة بالقوة تصنع لك جيلاً من الأتباع المنافقين والمتزلفين الذين ينقشون الرأي ولا يناقشونه
والناس عندما يحبون شخصاً ما يسعون بإخلاص له وعندما يكرهونه يسعون للخلاص منه

ومن تأمل في القرآن وهدي سيد الثقلان عليه السلام سيدرك أن الإدارة بالأخلاق واللين كانت هي الأداة التي عبدت له طريق القلوب
فمهما علا شأنك وارتقى منصبك وقويت شخصيتك فلن تؤثر في الآخرين ما لم تكن وسيلتك الابتسامة،وطريقك الرفق،ومنهجك التسامح، قال الله عز وجل :
( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك )
مع أنه أفصح العرب وأعظم نبي ومع أنهم خير أمة وأفضل صحب
دمتم في رعاية الله …..
ياسر الحزيمي
[email protected]


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر




   


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حياة الأسود

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول