بوابة التاريخ الجزء الثالث والأخير


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
====================

بوابة التاريخ (الجزء الأخير)


أعتذر على تأخري في كتابته ونشره ومن فقد أحد أجزاء القصة وأحب الحصول عليه فأنا في الخدمة، ولا تنسوني من آرائكم السديدة.




===================

-" كيف حالك اليوم .؟!".

أومأت برأسي أن بخير، وتناول الكأس من يدي قائلاً:-

-" عجبًا.. ما الذي حدث لك لتصاب بالحمى بهذا الشكل المفاجئ.. مع العلم بأنك كنت تتمتع بصحة جيدة..!!".

ونهض يضع الصينية جانبًا مستطردًا:-

-" أنت تخفي أمرًا يا (عمر) .. أعرفك جيدًا .. هل تشاجرت مع أحد في الحديقة ..؟!.".

ابتسمت في إرهاق:-

-" كفاك تفكيرًا يا (عادل) .. قلت لك أنها مجرد ضربة شمس لا غير ..".

جلس على طرف السرير عاقدًا ساعديه أمام صدره:-

-" لا تستمر في الكذب يا (عمر) .. ضربة شمس في يوم غائم ..!".

أشحت وجهي إذ لم أجد كذبة أخرى أستتر خلفها، فقال:-

-" (عمر) .. لم لا تصارحني بالذي يدور في رأسك .. ألسنا صديقين حميمين ..؟!.. ربما تجاوزنا المشكلة معًا ..!".

لِمَ لا ..؟! ما الذي يمنعني من مصارحته بأمر (التاريخ) ..؟! ..

-" (عادل) .. لو أخبرتك بأني قمت برحلة عبر الزمن .. هل تصدقني .؟!".

تلمس جبيني بيده قبل أن ينفجر ضاحكًا وهو يقول:-

-" لابد أن الحمى أثرت فيك يا صاحبي ..".

كما توقعت ..! لن يصدق أحد قصة التاريخ هذه ..!

-" (عمر) .. كف عن اللعب بأعصابي .. أخبرني بالحقيقة .".

صاح (عادل) بتلك العبارة وهو يقبض على قميصي بغضب، وهزني بقوة يستحثني على الإقرار.. لكن ما عساي أن أقول..؟!

-" تكلم يا رجل ولا تدفعني لفعل ما أكره .. تكلم وإلا ..".

اهتز هاتفه الخليوي مقاطعًا فورة غضبه، ألقى نظرة على رقم المتصل فدفعني جانبًا لينتحي ركنًا يجيب فيه على المكالمة، لم يستغرق حديثه سوى دقائق خمس سمعته يقول بعدها:-

-" حسنٌ .. لن أتأخر .. دقائق وآتيكم .".

أنهى المكالمة ووضع معطفه على كتفه يهم بالمغادرة، فاستوقفته قائلاً:-

-" ألن تخبرني ممن كان الاتصال.؟!".

رمقني بصمت للحظة عند باب الغرفة، بنظرات عتاب غاضبة أغلق بعدها الباب بهدوء مغادرًا الشقة.. ""إنه غاضب !.. ومن حقه أن يغضب .. اعتدنا على تداول مشاكلنا الشخصية منذ الصغر.. لم يخف أحدنا على الآخر أمرًا قط .. لكن ما باليد حيلة .. لا أستطيع القول بأني سافرت في غضون دقائق معدودة مسافة تقطع في ساعات ..!! آآآه .."".. أرحت رأسي على الوسادة وأغمضت جفنيّ في إرهاق، وما أن بدأت أغط في النوم تناهى إلى مسامعي طرق هادئ على الباب، ففتحت عيني ببطء وأصخت السمع لأتأكد من أنه لم يكن جزءًا من الحلم، فعاود صوت الطرق يرتفع ثانية.."لابد أن (عادل) قد عاد..!"، اعتدلت جالسًا لأصيح:-

-" ادخل يا (عادل) …".

وفتح الباب بهدوء، فاستطردت:-

-" ليس من عادتك أن تستأذن عند ..".

تسمرت عيناي عليه، آخر شخص أتوقع زيارته لي في شقتي ..!!!!.

-" كيف حالك يا بني .. غبت طويلاً فقلت آتي للسؤال عنك إن لم تسأل أنت.".

أشرت له بالجلوس وقربت إليه صحن الفاكهة الموجود على الطاولة القريبة مني، وقلت:-

-" جزيت خيرًا يا عم .. غير أن الحمى والإرهاق هما من أقعداني".

أشار بيده شاكرًا، فأعدت الصحن إلى مكانه، سألني:-

-" وكيف أنت الآن ..؟!".

-" بخير ولله الحمد .".

أومأ برأسه في تفهم، وهو يرسل ناظريه في الغرفة يتأمل في فضول قائلاً:-

-" هل كان ذلك صديقك الذي غادر قبل قليل ؟!.".

-" مَن (عادل) !.. أجل .. إنه أعز أصدقائي .. بل هو أكثر من أخ بالنسبة لي .".

-" فهمت .. لكنه بدا منـزعجًا عند خروجه .. وقد ترك باب الشقة مواربًا.".

تنهدت بألم وأنا ألتفت إلى النافذة:-

-" هذا صحيح .. لقد غضب مني عندما أخفيت عنه أمرك..".

-" لابد أنه سيعتقد بإصابتك بالجنون إن فعلت .!".

أومأت برأسي إيجابًا، فنهض قائلاً:-

-" والآن هيا بنا يا سيد (عمر) .. أظن أنك في صحة جيدة بعد ملازمة الفراش لأسبوع كامل .. ألا تظن ذلك .!".

أشحت بوجهي وأنا أشد علي بطانيتي:-

-" آسف .. لا أستطيع الذهاب معك .. لازلت بحاجة للراحة .".

ارتفع حاجباه دهشة؛ إذ لم يتوقع مني هذا الرد:-

-" (عمر) .. لقد أكد الطبيب زوال الحمى وقدرتك على مزاولة عملك مجددًا .. فلم الراحة .؟!.".

لم أجبه وأنا أتحاشى نظراته الصارمة..

-" (عمر) ..".

وضع كفه القوية على كتفي، فارتد صعقًا وهو يردد:-

-" أنت ترتجف .!! هل أنت خائف أم ماذا .؟!.".

لم أقوى على الكتمان أكثر، فصحت بوجهه:-

-" قلت لك أني لا أريد الذهاب وكفى .. أنت لا تدرك أنه في كل مرة أزداد ضعفًا.. أزداد خوفًا .. لم جئتني أنا من دون الناس كلها ؟!.. لم علي أن أرى كل ذلك ..؟!.. أنا لا أملك أن أغير شيئًا .. حدث المسؤولين .. القادة .. الرؤساء .. لم أنا..؟!.. كل ما تفعله هو الفرجة .. لا إجابات ..لا تبريرات ..قتل .. تعذيب .. تنكيل .. اتركني وابحث لك عن شخص آخر .. أنا أريد أن أعيش بسلام .. لا أريد أية مشاكل ..".

ودفنت وجهي بين يدي أبكي بمرارة بعد أن أفرغت ما بنفسي، وأحسست بأني طفل خائف يريد أن يُترك لشأنه، في حين اتسعت عينا (التاريخ) في دهشة؛ فالنتيجة جاءت سلبية على عكس الذي توقعه.. فـ(ـعمر) الشاب القوي في مظهره والجريء في أحاديثه والملم بأمور دنياه .. هش من الداخل .. ضعيف مهزوز ..

أخذ نفسًا عميقًا واتجه إلى النافذة، وعقد كفيه خلف ظهره قائلاً:-

-" كل من قابلتهم وتحدثت إليهم كان سؤالهم الأوحد (( لم اخترتني أنا بالذات..!)) .. ولم لا أختارك .!. هل من شيء يميزك عن الآخرين يجعلني أستثنيك من الاختيار.. وضعت في الحسبان أن يتكرر فشلي مع غيرك من الشباب المستهتر لحظة اختياري لك .. إلا أن كلامك مع صديقك عن الساسة وموقفك من انتهاكات أعداء الله بالمسلمين على مختلف البقاع شجعني وزرع في قلبي الأمل.. تغاضيت عن غيابك المستمر عن صفوف المصلين؛ أملاً في صلاحك بعد أن تلمس النعمة التي تتقلب فيها.. أملاً أن تجعل فعلك مصداقًا لقولك..".

والتفت إلي والغضب يطل من عينيه لأول مرة، وكم هزتني ملامحه التي لم ولن أنسها يومًا، مستطردًا بحزم:-

-" لكن للأسف .. أنت وأمثالك ممن ضيعوا الأمانة عبء يثقل كاهل الأمة .. بكم تخلفت وضعفت".

****** ******

مرت الأيام سراعًا وانقضت الشهور تلو الشهور، ولم يتسن لي أن أقابله فيها ولو مصادفةً، غير أن زيارته الأخيرة لي في شقتي ظلت محفورة في ذهني مدعاةً لتأنيب الضمير.. "" تغاضيت عن غيابك المستمر عن صفوف المصلين .. أملاً في صلاحك بعد أن تلمس النعمة التي تتقلب فيها.. أملاً أن تجعل فعلك مصداقًا لقولك.."" .. "" أنت وأمثالك ممن ضيعوا الأمانة عبء يثقل كاهل الأمة .. بكم تخلفت وضعفت "" .. ندمت كثيرًا على تلك اللحظات والكلمات التي قلت، ليته يعود لأصلح ما بيننا.. لأخبره بأني الآن قد فهمت ما يرمي إليه ..

-" ألازلت تفكر به .؟!.".

تناولت زجاجة العصير من (عادل) مغادرين البقالة إلى حيث أوقفنا السيارة، فأردف حين لم يجد مني جوابًا:-

-" أظن أن ما حدث لك مع (التاريخ) مجرد حلم يقظة أو نتاج إرهاق أصابك فتخيلت ما حدث .. إن شئت الصراحة مذ أخبرتني بقصته لم أصدق منها حرفًا .. رجل يظهر فجأة .. ويأخذك معه إلى بلدان مختلفة وفي زمن مضى.. خلال دقائق معدودة .. !! .. شيء لا يصدقه عقل.!".

صعدنا إلى السيارة، وانطلقنا بها نجوب شوارع المدينة بلا هدف معين – كعادتنا دائمًا –، وقلت له:-

-" لكن الأحلام لن تذكر منها شيئًا بعد مرور يوم كامل .. فما بك بشهور ثلاثة .!".

جرع (عادل) ما تبقى من الزجاجة وألقى بها إلى المقاعد الخلفية قائلاً:-

-" ولِمَ لَمْ يظهر حتى الآن إن لم يكن حلمًا .؟!".

-" أخبرتك أنه غضب يومها ورحل .. كما أنه قد تحدث عن محاولات سابقة باءت بالفشل مع مجموعة من الشباب .!".

هز (عادل) كتفيه مغمغمًا:-

-" ليس أمامك سوى النسيان ..ولا تفكر أبدًا في إخبار أحد بقصتك هذه".

أ نهيت زجاجتي قائلاً:-

-" وكيف ذلك .؟!".

توقفنا عند إشارة حمراء عندما قال:-

-" ما رأيك أن تأتي معي في رحلة إلى المناطق الجبلية نقضي فيها أسبوعين أو ثلاثة وندعوا معنا بعض الصحاب .".

وأشار بيده إلى موزع الصحف واقتنى منه صحيفة اليوم، فتناولت منه الصحيفة أنظر في آخر الأخبار، ليصبح الصمت أنيسنا..

-" أنت بخير ..؟!".

جذبني سؤاله فرفعت حاجباي استفسارًا وأنا ألتفت إليه، فقال:-

-" هل زالت عنك الحمى ؟!… أنت في آخر صفحة ولم تتفوه بكلمة واحدة !".

اكتفيت بالابتسام فلا إجابة لدي على سخريته تلك، فأنا نفسي لا أعرف السبب.!. بت أميل إلى الصمت أكثر، فتفكيري (بالتاريخ) أنساني تعليقاتي التي لم تفارقني يومًا على أي موقف يصادفني..

(( الله أكبر الله أكبر .. أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن لا إله إلا الله .. أشهد أن محمدًا رسول الله .. أشهد أن محمدًا رسول الله .. حي على الصلاة .. حي على الصلاة .. حي على الصلاة .. حي على الفلاح .. حي على الفلاح .. الله أكبر الله أكبر .. لا إله إلا الله .))

ارتفع صوت الأذان من مسجد قريب، فسرت في جسدي قشعريرة باردة وأحسست بتسارع نبضات قلبي، كأنه يشدني إليه .. كأنه يناديني .. إلا أني لم أجرؤ على طلب ذلك من (عادل).. ومن عجائب القدر.. انعطف (عادل) في المنعطف الذي يقود إلى مواقف السيارات المقابلة للمسجد والمحال التجارية التي تجاوره، فدهشت وصحت به:-

-" لم دخلت إلى هنا ..؟!".

أجاب (عادل):-

-" سنذهب إلى ذلك المطعم لنتناول فيه غداءنا .. أم أنك لست بجائع ؟!".

نزلت من السيارة وسرت إلى جانبه، وعيناي تراقبان الجموع الغفيرة من الرجال والصبيان تتخطانا متجهة إلى المسجد، وقفت ذاهلاً أرمقهم .. فالتفت (عادل) إلي قائلاً:-

-" ما بك يا (عمر) ..؟! لِمَ توقفت .؟!.".

تجاهلت سؤاله وأنا أقول:-

-" (عادل) .. لِمَ لا نصلي كهؤلاء .؟!.".

بُهت (عادل) ولَمْ يعرف بم يجيني ..فتابعت:-

-" هل نحن أفضل منهم كي لا نصلي .؟!. أم هم أفضل منا عندما يصلون ..؟!.".

تلعثم (عادل) وحاول التملص من الإجابة، فالتفت إليه قائلاً:-

-" (عادل) .. أريد ان أصلي .. فهل تأتي معي .؟!.".

-" لكن ..!".

شعر كلانا بيد تربت على كتفه، فالتفتنا إليه .. رجل كبير في السن يبتسم في وقار قائلاً:-

-" ما الذي تنتظرانه يا أبنائي .. ألم تسمعا الأذان .. عجلا لتدركا سنة الظهر قبل أن تقام الصلاة.".

شعرت بارتياح تجاه الرجل وأمسكت بذراع عادل وسرت إلى جانب الرجل قائلاً:-

-" كنا على وشك الدخول يا عم ..".

وبالفعل .. دخلنا وتوضأنا وحضرنا لأول مرة صلاة الظهر جماعة .. ويالها من صلاة .. لها رهبة تختلف عن تلك التي نؤديها سريعًا دونما تدبر.. خرجنا وأنا أشعر أني غير (عمر) السابق.. كما دعوت الله كثيرًا ألا أحرم هذه اللذة ثانية .. عندها التفت إلى (عادل) وقلت له:-

-" الآن يمكننا أن نذهب لنتناول طعام الغداء .. وعلى حسابي إن شئت .".

ابتسم لي وتقدمني إلى المطعم .. وأسرعت الخطا لأجاريه في سيره ..

-" (عادل) .. !!".

أمسكت بذراعه بقوة وقد تسمرت في مكاني.. فاستدار نحوي بغضب:-

-" ما الأمر ..؟!".

أشرت ناحية المسجد.. وقف هناك ينتظر الطفل الصغير الذي يرافقه حتى يرتدي حذاءه، ثم سارا جنبًا إلى جنب إلى أن ابتلعهما الزحام، لقد كان .. (التاريخ).

=================

النهاية.

أختكم/ يراع


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بوابة التاريخ الجزء الثالث والأخير

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول