العمر لحظة

اليوم هو الخميس … نعم الخميس , لكم أحب هذا اليوم وأود لو يأتى كل يوم , فقدومه يشعرنى بالسعادة تملأنى حتى أصبح نشواناً مبتهجا … ففى الليل ألتقى بالأصدقاء ونذهب لنقضى معاً أجمل الأوقات … فيمر بنا الليل مرور الكرام .. لا نشعر إلا بالفجر وقد شق آذانه سكون المكان وثناه وقد دخل علينا مبدداً فلول الظلام … يال روعته ونحن نتهادى بخطانا كل إلى بيته متنسمين عطر هوائه الرطب الذى يلامس وجوهنا مداعباً تاركاً قبلةً أشعر بها فوق وجنتى وتظل معى حتى أغوص فى النوم بفراشى ..
أخذت نفساً عميقاً إمتلأ به صدرى وأخرجته محدثاً صوتاً خافتاً خرج من أعماقى كأنه التنهيد عندما تذكرت أنه اليوم .. نعم إنه الخميس يومى … و .. فى هذه اللحظة الحالمة وأنا عائد الى بيتى وقعت عيناى عليها … إستوقفتنى , كنت أهم بعبور الطريق لكنها منعتنى , أقدامى تصنمت لم تستطع الحراك وكأنها تسمرت بالمكان ووجدتنى أقف أمامها مجذوباً لا أقوى على مقاومتها …إنها البراءة تجسدت أمامى فى شخصها … الجمال فى أبهى صورة واقفاً أمامى , لا أستطيع أن أصف ما أراه , لم أجد ما أقول غير الله , سبحان الله , سبحان المبدع المصور …
وبغير إرادةً منى وجدتنى أميل بجسدى نحوها , أمد يدى إليها طالباً لها ..
نظرت إلى بعينيها الجميلتين فأوقعت بى .. أسرتنى , حدثت نفسى بأنى لن أغادر إلا بها معى .. لمحت فى عينيها تلك الشقاوة الممتزجة بالبراءة , ذلك المزيج السحرى الذى لا يقاوم ..
تقدمت منى خطوة محدثةً صوتاً رقيقاً لم أكد أسمعه , لكنى فهمت أنها قد اطمأنت لى فمددت يدى نحوها أكثر … وقفت قليلاً تنظر إلىَّ ثم انطلقت نحوى بخطوات سريعة .. وفجأة توقفت , إنتبهت … شيء ما أزعجها , قفزت إلى الطريق مسرعة لتعبر … لا.. لا إنتبهى , السيارة لا .. صرخت بأعلى صوتى لكنها كانت قد سبقتنى إليها .. مرت فوقها بعجلاتها السوداء واختفت من هول سرعتها , هرعت إليها فوجدتها …. يا الله .. لا أدرى ما أفعل حيالها , آه إنها تتحرك .. تحاول أن تنهض .. هيا أرجوكى هيا .. يا رب ساعدها .. ها هيا .. قامت على أرجلها الأماميه تحركت إلى الأمام تجر باقى جسدها الملتصق بالأرض ثلاث خطوات ثم سقطت ساكنة .. لم تتحرك بعدها .. كانت عيناها الجميلتان تنظران إلى بعيد حيث لا مكان .. كانتا لا تزالان جميلتين لكن شيئا بهما قد تبدل .. فقد ذهبت الشقاوة وحل مكانها الألم فأصبح المزيج يعتصر قلب من يراه … شعرها الأبيض الطويل إختلط بلون أحمر سال من فمها ومن أسفل جسدها الذى جرته خلفها عدة خطوات ثم سقطت … رحلت ولم تترك ورائها غير هذان المتمزقان .. جسدها وقلبي .. نعم قلبى الذى أذرفت معه بالدمع عينى وأنا أمسك بذيلها الصغير أرفعها من وسط الطريق لأضعها بأحد جوانبه , أخرجت منديلاً من معطفى ووضعته عليها فغطى جسدها .. فقد كانت صغيرة لم يكن عمرها قد جاوز ثلاثة شهور , ثم أخرجت منديلاً آخر لأجفف به دمعى وأنا أغادر المكان قاصداً بيتى , أجرجر قدماى الثقيلتين التى راحت تتثاقل وتتثاقل حتى خارت إلى الأرض وخار معها جسدى ولم أدرى إلا بصوت آذان الفجر يوقظنى .. وصورة لأشخاص أشعر بأنى أعرفهم ولكنهم بدو لى كأشباح يحجب بينى وبينهم ستار من الدخان , كانو مسرورين بأنى متيقظ لا أعلم لماذا , لكنى أخذت فى ترديد الآذان .. الله أكبر الله أكبر
وصورة الأشخاص تتضح أكثر فأكثر وستار الدخان يتبدد ويتلاشى حتى انجلى عن أصدقائى ..
الله إيه .. أنا لا أفهم …. وسمعت الأصوات من حولى
ولا نحن … حمدا لله على سلامتك … أضعت علينا ليلة الخميس … ماذا حدث لك … الدكتور قال صدمة … مين زعلك قوللى … يا اولاد دعوه يرتاح الحمد لله لك يارب
آه نعم الحمد لله الآن تذكرت … تذكرت أنها سبقتنى إليه .. كان من الممكن أن أكون أنا .. لم يكن بينى وبينه إلا عبور الطريق لكنها استوقفتنى وعبرت هى .. نعم عبرت هى إليه
إلا تفعلون بى معروفاً …؟
نعم سمعاً وطاعةً …
خذونى لصلاة الفجر بالمسجد
لكنك….
أرجوكم سأكون أكثر راحةً وأمناً
ثم مضوا جميعا إلى المسجد لآداء الصلاة .
تمت
طارق المصرى

Exit mobile version