أبويا فين ؟؟


مفيد

أبويا فين ؟

(27 سنة قضيتها ممسحة تحت (رجول) كل من هب ودب، صاير مثل لعبة في يد طفل، ما أشوف أي فرق بيني وبين أي لعبة سوى إن اللعبة ما تحس وأنا أحس.
كل نقطة تفتيش أسمع فيها كلام، ما تتحمله الكلاب.. لو انسرقت أروح أشتكي لمين؟ لو صار لي حادث مروري وكنت أنا المظلوم، راح أنسجن !
افترض إني تحولت لإرهابي أو مروج مخدرات أو حرامي أو قواد.. هل راح يعذرني القانون؟ بالتأكيد لا..
طيب أفترض إني زورت هوية واشتغلت واتزوجت وفتحت بيت ورزقني ربنا بطفل، وبعدها اكتشفوا أمري، هل راح يعذرني القانون أو راح يوقف جنبي أحد ويقول هذا ضحية المجتمع؟ بالتأكيد لا.
وبالتأكيد راح يكون مصير طفلي نفس مصيري وراح يسأل أمه: أبويا فين؟).

أبويا فين؟.. سؤال مهند اليومي لأمه التي لا تعرف إلى أين هرب هذا الحقير الذي تركها وترك ابنه وهرب !.. هرب من المرأة التي أحبها وتزوجها بمحض إرادته، أو نزوته، بيد أنه أفاق عندما أبصر ابنه، لا لشيء سوى لأنه يحمل لون بشرة أمه السوداء ؟
بلغ مهند العاشرة.. وبدأ لسانه يعرف الطريق إلى السؤال الذي يلح عليه كلما تذوق مرارة القهر والظلم والحرمان والطرد في حلقه: (أبويا فين)؟
حينما يُضرب من أبناء الحي، يعود لأمه باكياً يسألها: (أبويا فين)؟
وحينما يرى الأطفال بملابس العيد، يعود لأمه باكياً يسألها: (أبويا فين)؟
وحينما يضربه أحد المعلمين في المدرسة، يعود لأمه باكياً يسألها: (أبويا فين)؟
الإجابة المعتادة دائماً (بكرة راح يجي).. لكن مهند الصغير علم مع الوقت أن أباه لن يأتي.. مهند الذي تفتح وعيه أخيراً على الكارثة الاجتماعية التي نعيشها، أدرك أن أباه الهارب فر بعرقه ولون بشرته من ذلك العار الأسود.




مشهد الأم التي تحمل حفنة من الأواني القديمة والخرق البالية مطرودة من البيت الذي عجزت عن سداد إيجاره لسنوات، لا يزال يطارد رأس مهند الذي وجد نفسه في ذلك اليوم هو وأمه فريستين ألقي بهما إلى كلاب الشوارع.. العروض التي قدمت في ذلك الزمن للمرأة السوداء التي كانت لا تزال تحتفظ بفتنتها، كانت مغرية، بيد أن المرأة التي وعت الدرس جيداً أبت أن تقدم لحمها لكلب آخر ينهشه ثم يرمي ببقاياه في أقرب حاوية نفايات.

مهند الذي اعتاد عشاء الجمعيات الخيرية وبقايا صالات الأفراح بلغ أخيراً عامه الخامس عشر.. توجه بشهادة ميلاده ليستخرج بطاقة أحوال مدنية ظناً منه أنه مثله مثل أي مواطن، بيد أن المراهق التعس اكتشف أن حلقات المأساة لم تنته بعد، بل ربما تكون قد بدأت في ذلك اليوم، حينما عجز عن إكمال تعليمه الثانوي لأنه لا يحمل بطاقة أحوال، وعلم أيضاً أن مستقبل أيامه مرتبط بذلك الغائب الذي لن يعود، وأن شهادة ميلاده التي يحملها لا قيمة لها.. وبين إدارة الأحوال المدنية، والمحاكم، والإمارة، وجميع الدوائر الحكومية التي لها علاقة بقضية مواطن أسود اختفى والده في ظروف غامضة، ويحمل شهادة ميلاد فقط، بدأت دوامة مواعيد ومعاملات دوائرنا الحكومية وصالات محاكمنا.. (المسؤول مشغول.. القاضي ماهو موجود.. هيئة التمييز تبغى.. الإمارة تبغى.. الأحوال تبغى.. يا ابني لا تستعجل العجلة من الشيطان.. روح وتعال بعد يومين.. أسبوعين.. شهرين.. جيب شهود.. جيب ورقة من العمدة.. جيب أمك !).

وقف مهند يراقب مجتمعنا وهو يحتفل ببداية الألفية الجديدة، أشياء كثيرة تبدلت.. ألوان جدران الدوائر الحكومية وسياراتها وزي منسوبيها، حتى المحاكم وصلت إليها التقنية، لكن القوانين وطريقة التعامل كما هي، وكأن العالم مضى بعيداً تاركاً خلفه ذلك المراهق الأسود بلا أب.. بلا تعليم.. بلا عمل.. مديونا.. وبلا هوية تثبت أنه إنسان، وبلا حيلة يدفع بها الموت عن أمه العجوز المريضة.
لم يترك الشاب باباً لم يطرقه، حتى باب حقوق الإنسان الذي ظل يطارد بينه وبين باب الأحوال المدنية معاملته الزئبقية التي بدأ أنها ستكلفة الركض وراءها بقية عمره، من دون فائدة.

بسبب هذه المراجعات طرد مهند من كل الوظائف الهامشية التي عمل فيها، ونتيجة لذلك أصبح مهند لا يجد قوت يومه في بعض الأحيان، وتدهورت حالته الصحية نتيجة لسوء التغذية وقلة النوم وحالة القلق والاكتئاب التي يعيشها، أما مسألة أن يتعالج في أحد المستشفيات الحكومية فهذا أمر مستحيل لأنه لا يحمل هوية لفتح ملف، أما المستشفيات الخاصة التي لا يستطيع أن يدفع تكاليفها فهي كالمنشار مع كل حركة من يد الأطباء سيدفع مقابلها آلاف الريالات، علماً أنهم يعالجون جزءا ويفسدون أجزاء.

هذه قصة حقيقية مختصرة لإنسان قذف به أحد المواطنين وهرب، تاركاً خلفه نطفته السعودية، يسأل أمه: أبويا فين؟ بيد أن القضية أعمق من ذلك بكثير فكان حقه أن يسأل اليوم بعدما يئس من أن يعثر على والده: المجتمع فين؟.. المسؤولين فين؟.. الضمائر فين؟

مفيد النويصر


تعليقات 5

  1. صدقني ياصديقي بأن الكتاب لو التفتوا لمثل مشاكل المجتمع هذه لما حصل ما يحصل الآن .. لكن المشكلة التي تؤرق غالبية الكتاب هو أن المرأة لا تخرج في الميادين العامة ووووو…. وانت (أبخص) مني بسواليف كتابنا الذي يكتبون بصحفنا اليومية .. شكرا لتواجد قلمك أخي..

  2. أختلف مع أخي الذي سبقني في التعليق ومعك أستاذ مفيد , نعم هذه حالة إنسانية تغرورق لها العين دمعا ويضيق لها القلب كمدا , ولكن المسؤول الأول والأخير هو الأم , التي لم تحمل من بقايا زوجها سوى إسمه أو لعلها قد نسيته مع السنين . هناك أنظمة وقوانين تحمي المواطن , وليس كل من أتى بشهادة ميلاد أصبح مواطنا , ياعزيزي تعلم ويعلم غيرك بأن البلد إمتلأت ممن يزورون كل شي ولو وصلت إليه تقنية الإستنساخ لأستخدموها بلا رادع إنساني ولا واقي ديني . لست ضد وطنيه هذا الشخص بالذات أو من هم على شاكلته , ولكن لاتكن نظرتنا دوما سوداويه وتكون عباراتنا دوما المجتمع المسؤولون , المجتمع هو عصارة ثقافتنا جميعا , والمسؤولون هم نتاج مجتمعنا الذي قد صببنا فيه أفكارنا سابقا . فلا نرفض أنفسنا ونبالغ في جلد ذواتنا . شكرا لكم

  3. المسؤول مشغول.. القاضي ماهو موجود.. هيئة التمييز تبغى.. الإمارة تبغى.. الأحوال تبغى.. يا ابني لا تستعجل العجلة من الشيطان.. روح وتعال بعد يومين.. أسبوعين.. شهرين.. جيب شهود.. جيب ورقة من العمدة.. جيب أمك !). 8 8 8 لا أدري متى ستنتهي هذه الظاهره ومقالة رائعة بروعة كاتبها وفقك الله اخي مفيد ,,, وتقبل أجمل تحياتي

  4. اول شي حسبنا الله ونعم الوكيل لان الشي قيد سار خلاص, لكن المفروض نفكر كيف نعالج ونوضع حلول مسبقة لهذه المشاكل لكن كل مين ياخذ راتبه نهاية الشهر والف دهيه على الناس

  5. معناة مهند قريبه جداً من معناة فئة البدون لدينا , ليس في تعاسته وحظه الذي لم يخدمه نهائياً وحلمه الذي لم يتحقق مثله مثل أي شخص من جنسه من له طموح يريد أن يصل إليها , وإنما في الخدمات التي تعطى من لديه جنسيه ومجاري الحياة التي يسلوكنها بصعوبه من ناحية إكمال الدراسه وغيرها وعلى ذلك فقس . . مفيد مقالك رائع جداً , طرقت باباً أراه مهمل ونفظت غباراً متراكماً عن جسم مهند ولكن من ينفظ الغبار عن مجتمع كامل يعيش كما يعيش مهند . . ولسان حالهم يقول ابوي فين ؟ والعالم كلهم فين ؟ دمت بود تحياتي لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبويا فين ؟؟

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول