الوعي الموقفي


قبل سنوات زرت مريضا قد أصيب بداء خطير ومعه تضاءلت فرص بقائه – والأعمار بيد الله- وحدث أن زاره أحدهم في نفس الوقت وقد علم بتفاصيل حالته وبعد أن سلّم وجلس طفق يعب من القهوة ويلتهم من التمر وكأنه قد أتى من مسغبة وقد أصابه سعار الجوع !! ولم ينته الأمر عند هذا فحسب ولكن المصيبة عندما بدأ يتحدث وياليته لم يفعل وستر عيّه بصمت !!
حيث شرع يتحدث عن الموت وكيف أن البشر سيموتون وأن كلُ من عليها فان , ثم بدأ بسرد الآيات التي تتحدث عن الموت موجها الحديث للمريض مفتتحا بقول الحق عز وجل :قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم! ولم يكتف بتلك الآية بل أردفها بقوله تعالى: أينما تكونوا يدركم الموت ! واتبع الآيات بقول زهير:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول

ثم أجهز عليه ببيت ابن عثيمين:


اعلان





هو الموت ما منهُ ملاذٌ وَمهربُ
متـى حُـطَّ ذا عن نَعشهِ ذاكَ يَركبُ

وقد مرضتُ وأنا الصحيح المتعافي بعد حديثه وقد طيّر قلبي من الخوف وقد أحسست بدنو أجلي ما بالكم بالمريض الذي أورده هذا الرجل بحديثه حياض الموت !! فأين هذا الرجل من توجيه الحبيب اللهم صل وسلم عليه بالتنفيس عن المريض والتوسيع له في الحياة وطمأنته بالتفاؤل والشفاء !!
للأسف أن الكثير يتحدثون بالكلام الصحيح ولكن في الموقف والوقت الخطأ !!
ومن هذا ما ذكرته لي أحد الأخوات أن زوجها وفي صبيحة ليلة زوجها شرع في قراءة كتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي
ولا حول ولا قوة إلا بالله

وقد شاهدت بنفسي من جفَّ الحياء في وجهه وقد اخذ يطلق النكات في مجلس عزاء!! و مثل هذا ما يفعله الكثير من استدعاء داعية ليلقي محاضرة ( وعظية) في مناسبة زواج لوقت امتد لأكثر من ساعة!!
ومن البلادة وضعف الإدراك ما يفعله البعض من ترك أجهزة جوالاتهم دون إغلاق وقت الصلاة وعدم ضبطه على الصامت دون أدنى مراعاة لحرمة المكان والزمان ,وكأن أحدهم وزيرا للخارجية أو المسئول الأمني الأول في البلد لا يجب أن تفوته مكالمة! وقد صلى بجانبي احدهم أتته رسالة أثناء الصلاة فاخرج جواله وفتح الرسالة وقرأها وأحسبه همَّ أن يرد عليها لولا أن ركع الإمام!!

ما الذي حلَّ ببعض الناس حيث الافتقار لحسن التبصر فيما يقولون ويفعلون؟ حتى أن أحدهم يحتقر من حوله ويفرض عليهم أن يكونوا ضحايا له وعليهم أن يتقبلوا سلوكه الوقح وتصرفاته الأنانية وفهمه السقيم!!

وقد تحدث الكاتب الشهير كارل ألبريحت في ثنايا حديثه عن الذكاء الاجتماعي عن مهارة جميلة للأسف تنقص الكثير من الناس إلا وهي مهارة ( الوعي الموقفي) situational awareness وهي تعني :التصرف بحسب ما يتطلبه سياق المشهد من قول أو فعل ,
فمن كمال الشخصية و رفعة الذوق تفهم ما يتطلبه السياق المكاني والزمني من قول أو فعل وفهم طبيعة الموقف وما يستدعيه من تصرف وأظنه أعلى درجات الحكمة ,فما أروع أن يعرف الإنسان متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يبتسم ومتى يعترض ومتى هنا استطيع القول أنه سيفرض احترامه على الآخرين وسيمتلك من أدوات التأثير واختراق القلوب الكثير

ومضة قلم
من العظماء من يشعر المرء بحضرته أنه صغير ، ولكن العظيم بحق ، هو من يشعر كل من في حضرته بأنهم عظماء!

حافظ الود/ د خالد بن صالح المنيف
[email protected]


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

width=96    width=96


تعليقات 13

  1. كلامك في محله دكتور خالد اما اللي قعد زوجها يذكرها بالموت في بداية حياتهم ! فلا تعليق حقيقة

  2. مقال جميل يادكتور 8) اسمحلي أسئلك سؤال ماله علاقه بالموضوع ! بما أنك جبت طاري وزير الخارجيه . هل يمكن لأي شخص ان يكون وزيراً للخارجية او انه منصب محجوز لمن هم قرب الملك ؟

  3. جميل مآكتبته يآ دكتور .. نحتآج لمثل هذه المواضيع لجزء ليس بقليل من الشعب .. ولكن هل ياترى سوف تصل الى محتآجينها ؟ 🙂 آمل ذلك.. وأخيرآ هل من الممكن يآدكتور اضافه بعض الكتب للكاتب كارل لأنني لم اجد لها اثراً.. :~ جزآك الله كل خير,

  4. المشكلة انك ترى هذا عند اصحاب الشهادات والمناصب حين كان من اجدادنا اميون ولكن اصحاب موقف بل ابطال موقف جزاك الله خيرا

  5. ومن البلادة وضعف الإدراك ما يفعله البعض من ترك أجهزة جوالاتهم دون إغلاق وقت الصلاة وعدم ضبطه على الصامت دون أدنى مراعاة لحرمة المكان والزمان ,وكأن أحدهم وزيرا للخارجية أو المسئول الأمني الأول في البلد لا يجب أن تفوته مكالمة! ,>>والمصيبه تكون النغمه موسيقى ويدندن جواله بالمسجد يارب اعفو عنا <<<الله يبارك فيك….ويزيدنا من الوعي الموقفي

  6. أحسنتَ قولاً والتمست جانباً مهماً فكل شخص يحب أن يكون من حوله معه وكل شخص يمقت الشخص الذي يعيش بيئته كيف يشاء ومتى يشاء وأين يشاء دون اكتراث لجميع الظروف من حوله ومنذ مدة والسؤال يدور في بالي هذه الفئة بماذا تلقب ؟!

  7. كاتب متميز واسلوب اكثر من رائع دائما استمتع بقرائة مواضيعك اما بالنسبة للفئه المذكوره انصحهم بقراءة كتاب استمتع بحياتك للدكتور محمد العريفي

  8. شكرررررررا دكتور على هذا الطرح المفيد ونامل بالمزيد فى الايامالقادمة باذن الله 🙂

  9. فعلآآ لكل مقآم مقآل ولكل موقف ماينآسبهـ من الحديث وردة الفعل والتحكم بالنفس أشكرك دكتوري.. اشتقنآ لمقآلآتكـ

  10. اشكـركـ علـى طـرحكـ لـ هذآ الموضوع المهم لأكـثر فئه من هذآ المجتمع و من الفئه الغير قليله يجهل هذا الجآنب ..~ و لـ قول الرسول صلى الله عليه و سلم ( فليقل خيراَ او يصمت ) و اتمنى من الجميـع ان يلتمـس هذآ الموضوع المهم ..~

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الوعي الموقفي

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول