وفقد طفلي طٌهره


إن الصغار يحملون المفاجئات بعدد خلاياهم وأكثر .. بعدد الدقائق التي مرت عليهم وهم في أصلاب آباءهم وأرحام أمهاتهم , وهذا ما اكتشفته مع طفلي !

فبعد أن دثرت جبينه بالقبلات المسائية وأحكمت اللحاف حوله كشرنقة تنتظر مولد النور لتتحول إلى فراشة تملئ كوكبنا الصغير طُهر ونقاء .. براءة وتفاؤل , انتبذت لنفسي فوق سريره السماوي اللون والأحلام والتوجه ! مقعد ملتصق بجانبه الأيسر لأكون إلى قلبه أقرب فأستمع إلى بياض قلبه لأغتسل من نجاسة الواقع بينما يستمع هو إلى حكايته المفضلة ( حكاية الراعي الكذاب ) .

وما أن بدأت في سرد التفاصيل حتى التفت إلي طائر الجنة ورمقني بنظرة كُنت قد سمعتها من قلبه حال سرد الحكاية ولكني تجاهلتها لثقتي بأن طفلي سوف يجاملني بعدم ترجمة تلك النظرة على لسانه , ولأن طائري الصغير يخاف على مشاعري لم يخبرني بأن حكايتي لم تعد تغريه وإنما أقـترح علي أن نتبادل الأدوار !

أعجبتني الفكرة وأصبح طائري هو من يجلس بجانب قلبي وأنا مستلقي على سريره وخائف من سماعه لقلبي الذي فقد طُهر الطفولة ! ولأن الفكرة كانت تأسره أكثر من سماعه لقلبي وحكاياته , اطمأنت مخاوفي من انتقال سواد الواقع الذي يسكنني إلى بياض قلب طفلي قبل بلوغه سن الكَبَد !

على رأسي الثقيل المُثقل بالتفكير في العيش على شفا حفرة الكفاف وضع طفلي يده الصغيرة المكتنزة بالأحلام الكبيرة والتي لا تتعدى الفوز بجهاز- آي بود- أو لعبة جديدة ولوح شوكولاتة يفسد بها ثوب العيد ثم أسترسل في غزل حكايته بعد أن بسمل وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين” كما ربيته ”
ثم قال ..
كان ياما كان في عصر من العصور التي لم يبلغها أنس ولا جان من هذا الزمان ,
كان الراعي يصرخ بقومه مُستنجداً بهم من هجوم الذئب على الأغنام وعندما هرعوا إليه وجدوه يتدحرج على الأرض من شدة الضحك لأنه نجح في الكذب عليهم !! كررها عليهم ثلاث مرات في أيام أُخر حتى كُتب عند قومه كذابا وبليت حبال صدقه عندهم حتى أتى يوم وأصبحت فيه الكذبة حقيقة فلم يجد منهم مُنجدا فأكله الذئب وعاث في الأغنام أكلاً وإفساداً وبقيت ملابس الراعي شاهدة على قصته .. وهكذا كانت نهاية من أقترف الكذب !

وفي هذا العصر ….
وبعد أن وصل القوم إليه أول مرة ووجدوه من الكاذبين وتأكدوا من ملكيته للأغنام , لم يتضايقوا من كذبه وضحكه عليهم بل على العكس , أخبروه بأنه سيد الظرفاء , ليصبحوا من المُتسلقين المنافقين .

وعندما كررها في صباح الغد , أخبروه بأنهم قد وجدوا الذئب في طريقهم إليه فقتلوه , فأصبحوا من المقربين .
ثم عاد إلى فعلها في اليوم الثالث فعادوا إليه متدحرجين على أعقابهم ترهق وجوهم ذلة ” المصالح !! ”

فقال لهم
– الم تخبروني بأنكم قتلتم الذئب !
!!مالك لا تؤمن بقتلنا للذئب ولو كنا صادقين –
– إذاً .. كيف عاد من جديد إلى قطيعي
– ما رأيته أنت هو واحد من أفراد قبيلة الذئب الذي قتل بالأمس … أتى من أجل الثأر .. فلا تقلق .. إنا لهم بالمرصاد .
وعندها وصلوا إلى غايتهم في الراعي .. وأصبحوا من المُستفيدين !!

هرب النوم من جفني رُعباً وراح ينام في جفون أباء العالم الذين مروا بتجربتي وتجاوزوه بسلام …. ثم اكتشفت بأن طفلي قد كبر وصار يستمع إلى قلبي الذي يجاور قلبه طلباً في لحظة طُهر تفصلني عن نجاسة الواقع !

ومن المؤكد أني لن أصم أذناي عن الإنصات لصغيري وحكاياته التي بلغت ! ولكن بعد أن تغشاني السكينة من بعد الرعب لأنقذ ما يمكن إنقاذه من بقايا طٌهر قلبه حتى لا يخسر العالم طفلاً آخر !

بقلم / صالح عبدالله التويجري


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


تعليقات 1

  1. أحييك يا أخي صالح التويجري و بعد، فبارك الله فيك على موضشوعك هذا الثقافي و المفيد، حكاية جيدةتناولتها مع الموضوع…الله يعافيك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وفقد طفلي طٌهره

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول