النظارة السوداء ..


زرت ذات يوم مدينة كبيرة دخلتها مع اشراقة شمس ذاك النهار .
فوجدت جمال الطبيعة وحسن التنظيم وروعة المكان , ولكنني توقفت عند ظاهرة أشغلتني
وجعلتني في حيرة طوال ذلك اليوم , وهي أن الناس هنا يلبسون جميعاً وبلا استثناء نظارة سوداء طوال أوقاتهم وفي كل الأماكن التي يرتادونها ويزورونها , حتى أطفالهم يقومون بذات التصرف بكل سلاسة !!
كان أمراً عجيباً وغريباً بلا منازع فما السر في ذلك يا ترى ؟؟


اعلان





قربت منهم أكثر وحاولت أن أفهم وأعلم فلسفة هؤلاء في الحياة , وفعلاً سألتهم عن حالهم , وأبديت لهم انطباعي الجميل عن مدينتهم واستمتاعي بزيارتها
فقالوا عن أي شيء تتحدث , وعن أي جمال أو حسن ترمي !!

بهرت كثيراً من عدم قدرتهم رؤية ما حولهم من ما يبهج النفس ويسعد الروح ويغذي العقل وزادت حيرتي وزاد ولعي في معرفة السر الكامن وراء كل هذه السلوكيات ونتاجه
ولكنني وفي ضوء هذا الجهد والعزم الأكيد على تفكيك السر ومعرفة الأسباب والمسببات لهذا الأمر الجلل , انقطع اتصالي بذلك العالم حيث استيقظت من النوم على وقع المنبه !!
وبحكم يقظتي ونهاية هذ الحلم العابر والذي حملني إلى عالم مدهش وغريب
رضخت للأمر الواقع ..

ولكن هذا الأمر ساقني إلى عالم اليقظة لا عالم الأحلام , فكم من الناس بل كم من المجتمعات هم ممن يلبسون النظارة السوداء ولا يرون الجمال الكامن حولهم .
كم أخذ منهم التشاؤم والسوداوية من جمالية الحياة وهناء عيشها وصفاء أيامها , وكم أخذت منهم تلك النظرة المعتمة من اللحظات السعيدة والأيام الخالدة والذكريات الرائعة ..
كيف جعلتهم الضغوط والتحديات غير قادرين على التقاط الأنفاس والتأمل بواقع الحال ومستقبل المآل , فقدت حياتهم البساطة فحل مكانها التعقيد وذهبت لذة اللحظة حينما سيطر التفكير المتوتر والمهووس بالمستقبل والتوقعات السلبية حوله
كم صرف عنهم هذا التشاؤم والسلبية من الفرص السانحة وأبعدهم عن عالم المشاريع والمبادرات والأفكار الإبداعية
كم ساقتهم هذه النظرة إلى الاستسلام إلى الامر الواقع وعدم المحاولة لتغير الواقع وتحسين الظروف وحل المشكلات والكفاح في الحياة رغم كل الصعوبات والتحديات فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

فشلهم مره يعني القعود وعدم المحاولة وخوفهم من التجربة مقدم على حب الاكتشاف والمغامرة فهم متفرجون أكثر من كونهم لاعبين في الميدان .
كم جعلت منهم هذه النظرة عشاق للتبرير لا للتفكير وباحثين عن أعذار بدل أن يبحثوا عن أفكار وأعمال وإبداعات وممارسات تحسن من حياتهم وترتقي بعالمهم

كم حرمت هذه النظرة أصحابها من الفائدة أو من المتعة أو من التزود من الخير أو من التفكير المشرق في الحياة , فهي تكرس لديهم أنه لا حل رغم ان الله يقول إن مع العسر يسرا .
كيف لم يعرفوا بأن هذا المستوى من الضغط والتوتر والضيق لا يجعل العقل يعمل بطاقته الكافية وأن كل هذه العقبات تؤثر على مخرجات حياتهم وجودة عيشهم ومستقبل حياتهم

كم حرمت هذه النظرة اصحابها من جنة في الدنيا التي يعيش بها الايجابيون والمتفائلون والمبادرون والعاملون والجادون والطامحون والمكافحون والصامدون مهما اغلقت أمامهم الأبواب واستصعبت عليهم الأيام وتكدرت الأحلام  .. فهم لا يكلون ولا يملون من المحاولات , فإن فازوا ظفروا بشرف النجاح وأن خسروا فازوا بشرف المحاولة .
وهنا هم لا يجدون بداً من المحاولة والإصرار للخروج من الأزمة وتفعيل الحلول والصمود في وجه العاصفة وانتظار هطول المطر .

إن السلبية وأجواء التشاؤم لهي من أكثر ما يجلب على أجسادنا الأمراض والعلل فالنفس بحاجة الى بيئة صحية متوازنة للعيش والطمأنينة والسعادة .
وهذا الجو لا يتوفر فيه هذا الامر بتاتاً بكل أسف , بل هو جو قاتل لكل جميل وماتع ومفيد وهو مؤثر سلبي بكل أسف على المستوى التربوي في ما يخص أبنائنا حيث ان هذه البيوت السوداوية تخّرج الفاشلين والمنحرفين والغير قادرين على التكيف مع الحياة إلا إن وضعوا حاجز بينهم وبين هذا البيئة السلبية واعتمدوا على الله ثم قواهم الذاتية فهم في مأمن من كل هذا الغثاء والتلوث الفكري الذي لا يقدر البعض حجم الضرر الصادر منه على الفرد والمجتمع

كيف يمكننا ان نخلع النظارة السوداء إلى الابد

1 / اعد النظر في تركيزك وحوله من السلبية الى الايجابية ومن السواد على البياض ودوماً ابحث عن الجزء الممتلئ من الكأس وسوف تتغير نظرتك للكثير من معاني الحياة.
2/ ابتعد عن البيئة السلبية بشكل عاجل ولا تتعرض للعدوى منها وراجع صداقاتك وعلاقاتك دائم.
3 / تذكر دوماً أن استمرار لبسك للنظارة السوداء يفقد الكثير من الفرص والمشاريع.
4 / المعاناة هي من صنع العظماء فلماذا تقتلك أنت , سؤال وجيه ردده دائما لتعرف أن النجاح طريقة تفكير وتدبير ومنهجية سلوك وتصرف واستراتيجية تخطيط وتنظيم.
5 / خلق الله الناس في كبد أي في شد وجذب ومجاهدة فلا تطلب عيش الجنة في الدنيا واعمل بجد وتوكل على الله دائماً فهو حسبك فمكان من خير سوف يأتيك وما كان من شر سوف يصرفه عنك , وكن واقعياً ولكن فكر بطموح دائماً ولا تكن تقليداً وتعلم كيف تفكر خارج الصندوق .
6 / عندما تحاول وتتعثر مره وتنجح مره خير لك من ترديدك الدائم لكلمة لا أقدر , لا استطيع , مستحيل .
7 / حتى في أحلك الظروف وفي أصعبها هناك مغانم وفرص فكن صاحب العقل المتوقد القارئ لما بين السطور والمستثمر للظروف والفرص .
8 / استفد من تجارب الناجحين وكيف تجاوزوا الصعوبات ونهضوا بعد السقوط وأصروا على النجاح وقاتلوا من أجل تحقيق ذواتهم وسوف ترى ما يذهلك في سيرهم .
9 / خسارتك لمعركة من معارك الحياة لا يعني الهزيمة , بل انسحابك من الميدان
10 / عالم الصعوبات والضغوطات والتحديات لا ينتهي ولكن تعلم فنون ادارة الضغوط وتقنيات حل المشكلات فلكل داء دواء ولكل أزمة مخرج .

محبرة الحكيم
عندما تخلع النظارة السوداء سوف ترى طيف قوس قزح الجميل لأول مره في حياتك , فلا تفوت الفرصة .

تأصيل
قال تعالى ” الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم < يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب “

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة ” رواه أحمد

سلطان بن عبد الرحمن العثيم
مستشار ومدرب معتمد في التنمية البشرية والتطوير CCT
باحث في الفكر الإسلامي والسيرة النبوية الشريفة
ايميلي
مدونة نحو القمة
 
أسعد بقربي منكم عبر عالم 
وتوتير


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


تعليقات 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النظارة السوداء ..

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول