اليوم الاسود


كان يوماً أسود هو يوم زواجي.. وأتعس أيامي على الإطلاق وفأل سئ
كافة أفراد عائلتنا.. فقد ماتت أمي في نفس الليلة.. كنت إلى جوار عريسي
في (الكوشة) وحولنا عشرات من الأزهار والورود الجميلة ومئات من
لأصدقاء والأهل والأحبة.. فأحسست إحساسأ طاغياً بالسعادة وهمست
لعريسي بخجل:
– هل تحبني؟
وعندما إلتفت إلي ليرد على سؤالي سمعنا الصراخ والعويل.. وساد الهرج
جو الحفلة الرومانسية.. وثفرق الناس في ذعر ورهبة.. بعضهم يصرخ
بذهول.. وآخرون ينظرون لي بشفقة.. والبعض علت وجوهم سيماء الخوف
الشديد وقبل أن أسال ما الذي حدث.. صرخت إحدى النساء العجائز:
أم العروسة ماتت.. أم العروسة ماتت..
قبل أن أفيق من الصدمة المروعة.. تدافع الناس بكثرة ليقفوا إلى جواري
فداسوا تخت أقدامهم أخي الصغير تامر إبن الثلاثة أعوام.. فمات على الفور
كما ماتت أمي بالسكتة القلبية من شدة الفرح..!!
لا تسألني عما حدث لي في تلك الليلة.. ليلة فرحي.. فقد أصبت بإنهيار
عصبي حاد مما إستدعى أن أرقد فى أحد المستشفيات الخاصة بدلاً من
أحضان زوجي الدافئة..
وعدت بعدها إلى بيت الزوجية شبه منهارة.. وغير مصدقة لما حدث أمام
عيني.. لدرجة أنني لم أبك ولم أذرف دمعة واحدة.. فقط طلبت من
زوجي أن يسمح لي بأن أزور أمي..
نظر إلى بدهشة وهو فاغر فاة..
فأعدت عليه كلامى.. تحولت نظرة الدهشة في عينية إلى نظرة شفقة..؟
شفقة مرة لا أحب أراها في عين أي إنسان تجاهي ولا حتى زوجي.. ثم
أفهمني بهدوء أن أمى قد ماتت.. وكأنها أشفقت على أخي الصغير تامر من
التيتم بعدها فأخذته معها..
وصرخت من أعماق قلبي (لماذا لا تأخذني أنا.. لماذا أعيش.. لماذا..؟)
ومضت بي الأيام.. تلو الأيام هكذا.. لا أبكي.. ولا دمعة واحدة.. مما،
طمأن زوجي على حالتي.. فسمح لي بزيارة أهلى بعد زواجي بشهرين
كاملين كنت خلالهما وكأنني في غيبولة.. وما أن رأيت أبي حتى دهشت..
إنه ليس أبى..
لقد نقص وزنه إلى النصف.. وكبر عشر سنوات مرة واحدة.. وغدا شبح
إنسان.. والحزن الكبير يتألق فى عينيه اللامعتين..
ورأيت إخوتي إلى جواره. فاطمة وسعاد وعلي ومحمد إنهم ينظرون إلي
بإنكساروضعف.. وسحابة من الدموع تغشي أعينهم الصغيرة.. لقد تغيروا
ننيروا كثيرا في شهرين.. ولكن أين تامر.. صرخت أكثر
أين أمى وتامر..
أسرع أبي ليضمني بين أحضانه والدموع تسيل على وجنتيه لأبكي أنا أيضأ
.. وأ بكي.. وأ بكي..
وقتها فقط صدقت بأن أمي رحلت من الدنيا
وبدأت أتماثل للشفاء.. بدأت آثار الزمن تلعق جراحي.. لأسلو وأعرف أنه
قدر مكتوب من رب العباد..
ولكن ظل النحس ملازماً لزواجي.. فقد إعتقدت كما إعتقد الناس جميعآ بأن
زواجي نحس من أول ليلة فيه.. وتأكد لي النحس وآمنت به بعد أن
أجهضت طفلي الأول بعد شهرين فقط من حملى.. فقد كنت أصعد الدرج
إلى السطح لأنشر غسيلي عندما سقطت من أعلى الدرج إلى الأرضي
وخسرت طفلي كما خسرت أمي واطمئناني وسعادتي الزوجية.. فقدتغير
زوجي بعد إجهاضي.. لم يعد هو جهاد الذى أحببته وتزوجثه.. أصبح
شخصاً آخر.. يعاملني بمنتهى الإحتقار والتقزز وكأننى حشرة منفرة.
وبعد أن كان لا يفارقني إلا لماماً أصبح يمضي الليل بطولة بعيدأعني ويأتئ
لي مترنحاً عند الفجر.. وعندما أثور لكرامني وأعترض.. يصرخ بوجهي
قائلأ:
إن بوجهي شؤم على.. فما رأيتك ورأيت خيرأ أبدأ..
لم يكن هذا كلامه وحده.. بل كانت أمه التي تعيش معنا دائماً تردد نفس
هذه الكلمات وبأساليب متعددة وبطرق ملتوية تعذبني وتجعلني أسيرة الندم
والعذاب طوال حياتي..
وفعلآ أصبحت أضيق بنفسي وبوحدتي وبعذابي فطلبت من زوجي أن
يستقدم لنا خادمة لأرتاح من عناء العمل على الأقل.. أما عذابي النفسي
فأنا كفيلة به.. ولكنه رفض بشدة..
ووقفت أمه إلى جواره وقالت بسخرية مريرة:
ولماذا نجلب خادمة.. وماذا تفعلين أنت هنا..؟
ايتلعت الإهانة كما إبتلعت دموعي الحارقة.. الحارة… ولجأت إلى أبى
فكفكف دمعي بيده الحانية وطالبني بألا احزن.. وأنه سيحضر لى خادمة
هوبنفسه..
وفعلاً أحضر لي أبي خادمة فلبينية أحسست منذ اليوم الأول الذي رأيتها فيه
بأنها إنسانة منحلة، ولكنني لم أشأ أن أجرح أبي فشكرته بدموعي وقبلاتي..
لم يعترض زوجي على الخادمة ولم تتفوه أمه بأية كلمة.. وانما أخذت
ترمقني بنظرات غيظ مكتوم..
وحدث ما كنت أتوقعه فقد بدأت أم زوجي تتودد إلى الخادمة وتهديها أجمل
الثياب والعطور.. فبدت الخادمة بهذه الهدايا وكأنها سيدة البيت لا أنا..
تتثنى أمام زوجي ببنطال من الجينز الضيق وفميص من الشيفون الأبيض
االذي يظهر أكثرمما يخفي.. وكتمت غيظي وأنا أرى زوجي ينظر إلى
الخادمة بإعجاب متزايد.. وطمأنت نفسي بأنها خادمة.. مجرد خادمة ولن
ينظر إليها زوجي بأكثرمن هذا..
لكن لا.. إن الخادمة فد تعدت كل الحدود وكل المحاذير.. فقد رأيتها ذات
يوم تلبس تنورة قصيرة جدأ.. هممت بأن ألفت نظرها لهذا ولكنني رأيتها
تنحني أمام زوجي وكأنها تلتقط شيثأ من الأرض وعيون زوجي تكاد تخرج
من محجريهما..
هنا لم أسكت ولم أتغاضى كعادتي دائمأ.. بل إنتظرت حتى خرج زوجي
وأسرعت أهاتف أبي وأناشده بأن يبعد هذه الخادمة عني بأي طريقة.. والا
قتلتها.. ضحك أبي بمرارة وهو يقول:
إذن أنت تغارين منها، حسناً سآتي لأخذها بعد قليل فأخوتك في حاجة
إليها..
وانزاحت الغمة من حياتي بذهاب هذه الخادمة اللعينة رغم أن الأعباء قد
إزدات علي لدرجة أنني كرهت حياتي وكرهت زوجي.. وكرهت حتى
نفسي.. لكن.. لم تنتهي متاعبي عند هذا الحد..
فقد عاد أخو زوجي من أمريكا بعد أن أنهى بعثته.. فرح زوجي وفرحت
امه بهذا الخبر.. ولأول مرة تخن على أم زوجي وتعاملني معاملة رفيقة..
ولكن السعادة لاتتم.. فما أن دخل شقيق زوجي إلى البيت وسلم على أمه
وجاء دوري ليسلم علي حتى وقع على الأرض بين أقدامي.. وقع مغمياً
عليه وسط صراخ الجميع وذهولهم..
وأفاق في المستشفى على واقع أشد رعباً وفظاعة.. فقد فوجئ بإصابته
بإنسلداد في شرايين القلب.. إنسداد خطير ويحتاج لعملية عاجلة.. العيون
كلها تشير لي بأصابع الإتهام.. تكاد أمه أن تقوم واقفة وتصرخ..
– هذه السبب يادكتور.. إنها شؤم على العائلة..
لكنها إكتفت بأن وجهت لا نظراتها النارية الغاضبة..
وكأنني أنا التي أصبته بهذا المرض الخطير.. فرت دموعي غصب عني..
وفوجئت بنفسى أجهش بالبكاء.. البكاء الشديد.. أكثر مما بكيت يوم وفاة
أمي.. فقد تأكد لي إصابتي بالنحس.. وأن زواجى هو شؤم منذ بدايته..
فوجئ زوجي.. وأمه ببكائي الغريب ودهش شقيقه كثيراً وقال أحد الأطباء:
هل هذه هي زوجة المريض؟
فإحتار الجميع ولم يرد أحد عليه..
وعدت إلى البيت مثخنة بالجراح ومثقلة بالأحزان وقد بدأت أتذكرأشياء
كنت قد نسيتها..
وطوتها الأيام في قاع الذاكرة..
تذكرت أنه في نفس اليوم الذي خطبني فيه زوجي.. توفى إبن الجيران في
حادث سيارة مروع..
وفي ليلة عقد قراني عاد إبن عمي من الخارج مريضاً بالإيدز.. وفي المرة
الوحيدة التي خرجت فيها مع زوجي المقبل نختار أثاث عش الزوجية طلق
خالي زوجته..
إذن هي حقيقة مؤكدة.. وليست أضغاث أحلام.. أو سخرية مريرة
.. أو مصادفة غريبة..
لابد أن أحدنا وجه نحس.. إما أنا أو زوجى.. ولكن لا أنا ولا زوجي حدثت
له أية مصائب قبل أن نتعارف.. إذن.. المشكلة تكمن فى تعارفنا أنا وهو..
شئ غير منظور.. عين حاسدة.. أو نحس يطاردنا..
وعندما وصل تفكيري إلى هذا الحد.. قررت أن أطلب الطلاق من زوجي..
لابد أن ننفصل.. لن أسمح بزيادة عدد الضحايا أكئر من ذلك.. يكفي أنني
فقدت أغلى إنسانة في الوجود.. يكفينى موت أمي لاصحو من غيبوبتي
القدرية.
قلت لزوجي بحسم:-
أرجوك طلقني:
بهت.. تساءل بدهشة:
ما الذي حدث.. مابك؟
أجبته بصوت متهدج:
أنا وأنت كالمستقيمان المتوازيان لا يمكن أن نلتقي أبدأ.. لمعت الدموع في
عينيه.. وقتها عرفت بأنه يحبني.. يحبني كثيراً ولكن.. فات الآوان..
هل يجب أن نخسر إنسان لنعرف بأننا نحبه.. هل يجب أن نفقده أولاً
لنرف أن حياتنا من دونه بلا طعحم ولا روح..
لا.. لن أرضخ..
وعدت إلى بيت أبي مطلقة بعد سبعة أشهرفقط من زواجى وبعد أن أسفر
زواجي عن ستة ضحايا.. لابل سبعة.. إنني أيضاً ضحية.. أصبحت أرى
كل شئ بعين مختلفة.. وأفسر كل شئ مائة تفسير.. ولازلت أشعر بأن
الشؤم يلاحقني في كل مكان أذهب إليه..
اذن ماذا تفسرطلاق صديقتي منى في نفس اليوم الذي زرتها فيه؟
ترى هل أنا مخطئة ؟……………….؟؟




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اليوم الاسود

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول