تأطير الوعي


الوعي : هو المنتج النهائي لعمليات معقدة من التفكير والتحليل لمدخلات العقل ، لذا كان الأصل في مداه أن يكون واسعًا لا حد له ، ولكن أصل الخلقة والتربية والبيئة والطبيعة ومصادر التلقي تحجم من هذا المدى قدر المستطاع ، وهذه قراءة بسيطة ، ذكرتُ فيها أمورًا تؤطر الوعي وتقلص مساحته ، علها تكون سبيلًا من سبل زيادة المساحات للوعي وأهله !


اعلان





الإطار الأول : الاكتفاء بالمعروض
عندما تكتفي بما يُعرضه لك الآخرون فقط ، فقد وضعت نفسك في إطار قد حدد طوله وعرضه غيرك ، فأنت ترسم حقًا ولكن في إطارات الآخرين ، فتحرر واجعل الرسمة والإطار منك ولك .

الإطار الثاني : انتظار المعلومة
لا تنتظر من المعلومة الصحيحة أن تأتيك ، فالمعلومة الصحيحة مثقلة بالحق ؛ لذا سعيها بطيء نسبيًا ، بخلاف المعلومة المشوهة أو الباطلة : فخفتها تساعد على انتشارها ومن ثم خدمة التوصيل المنزلي لأمثالها متوفرة ، فشمّر عن ساعد البحث ، ونقب وفتّش فالكنوز دائًما مخبأة !

الإطار الثالث : القراءة الكسولة
نظرًا لقلة النشاط القرائي لدينا ، كانت لياقة الكثيرين ضعيفة في ميدان القراءة ، فنكتفي بكتاب أو كتابين ونظن أن الإدراك قد أناخ مطاياه عند أبواب فهمنا ، فالمعلومة البكر : محل الثقة والتسليم ، والتسليم لأول معلومة : إطار يحجم الوعي ، ولا يفك قيد هذا الإطار إلا مواصلة القراءة الجادة والبحث .

الإطار الرابع : الإعلام الموجّه
لن تجد وسيلة إعلامية على وجه هذه البسيطة : غير موجّهة ، فالحياد مخلوق لا وجود له ، وكل من خلف المقروء والمسموع والمشاهد : منحاز ، ولكنهم يتفاوتون في شدة الميل ، وبعض الميل أهون من بعض ، وحين يتكأ عقلك على تلقف ما يقذفه الإعلام : فقد وقع في التأطير باختياره ، ولن تجد المخرج منه إلا بتعدد المصادر وتنمية ملكة القراءة لما خلف الرسائل .

الإطار الخامس : الثقافة الشعبية
عندما تسند مَلَكة المثاقفة على مشافهة المجالس العامة فقط ، فقد أسرت نفسك في إطار الثقافة الشعبية ، وهذا الإطار يضيق ويتسع حسب ديانة وعلم ووعي الشعب الذي تعيش فيه ، وفي الجملة هذه الثقافة تتقصد التهويل والغرابة ، والتضخيم والإثارة : كي تلفت الإنتباه ، وحين تكون هذه دوافع ثقافتك : فقد حجزت لنفسك مكانًا على الهامش ، والعاقل لا يرضى أن يكون من أهل الهوامش .

الإطار السادس : البحث المسيّر
من الإشكالات التي تواجه الباحثين في المجال المعرفي : تداخل الموضوعي بالذاتي ، فحين يدخل هوى الإنسان في بحثه ؛ يجنح به عن جادة الحق ، فالهوى ما دخل أمرًا إلا شانه ، ولا نُزع من شيء إلا زانه ، فحين تستسلم لميول الهوى : فأنت تقفل على نفسك إطارًا مبرهجًا اسمه البحث المسيّر ! ، وأنا هنا لا أدعو إلى التجرد التام : فهذا محال ، ولكني أدعو إلى تحري الدقة ، والبحث عن الحق لذاته قدر الإمكان ، رزقنا الله وإيّاك الخلاص من هذا الإطار.

الإطار السابع : الرضى بالحال
عندما تختلط المفاهيم : تنتج السلوكيات الخاطئة ، ومما خلّط الناس فيه : القناعة بالحالة العقلية والعلمية ، دون الحالة المادية ، مع أن الشرع حث على الاثنين معًا ، وحين ترضى بالمستوى العقلي والعلمي الذي أنت فيه ؛ فقد قلصت المساحة التي يسعى فيها وعيك بإطار منتهي الصلاحية ، فالوعي إن لم تُنشّطه : فإنه سيترهل .

الإطار الثامن : الخضوع للطبائع
عندما يجتمع العقل والنفس والروح = يتشكل الإنسان ، ولكل جزء من هذه الأشياء حاجاته ومتطلباته ، وأي خلل أو نقص في المدخلات : سينتج مخرجات غير سوية ، والكمال البشري يكون بتكامل هذه الأجزاء لا بتقاطعها ، وعندما تكون الغلبة للطبائع : يتولد تحجيم الوعي ، فالوعي سيد نفسه ، وتأطيره لازم من لوازم الانقياد للطبع .

الإطار التاسع : القبول المطلق
عندما يعجبنا كاتب ما ، أو عالم ما ، أو مفكر ما ، أو خطيب ما ، أو معلم ما ، أو أي مصدر آخر = نجنح للثقة به على وجه العموم ، والمنطق يقول : إنّ حب الذات لا يستلزم القبول المطلق ، فأنا قد أحب فلانًا من الناس ، ولا يدفعني هذا الحب إلى قبول كل كلامه بإطلاق ، فالخطأ والزلل حتم لازم لكل إنسان ، وإذا جعلنا المحبة لازمة للقبول : فقد دخلنا بوابة التأطير قصدًا ، فلتكن المحبة في القلب لا تمس ، والقبول من عدمه من مهام الوعي دون تضييق.

الإطار العاشر : وهم المرجعية
عندما يجعلك من حولك مرجعًا ، وينصبك الإعلام معلمًا ، ويعدك الكثيرون مغنمًا ؛ فاحذر مغبة الوقوع في وهم المرجعية ، فهذا الوهم يجعل وعيك يسير في طرقات المعلومات : ظنًا منه أنها خالية إلا منه ، وحين يكون ذلك كذلك : فقد أدخلت نفسك في إطار : حدوده واسعة ، ودهاليزه خطرة ، ومعالمه صعبة ، وكان الله في عون من كان كذلك .

وهذه العشر ليست للحصر ، فالأطر أكثر من أن تؤطر بمقالة ، ولكنها نافذة لكل من أراد الإضافة ، وقد يكون في بعض ما ذكرت تداخلًا ، فالمسائل العقلية ليست مفصولة .

أورنجزيب


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تأطير الوعي

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول