العودة إلى الوطن – قصة


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

=================
((إنما هي أيام .. فعلام التضجر والتأفف!))
=================


اعلان





( العودة إلى الوطن )

قطعنا الحدود منذ نصف ساعة، واتجهنا إلى حيث تتمركز شقق الإيجار – بعد أن أحرمنا بالسيل الكبير ؛ بحثًا عن مبنىً قريب للحرم نستأجر منه شقة نفرغ فيها أمتعتنا، كنا ستة من الشباب تزامنت إجازات عملهم في وقت واحد، فقررنا السفر برًّا بسيارة (سالم) لأنها أكبر حجمًا، وتعددت البلدان – العربية طبعًا – التي طرحتها المجموعة للسياحة .. منا من أراد الاتجاه إلى الشمال الغربي حيث قلعة (المسيلحة) ومغارة (جعيتا) في لبنان .. ومنّا من فضل عليها (جرش) و (البتراء) بالأردن .. وتشبث (سعد) برأيه في أن نقصد (الدوحة) .. ولما اشتد الخلاف بيننا قطع (صالح) شجارنا وقال:-

-" كفاكم شجارًا .. سنستهل رحلتنا بعمرة نؤديها نزور معها الحرم المدني .. بعدها نتجه إلى أقرب دولة .. ولنقل إلى عمان أو الكويت .. فأيهما تفضلون..!".

بدأنا بالتصويت وأخذ رأي الأغلبية حول وجهتنا الثانية بعد العمرة، ولأن جُّلنا كان قد حظي بزيارة سابقة للكويت مع أهليهم .. فكانت وجهتنا التالية لعمان .

وصلنا بعد نصف ساعة إلى مبنى يبعد ثلاثة شوارع، فاوض (خالد) حارس العمارة على أجور الشقق الموجودة، بعدها أشار لنا أن نفك أربطة الحقائب، وألقينا بها كيفما اتفق لنسرع إلى الحرم مشيًّا، أدّينا مناسك العمرة ونعمنا بلحظات إيمانية رائعة تزدان بتلاوة عذبة لأئمة عدة.. واليوم هو اليوم الخامس والأخير لنا بمكة، فاتجهنا إلى الشقة بعد أن صلينا العشاء، تلفت حولي مرات عديدة والدهشة تملأني، فسألني (محمد):-

-" ما الأمر يا (أحمد) .. عم تبحث .؟!".

قلت وأنا لا أزال ألتفت يمنة ويسرة:-

-" (خالد) و (صالح) .. لم أرهما حتى الآن .. ألم يقولا أنهما سيلحقا بنا ؟!!!".

أومأ (سعد) برأسه مرددًا:-

-" أجل .. لقد سبقناهما على أن نلتقي بهما بعد الصلاة ..!".

فقال (محمد):-

-" لا أظننا سنجدهما بين هذا الجمع الغفير .. لنعد إلى الشقة وننتظر عودتهما هناك".

أسرعنا إلى الشقة ودخلناها و(سعد) ينادي باسميهما .. فباغتنا (خالد) من خلفنا وهو يخرج من إحدى الغرف:-

-" اخفض صوتك يا (سعد) .. لِمَ هذا الصراخ ؟!".

بادرته قائلاً:-

-" ما الأمر يا (خالد) .. أين كنت و(صالح) ..! لَمْ نركما حيث اتفقنا أن نلتقي .؟!".

تقدّمنا إلى غرفة المعيشة وتحلقنا حوله والحيرة تعقد ألسنتنا، فتنهد وقال:-

-" نحن لم نذهب للحرم .. أدينا الصلاة هنا ..".

اتسعت أعيننا بدهشة مضطردة فتابع (خالد) دون أن يلتفت إلينا:-

-" لقد أصيب (صالح) بحمى مفاجئة أقعدته عن السير .. وهو الآن يرقد في سريره .".

قال (محمد):-

-" وما سبب الحمى برأيك.؟!".

هز (خالد) رأسه قائلاً:-

-" لا أدري .. عرضت عليه أن آخذه إلى الطبيب إلا أنه رفض وقال أنها نتيجة الإرهاق والتعب وسيتماثل للشفاء إن أخذ قسطًا من الراحة .".

قررنا تأجيل رحلتنا لبضعة أيام حتى يتعافى (صالح)، إلا أن الحمى أبت أن تفارقه، بل زادت من وهيرها عليه..!.. انخلعت قلوبنا لأنينه – الذي حاول كتمانه – فعزمنا على أخذه إلى المشفى ولو بالقوة .. كشف عليه الطبيب والتفت إلينا يهدئ من روعنا قائلاً:-

-" لا تقلقوا .. إنه احتقان اللوزتين ونزلة برد خفيفة .. سيتعافى بعد عدة أيام عند تناوله للدواء..".

عدنا إلى الشقة ثانية ومعنا الدواء، وقمنا على خدمته قدر المستطاع، وتحلقنا حوله نشيع جوًّا من المرح .. غير أن حالته أخذت تسوء وسعاله لم يتوقف وحرارته في ارتفاع .. فتناوبنا على السهر إلى جانبه بكمادات باردة والشراب الساخن .. وفي ليلتي جلست إلى جانب سريره أرقبه .. لقد نام أخيرًا .. فأسفت لحاله وتأثرت لما جرى له، وكم تمنيت لو كنت المحموم لا هو..! طيب المعشر دمث الخلق .. لا تراه إلا مبتسمًا وهادئًا.. كان دائمًا يحثُّنا على التنافس في كل ما هو خير.. بفضله بعد توفيق الله – سبحانه ووتعالى – صرت أحفظ جزئين من القرآن الكريم .. بعد ان كنت لا أحفظ إلا قصار السور.. يا الله .. لقد غدا نحيلاً ضعيفًا .. يا رب خفف عنه ما يجد .. يا رب اشفه .. يا رب ..! وسالت دموعي على الرغم مني..

-" أول مرة أراك فيها باكيًا يا (أحمد)..".

رفعت رأسي إليه فمسح بأصابعه الواهنة دمعي، احتويت أصابعه بين كفي وقلت:-

-" كيف تشعر الآن يا (صالح) .؟!".

ابتسم قائلاً:-

-" الحمد لله على كل حال .. أفضل من ذي قبل.".

قبلت كفه قائلاً:-

-" ليت ما بك بي أنا ..".

ضغط على يدي معاتبًا، فقد ألح عليّ مرارًا وتكرارًا على عدم التذمر من قضاء الله، فأطرقت برأسي خجلاً:-

-" سامحني .. فأنا لا أطيق أن أراك تتألم هكذا..وأبقى مكتوف اليدين".

تطلع (صالح) للسقف وابتسم قائلاً:-

-" (أحمد) ..".

.. رفعت عيني إليه بلهفة ..

-" أترى تلك الشقوق في الجدران والسقف ..".

… تطلعت إلى الشقوق التي أشار إليها …

-" ماذا قال عنها (سعد) في أول يوم لنا هنا .؟!".

عدت بذاكرتي إلى اليوم الأول .. عندما عدنا من الحرم وبدأنا بترتيب أمتعتنا، يومها تضجر (سالم) من كثرة الشقوق في الجدران وتعطل بعض الإضاءات لقِدم الشقة، فربت (سعد) على كتفه قائلاً:-

-" هون عليك .. إنما هي أيام ونعود إلى الوطن ..".

ردد (صالح) العبارة السابقة بوهن وهو يلتفت إلي، فأومأت برأسي وقلت:-

-" وماذا في ذلك .؟!".

اتسعت ابتسامته أكثر ويده تضغط بقوة – فاجأتني –:-

-" وكذلك الدنيا .. إنما هي أيام ونرتحل إلى الدار الآخرة .. فإن أحسنّا العمل كانت خير موطن ودار ..فلِمَ نتضجّر ونتأفف من مصائبها .؟!".

وارتخت يده ليستسلم للنوم بعد الجهد الذي بذله، وقضيت الليلة بطولها أفكر بكلامه ..

======================

تعافى (صالح) بعد أسبوعين كاملين، وقد قررنا العودة مباشرة إلى الوطن؛ إذ شارفت إجازتنا على الإنتهاء ونقودنا على النفاد، ولا أظن أني سأنسى تلك الرحلة طيلة عمري .

======

أختكم…


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الوطن – قصة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول