الطاسة ضايعة


في الحياة منحدرات ومنعطفات ومطبات وتحويلات ودهاليز وسراديب، تجعل الإنسان يعيش في دوامة، حتى يشعر أن "الطاسة ضايعة" فتراه يتخبط يمنة ويسرة دون أن يعرف الاتجاه الصحيح للسير فيه، وفي أحيان يُرسم له طريق سراب يجتهد في السير فيه وفي النهاية يجد نفسه فارغ اليدين ومتعب القدمين ومصاب بالإعياء من طول الخطوات التي قطعها دون جدوى.

ولعل من يتوه في دوامة "الطاسة الضائعة" كثيرًا ذاك الموظف الذي أخلص وجد واجتهد وشمر عن ساعديه باذلاً ومتفانيًا في أداء مهام عمله وما كلف به ليبدع ويتميز عن غيره بالتجديد والتطوير والارتقاء بإدارته، ما علم أنه في نهاية المطاف سوف يجد نفسه مشردًا بين المكاتب والممرات دون عمل أو حتى كرسي يجلس عليه ليرتاح من طول الوقوف، ويكون مصيره معلق بوشاية حاقد وكذبة حاسد ومكيدة ناقم، قدرها وأبرمها حتى صبها في أُذني المسؤول، الذي لم يصدق الخبر، إلا أن سوء حظه جاء صدفة مصادقًا لما وقع وقيل وكان، فكان ما كان.

حتى توقع أن تشكل لحالته اللجان أثر اللجان للتحقيق والتمحيص والتفحيص عن أمر لم يكن منه، إلا من قبيل ذاك المسكين الذي رسم وخطط لإبعاده عن الطريق بكل مكر وخبث ومكيدة ودهاء، لينشئ بذلك بيئة خصبة للتخبط الإداري والفساد الذي يحاربه كل مخلص وسوي في كل الدوائر.




فمتى ضاعت الأمور واختلطت وعُدم الضابط الرزين لها، وأسند الأمر لغير أهله وفق الأهواء والمزاجية، اختلط الحابل بالنابل حتى "تضيع الطاسة" ويصبح الحق باطلاً والباطل حقًا، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا.

فمتى كان الأمر كذلك كانت القضية قضية استفزازية من فرد لا يمثل إلا نفسه ومن شابهه في هذا التصرف الأرعن؛ لشريحة كبيرة من الموظفين الذين هم جزء لا يتجزأ من الشعب وأبناء الوطن، تتحول إلى استفزاز صناع القرار ليخرجوا من المألوف والنظام إلى ما يحقق رغبة هؤلاء بقصد وبدون قصد، وبالتالي تشويه صورتهم أمام الآخرين والإثبات بأنهم ليسوا أهلاً للثقة وتولي القيادة.

فهم بفعلهم هذا البسيط، ينشئون بيئة خصبة لخلق الفتنة والاحتقان والكراهية والضغينة بين الموظفين فيما بينهم، وبين الموظفين ومسؤوليهم، وبالتالي خلق حواضن للفساد المالي والإداري، وتعطيل عجلة التقدم والتطوير والإنتاجية، وتعطيل مصالح المراجعين والمستفيدين من خدمات تلك الدائرة، وإشغال المسؤولين والموظفين بأمور لا تمت بما أسند إليهم من مهام بصلة، وجعلهم يدورون في دوامة مفرغة من الروتين وتصفية الحسابات والبحث عن الزلات وتصيدها.

إن "الطاسة عندما تضيع" فإنها تضيع فارغة من الحقائق، ومملوءة بالأوهام والأحقاد والدسائس التي جد واجتهد في دسها ذاك الفارغ المسكين الذي صبها في أُذن المسؤول ضد ذاك الموظف المتميز بكل جديد وهادف.

حتى أنك تخشى على نفسك أن تكون يومًا في دوامة تلك "الطاسة الضائعة" التي لا محالة أنها مهلكة للوقت وللعمر وللخير كله، ومصيرها ذاك الركن المنسوج بخيوط العنكبوت بعد فوات الأوان والعض على أصابع الحسرة والندم على ما فعل وما كان منه من أعمال شريرة شيطانية؛ سلم لحظتها نفسه للشيطان ليستعبده فيها بمثل تلك الأعمال المنبوذة.

ولعل في ذلك خير وفاتحة أمل ونافذة مبصرة ومدركة؛ لرؤية الحقيقة من خلالها للعمل على رسم الطريق الأمن والموصل للغاية المنشودة دون أي خسائر تذكر، بعد تصحيح الأمر والقضاء على الفوضى وسد ذاك الشرخ الذي أحدثه بقصد الإفساد ذاك المسكين، فالفوضى والتخبط والعشوائية في العمل تربك ولا تنجز وتؤخر ولا تنهي ولا تخلص.

لذا فإنه لزامًا علينا وضعها تحت المجهر، وأن نتعامل معها وفق البوصلة الموجهة بهاتيك الرؤية العلمية العميقة والقدرة على استقراء الواقع والتكيف معه بما لا يخالف المبادئ الراسخة والشامخة، للقضاء على تلك المفاسد والتجاوزات المخلة بالأنظمة والتعليمات وسير المعاملات وتأخر الإنتاجية وتعطل المصالح، وعدم الانشغال بتلك "الطاسة" الفارغة من كل حسن وجميل، والانشغال بإعادة رسم الطريق الصحيح وتجميله بكل نافع ومفيد، وتزين جنباته بكل معالم التطوير والتجديد، وتنسيق أركانه بمظاهر الإبداع والسبق في احتواء كل جديد يعين على كسر الجمود والتخلص من أطناب الروتين الجاثم على صدر التطوير والتميز والإبداع.

وهنا أقول لذاك المسكين تأكد بأنني أنا الفعل ولست ردة الفعل، وهذا لما حباني الخالق به من ذكاء وفطنة، مجلل برضا المولى – عز وجل – فأنا لها – بإذن الله – في هذا الزمان الذي صار فيه صاحب الحق والمبادئ كالمحارب على ألف جبهة، ومن يعتصم بحبل الله – سبحانه وتعالى – وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – يكون النصر حليفه من كل ظالم ظلمه، فمن حفظ الله بالطاعة أعزه الله بالمغفرة والتوفيق والتسديد وبلوغ الهدف والتربع على القمة!!!

شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
المهـ رحال ـاجر
[email protected]
الرياض


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الطاسة ضايعة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول