لماذا تقود بعض الدول سياراتها على يسار الطريق ؟


حوالي 35% من دول العالم تقود سياراتها على يسار الطريق وأبرزها بريطانيا والهند وإندونيسيا واليابان. وهذا يعني أن اتجاه السير فيها يجب أن يكون من الناحية اليسرى، بينما تقود 65% من الدول سياراتها على يمين الطريق، ومنها الدول العربية وفرنسا والصين وروسيا وألمانيا والولايات المتحدة.

يسار الطريق

سبب القيادة على يسار الطريق

ففي الماضي، كان الجميع يسير على الجهة اليسرى من الطريق، حيث كان ذلك الخيار الأمثل في المجتمعات الإقطاعية العنيفة. فمعظم الناس كانوا يستخدمون اليد اليمنى، وكان المبارزون يفضلّون السير على الجهة اليسرى من أجل أن تكون اليد اليمنى أقرب إلى الخصم، ويكون غمد السلاح بعيدًا عنه. كما أنه حين يكون جراب السيف أو السلاح على اليسار فإنه يقلل من فرص الاصطدام بالآخرين.

وعلاوة على ذلك، فإن الشخص الذي يستخدم يده اليمنى يكون ركوب الحصان من الجهة اليسرى أكثر سهولة له، وسيكون من الصعب جدًا فعل غير ذلك إن كان يحمل السيف على اليسار. ومن الأكثر أمانًا ركوب الحصان والنزول عنه على جانب الطريق بدلًا من المنتصف. لذا، إن امتطى الفارس جواده من اليسار، هذا يعني أن القيادة يجب أن تكون على يسار الطريق.

يسار الطريق

تحوّل الدول الأوروبية لقواعد السير يمينًا

في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، بدأ السائقون في الولايات المتحدة وفرنسا بتحميل المنتجات الزراعية على عربات يجرها زوجان من الخيول. وقد كانت بدون مقعد للسائق، لذلك كان يجلس على اليسار خلف الخيل، ويده اليسرى فارغة، لضرب السوط. وبما أن السائق يجلس على اليسار، فكان من الطبيعي أن يسير الجميع على نفس الاتجاه، لتكون لديه القدرة على ملاحظة العربات القادمة.

وقد أعطت الثورة الفرنسية عام 1789م زخمًا كبيرًا للسير باتجاه اليمين في أوروبا. وقبل الثورة كانت الطبقة الأرستقراطية تسير على يسار الطريق، مما اضطر الفلاحين إلى السير على اليمين. لكن بعد اقتحام سجن الباستيل الذي كان شرارة الثورة الفرنسية فضّل الأرستقراطيون الابتعاد عن دائرة الأضواء ومشاركة الفلاحين بالسير على جهة اليمين. وقد صدر قانون يقضي بالحفاظ على السير يمينًا عام 1794م في باريس، وربما كان ذلك بالتوازي مع الدنمارك، حين كان السير يمنيًا إلزاميًا عام 1793م.

وقد أقرّ نابليون اتجاه السير الأيمن في الدول الخاضعة له، وهي: بلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورج، وسويسرا، وألمانيا، وبولندا، وأجزاء من إسبانيا، وإيطاليا. أما الدول التي قاومت نابليون، مثل: بريطانيا، والإمبراطورية المجرية النمساوية، والبرتغال فقد اتبعت اليسار في السير. وبقي هذا الانقسام الأوروبي بين اليمين واليسار لأكثر من 100 عام حتى بعد الحرب العالمية الأولى.

يسار الطريق
اللون الأحمر يمثّل الدول التي تتبع قواعد السير يمنيًا، أما الأخضر فالدول التي تسير يسارًا

تغيير قواعد السير في المستعمرات البريطانية

ومع مرور السنوات، أصبح الاتجاه السائد في السير هو نحو اليمين، إلا أن بريطانيا بذلت قصارى جهدها لتجنب التجانس العالمي. ومع نشاط حركة السفر، وبناء الطرق في القرن التاسع عشر، صدرت أنظمة المرور في كل بلد. فقد أصبحت القيادة على يسار الطريق أمرًا إلزاميًا في بريطانيا عام 1835م، وتم تطبيق هذه القواعد على الدول التابعة للإمبراطورية البريطانية. هذا هو السبب الذي يجعل الهند، وأستراليا، والمستعمرات البريطانية السابقة في إفريقيا تسير على يسار الطريق، باستثناء مصر والتي كانت تابعة لنابليون قبل السيطرة البريطانية.

اليابان لم تكن يومًا جزءًا من الإمبراطورية البريطانية، إلا أن نظام السير لديها يسارًا. ويرجع إلى أن اليابان قامت ببناء أول سكة حديد بمساعدة تقنية من بريطانيا. وبعد ذلك أصبحت شبكات سكك الحديد وخطوط الترام والقطارات تتم قيادتها يسارًا. وقد تم إقرار القيادة على اليسار رسميًا عام 1924م.

وحين وصل الهولنديون إلى إندونيسيا عام 1596م، نقلوا معهم عادة القيادة على اليسار. لكن حين غزا نابليون هولندا، تغيّر الأمر وأصبحت القيادة على يمين الطريق. لكن المستعمرات بقيت على ما هي عليه، فقد استمرت إندونيسيا وسورينام بالقيادة على يسار الطريق.

في السنوات الأولى للاستعمار البريطاني لأمريكا الشمالية اتبعت قواعد السير الخاصة بها، لكن مع نهاية الاستعمار عملت أمريكا على التخلص من أي روابط بالإمبراطورية البريطانية، فغيّرت اتجاه السير إلى اليمين، كما أن تأثير المهاجرين الأوروبيين لا يمكن الاستهانة به وخاصة الفرنسيين. وقد صدر أول قانون لاتباع جهة اليمين في السير في بنسلفانيا عام 1792م، ثم في نيويورك ونيوجيرسي.

وعلى الرغم من التطورات الحاصلة في هذا المجال في الولايات المتحدة، إلا أن كندا استمرت بالقيادة يسارًا. لكن المناطق التي كانت خاضعة لفرنسا من كيبيك إلى لويزيانا كان اتجاه السير لديها يمينًا، لكن المناطق الأخرى التي كانت خاضعة لبريطانيا (بريتش كولومبيا، نيوبرونزويك، نوفا سكوتيا، جزيرة الأمير إدوارد، ونيوفاوندلاند) حافظت على السير يسارًا. وقد تحوّلت بريتش كولومبيا ومقاطعات الأطلسي إلى اليمين في العشرينيات من القرن الماضي لتواكب ما هو معمول به في بقية أجزاء كندا والولايات المتحدة.

في أوروبا، بدأت الدول التي تتبع قواعد السير يسارًا بالتحول يمينًا دولة تلو الأخرى. أما إيطاليا فقد تحوّلت إلى قواعد السير يمينًا عام 1925م، وسبقتها إسبانيا عام 1924 التي كانت أجزاء منها تقود يمينًا وأجزاء يسارًا.

يمين

آخر تحويلات الطرق في أوروبا

ولم يُحدِث تفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية أي تغيير، فقد استمرت المجر، وتشيكوسلوفاكيا، ويوغوسلافيا باتباع نظام السير يسارًا. لكن النمسا كانت منقسمة، فأجزاء منها تقود يمينًا وأجزاء يسارًا.

استمر الحال في النمسا على ذلك حتى سيطرة ألمانيا عليها عام 1938م، لكن الأمر كان صعبًا في التحول إلى السير يمينًا. أما تشيكوسلوفاكيا، والمجر كانت آخر الدول الأوروبية التي بقيت على اتجاه السير الأيسر، إلا أنها اضطرت للتحول يمينًا بعد اجتياح ألمانيا لهما خلال الحرب العالمية الثانية.

وبدأ اتباع قواعد السير يمينًا يصبح أكثر قوة في العالم. وقد تم تصميم السيارات الأمريكية لتتم قيادتها على يمين الطريق أي يكون التحكم بها من الجهة اليسرى. ومع زيادة الإنتاج من السيارات الموثوقة والاقتصادية في الولايات المتحدة، كان يتم التصدير، وبدافع الضرورة قامت الكثير من الدول بتغيير قواعد الطرق.

وقد تحوّلت منطقة جبل طارق إلى اليمين عام 1929م، والصين عام 1946، وكذلك كوريا. وبدأت باكستان التغيير في الستينيات إلا أنها عدلت عن القرار لصعوبة تحويل طرق قوافل الجمال، فمن الصعب تعليم هذه الجمال الخطوات الجديدة.

تغيير الطريق في السويد
(H-Day) في السويد، وهو يوم تحويل حركة المرور إلى اليمين

بعد الحرب العالمية الثانية استمرت السويد في القيادة يسارًا، وزاد الضغط عليها من أجل التغيير كباقي الدول الأوروبية، لكن المشكلة كانت أن هناك الكثير من الطرق الصغيرة المؤدية إلى فنلندا والنرويج بدون حرس الحدود، فمن الصعب على الشخص تذكر في أي بلد كان.

وقد أقرّت السويد التغيير في 3 سبتمبر عام 1967م، وهو ذلك اليوم الذي شهدت فيه حركة السير توقفًا أربع ساعات قبل تحويل خط السير إلى اليمن وساعة بعده. فمن المكلف جدًا من  الناحية المادية تغيير خط السير واللافتات. إلى يومنا هذا، هناك دول أوروبية تقود سياراتها على يسار الطريق، منها المملكة المتحدة، وإيرلندا، وقبرص، ومالطا. أما دولة ساموا المستلقة فكانت ثالث الدول التي تحوّل اتجاه السير من اليمين إلى اليسار عام 2009م.

مقطع فيديو يوثق التحول التدريجي لحركة المرور إلى الجهة اليمنى في السويد

المصدر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لماذا تقود بعض الدول سياراتها على يسار الطريق ؟

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول