الطريد‎


كان من بينهم ذا رأي وذا مكانة وذا حشمة , أطلقوا عليه الأمين ؛ فحكموه فيما وقع بينهم  , حفظ لهم الأمانة , ولم يُعهد عنه أي خطيئة , كان من بينهم القوي الصادق , الجميل العفيف , الوفي الكريم . لم يجتمع معهم قط  في رذيلة , لم يشرب خمراً , ولم يكذب , ولم يدلس , ولم يغش .. بل كان ينفر من أعمالهم القذرة , ليتعبد في غار حراء , ليختلي بنفسه , ليتفكر في هذا الكون , ليكون رسولاً ونبياً لهذه الأمة .. !
أتاه اليقين وكُلف بالرسالة , وأُمر بالدعوة , فأخذ بها فدعا سراً وجهراً لم يحتمل ما هم عليه من قبل , ولم يحتمل منهم بعدما كان,ولم يحتمل منهم بعدما انتهى! وهم شاركوه بالشعور واختلفوا معهُ في المضمون , على الهدى هو , وعلى الضلالة هم .

صدع بما جاءه من الحق ولم يبالي بما سوف يكون ؛ لأنه رسول ربه , حاربوه وحاربهم , دعوه ودعاهم طردوه ولم يطردهم , قتلوا أصحابه يوم الضعف , وعفا عنهم  يوم القوة , وقال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
قدموا له المال الوفير ؛ .. فأبى , قدموا له الجاه ليكون سيدهم .. فأبى , عرضوا عليه أجمل النساء ليزوجوه .. فأبى , قدموا له العلاج ليعالجوه – كما ظنوا – .. فأبى فقالوا له : ما بالك ؟
فقال كلمته الشهيرة : ( والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته )


اعلان





ثم بدءوا بالعداوة .. فعذبوا من أصحابه وقتلوا ثم وضعوا على رأسه الشريف سلى الجزور , وكسروا ثنيته , وشجوا رأسه , واتهموه بالكذب , والجنون , ثم قالوا عنه لشاعر أبتدع ما جاء به .. ثم طردوه من مكة , ومن بعد طُردا من الطائف .. ليكون الطريد !

يا طريداً ملئ الدنيـا أسمـه … وغدا لحناً على كل الشفاه
وغــدت سيــرته أنشــودة .. . يـتـلقـــاه رواة عـــن رواة
هل درت من طاردته أمة ٌ؟ … هبلٌ معبودها شاهت وشاه
طاردت في البيد من بوءاها … منـزلاً لا يبلـغ النجـم مداه

هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ! آمنا بالله ثم به , رضياً بالله رباً وبهِ نبياً وبالإسلام ديناً .. هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي أخرجنا من الضلالة إلي النور , من الكفر إلي الإيمان , من الشك إلي اليقين , من الضعف إلي القوة , من الفرقة إلي الإتحاد , من الذل إلي العزة , من عبادة الأوثان والأصنام والأزلام إلي عبادة الواحد القهار ذي الجلال والإكرام .

هذا الذي جـاء والأبحـارُ مالحـة … فمز فيها فصار الماء كالعسل
هذا الذي شفى عيناً بعدما فقأت .. وريقـه شفى عـين الإمام علي

فما جزاءه ؟ اليوم يُصور بأبشع الصور , يُهاجم عرضه المصون – صلى الله عليه وسلم – من الدنمركيين والنرويجيين والفرنسيين .. والغربيين على حدٍ سواء !
ونحن .. لا نجد وسيلة للدفاع عنه إلا المقاطعة , فنقاطع الزيتون والجبن , ونقاطع كل بضائعهم ومزارعهم ومصانعهم , وليتنا استمرينا بالمقاطعة , بل زادت بطوننا من أكل الزبد ( الدنمركي ) بعدما خارت عزائمنا , وبالت الشياطينُ في عقولنا .

ثم نلتمس الأعذار منهم , ونستنكر ما أقدموا عليه , بالشجب والاستنكار .. نرفع اللوحات الملونة تعبيراً عن الذل الذي نحن فيه .. نجتمع لنتحد , ثم ما نلبثُ حتى نفترق عن بعضنا أكثر مما قبل .
ندعى حبه , ونحن عن سنته بعيدين .. ندعى حبه , ونحن نعصيه .. ندعى حبه ونحن من الغربيين قريبون .. ندعى حبه وهذا محال ؛ لأن المحب للمحب مطيع !
ومع ما نواجه من الغربيين الملحدين , يخرج لنا من جلدتنا من يطول لسانه , و تخبث سريرته , ليتطاول على أشرف خلق الله محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي شهد له الأعداء بالعدل والنزاهة والخلق , بل قبل هذا كله شهد له الله عز وجل , وقال : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .

فأي عقلٍ جر بك إلي هذا الشرك العظيم ؟
أهي مدارس الحرية التي تدعي أنت ومن معك ؟!
أهي الاجتماعات السرية التي تعقدها أنت وخفافيش الظلام ؟ !
أهي الكتب التي تقرءاها على مسامع أمثالك ؟!

قد سقطت في وحول الفكر الملوث , وها أنت اليوم تغرقُ في وحلٍ كبير ؛ لتخرج منه بنجاسةٍ لا يطهرها الطوفان العظيم , وبفكرٍ لا يمحوه إلا القرآن الكريم والرجوع إلي الحق المبين , والتوبةِ النصوح التي تجب ما قبلها , وأنصحك بملازمة المسجد وقراءة القرآن طوال عمرك لتكفر عن ما اقترفه لسانك وعقلك .

هذا هو رسول الله –  صلى الله عليه وسلم – الذي قال : (( والله لا أرضى وأحدٌ من أمتي في النار )) , أيطارد كل هذه الأزمان ؟

عذراً لك أيه الرسول الكريم .. فقد انشغلنا عن دعوتك بملذات دنيانا , وأصابنا الذل والهوان والضعف والخنوع , حتى أصبحنا مع كثرتنا غثاءاً كغثاء السيل , كما أخبرتنا أنت قبل مماتك.

الكاتب / فواز بن ناصر الحويفي

ايميلي
تويتر
فيس بوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول