همسات حب ‎(1)‎


همسة

الحب هو البذرة التي تسكن في حنايا أرض قلوبنا والتي تزرع فيها عندما تنفخ الروح فينا ونحن في أحضان بطون أمهاتنا ومن ثم حرثها أهلنا فمنهم من وفى حقها ومنهم من خانها ولكن نقف عند الخيانة لأن طبيعتنا وفطرتنا ترفض ذلك وان عشنا أكثر حياتنا بين أقوام خونة فجرة فلابد من يوم أن تصحا روحنا الإنسانية وترفض كل ذلك هذا إن رغبنا بالعودة للأصل أما ان كنا نرضى فلا حول ولا قوة إلا بالله.

(1)
ركضت مريم في حديقة منزلهم الصغيرة وهي تطير من الفرح وتنظر حولها فكل شيء أصبح جميل اليوم فهو يوم ميلادها السابع وسوف يقيمون لها احتفال رائع في نهاية اليوم.
لقد وصلنا . قالها سيف وهو ينظر نظرة شوق لصديقته الصغيرة مريم .
وقفت مريم عن الركض واللعب ونظرت ناحية سيف وأجبرتها الدهشة على الصمت قليلا وماهي الا لحظات الا وصرخة سيف واو وركضت ناحيته وهو أيضا ركض والتقوا في وسط الطريق فاحتضنوا بعضهما وقالت : هل أحضرت لي هدية ؟
ابتسم سيف خجلا : لا
لماذا ؟ يكفي لقد عرفت . قالتها بعد أن أشاحت بوجهها تنظر ناحية الحديقة
أبي يقول بأن هذا الاحتفال لا يجوز وأنا اعتقد ذلك أيضا.
لوت مريم شفتيها بعد أن نظرت لسيف: ولكني اصدق أمي وأبي فهما قالا بأنه يجوز.
ابتسم سيف وابتسمت مريم وقالت له لنتسابق . هيا قالها سيف وركض قبلها.
وقفت مريم بعد أن وضعت يديها على خصرها غشاش .
نظر من خلف ظهره وهو يضحك واكمل.
بكت مريم وقعدت على الأرض توقف سيف ينظر وعاد إليها راكضا كما ذهب عنها وقلبه ينخلع من الخوف فهي مدللة أبويها ووحيدتهم ولا يرضيان بأن يغضبها أحد.
وما أن عاد إليها إلا وقامت وهي تضحك لقد خدعتك وانطلقت قبله.
لم يتوقف سيف بل انطلق ورائها.
همسة:
دوما الأطفال يرون أن أبويهم على حق وما أن يصلون إلى فترة المراهقة الا ويرون غير ذلك واننا دوما مخطئين.
وفي حال انفصالهما شرعيا أو نفسيا تبدأ الحيرة عند هؤلاء الأطفال الأبرياء فمن يصدقون وبمن يثقون ويثور البركان في مرحلة المراهقة ويحرق كل المجتمع المحيط بهم وربما يصل لكل المجتمع والدليل تلك التي أبطالها شباب وفتيات في سن المراهقة.

(2)
مرت الأيام وتلتها الشهور والسنين .. وبالتحديد في بداية الإجازة الدراسية للعام الذي أنهى كل من مريم وسيف مرحلتهم الإعدادية بتفوق مريم وحصولها على الترتيب الاول على مدرستها وبأداء مقبول لسيف مكنه من النجاح.
أريد أن أصبح وزيرة. قالتها مريم وهي تنظر إلى الأمام.
لم يجب سيف والذي جلس بقربها على كرسي في حديقة منزل أبو مريم.
وأنت يا سيف الكسول.
لم يجبها فلقد آلمته تلك الكلمة لهذا فضل الصمت.
هل غضبت من كلمتي؟
لا … إجابة مختصرة اكتفى بها سيف.
طال الصمت بينهما.أريد أن أدخل الجيش بعد إكمال فترة الدراسة الثانوية.
هذا مكانك وضحكت ضحكة هادئة لكنها مزقت نياط قلب قلب سيف لأنه شعر باستهزائها.
مريم لقد تغيرت جدا عما كنت صرتي لا تطاقين وأصبحت جارحه بأسلوبك فلا احترام لمشاعر الآخرين وقدراتهم عندك. قالها سيف وهو لا زال ينظر إلى الأمام.
لم تجبه مريم وظلت برهة من الوقت ومن ثم قامت.
إلى أين ؟
إني فتاة لا تطاق فماذا تريد بي ؟
لم أقصد ذلك!
سوف أذهب للنوم تصبح على خير اذهب إلى أمك وأبوك لعلهما يجدون لك حل لعقلك الذي أقفلته حماقاتك وسخافاتك.
صعق سيف من تلط الكلمات التي زلزلت كيانه.
لم يجبها وقام ورحل بعد أن رئاها تبتعد.
وصل للمنزل وغافل أهله لكي لايرونه ودخل غرفته وما أن أغلق بابها إلا وفتحت عيناه أبوابها بالدمعات الحارقة.
لماذا لماذا… ظل يكررها وهو يبكي واستلقى على سريره ورحل في نوم بعد أن تعبت روحه البكاء قبل أن تبكي عينيه.
همسه:
نصدم دوما بتلك الكلمات التي تدمرنا وتشتتنا وخاصة إن كانت من أناس نكن لهم في قلوبنا كل المحبة والود والذي يزيد قلوبنا ويثخنها بالجراح عندما نسأل عن السبب فيكون لا شيء إنما حالة نفسية يمرون بها لم يستطيعوا التحكم بها على أنفسنا فنذوق نحن تبعاتها بكل حسرة وألم.

(3)
مرت الأيام وتبعتها الشهور ومن ثم السنين وتخرج سيف من الثانوية العامة بمعدل مقبول ، أهله لدخول الكلية العسكرية للقوات المسلحة بمساعدة وساطات من ناحية أبوه ، وتخرجت مريم بمعدل عالي وضعها على أول قائمة أوائل المدينة ، والتحقت بكلية العلوم السياسية في جامعة المدينة .
افترقا لأنهما كبرا وصار من المحظور أنهما يلتقيان ، وسار كلن في طريقه يشق بسفينته بحار الحياة والتي بدورها أشغلتهم عن التفكير ببعضهما لفترات طويلة .
ومرت السنين وتخرج سيف من الكلية العسكرية برتبة ضابط . وتعرض بعد انتهاء الاحتفال بتخرجه في الكلية لحادث سير أقعده عن السير بعد أن خرج بصحبة صديقة وكان وقتها سيف يقود المركبة بسرعة جنونية ويستعرض أمام أصدقائه الآخرين والذين لحقوا به بمركباتهم يقودهم جميعاً الجنون والطيش والتهور
وانتهى مستقبله وتدمر حلمه وأحيل على التقاعد ولزم المنزل ، علمت مريم بما حدث لسيف ولكنها كانت وقتها في نهاية فترة دراستها الجامعية وكان كل ذلك الضغط عذراً لعدم زيارته أو إرسال له رسالة تواسيه بما أصابه واكتفت بقول كلمات لأمها حين أخبرتها بالخبر ( هو من أراد ذلك لنفسه فلقد حذرته كثيراً من تلك الأفعال الصبيانية الغبية ) . وقتها غضبت أمها من قولها ولكنها أخفت غضبها وكتمته في قلبها فلا زالت مريم طفلتها المدللة ووحيدتها وخاصة بعد طلاقها من ذو سنتين من أبوها بسبب خلافات لا منتهية وعدم انسجام كان يتضح وبشدة في الفترة الأخيرة التي سبقت انفصالهما ولم تستطع كل الجهود لإعادة المياه لمجاريها فلقد انفصل الطريق وكلن أراد السير في طريقه ولم يتنازل أي الطرفين للمرور في طريق الآخر لهذا قررا الطلاق وكلن سار في طريقه .
همسة :
ما أسرع وتيرة الحياة وما أبطئها ، فيها تمر أيامها وشهرها كلن يسابق الآخر ليصلا لخط النهاية ويكملا السنة القديمة ويبدأ سباق السنة الجديدة ، ونحن نسير ببطء ننظر يمنة ويسرة وننشغل بالقال والقيل والحياة تمر بنا والعمر يمضي ولا ندري إلا بالشيب يخط رأسنا وتجاعيد وجهنا تزداد وقتها نحاول كبح سباق السنين لكن لا أمل فلقد أفلتنا السباق من ذو البداية والالتحاق به سوف يكون مرهق ومتعب لهذا نرضى بالجلوس مكاننا ، ولكن القلة القليلة التي لا ترضى بأن تبقى في كهوفها تنطلق تلاحق ما قد فاتها وتلك فئة منتصرة وان لم تحرز شيئاً لأن المحاولة بحد ذاتها انتصار .

(4)
تخرجت مريم من الجامعة بتفوق وعملت في وزارة الخارجية في قسم الشؤون الخارجية للدولة ، وأمضت حياتها متنقلة من بلاد لبلاد إلى أن شارفت على دخول العقد الرابع .
وفي ذلك اليوم اتصلوا بها وهي في إحدى البلاد الغربية ليخبروها بأن أمها رحلت مودعة الدنيا . فاستقلت طائرة خاصة وعادت لبلادها والشوق !! .. لم يبقى هناك شوق فالشوق مات وخمدت نيرانه فكل ما بقي لها من الشوق هو رؤية جسد أمها في ثلاجة الموتى .
وصلت للبلاد وانطلقت بمركبتها الخاصة للمستشفى ثم إلى ثلاجة الموتى ورأت أمها ووجدت أخوات أمها من قبل ينتظرن وصولها لنقل أمها لمغسلة الموتى ومن ثم تسليمها للرجال ليصلوا عليها ومن ثم يقبرونها .
فتحت لها الثلاجة ونظرت إلى أمها ما أروعها فلا زالت جميلة ووجها يشع نوراً وتلك الابتسامة لا زالت تطرز شفتيها ، بكت كثيراً إلى أن دخلت خالتها واحتضنتها وحاولت تهدئتها ومن ثم نقلت أمها للمغسلة .
ومرت الأيام الثلاث للعزاء سريعة وظهرت مريم في اليوم الثالث بوجه يشع أملا وفرحاً وكانت مبتسمة طوال الوقت فلقد زرعت فيها أمها الصبر على ما قدره الله وحمده على كل أمور الحياة مرها وحلوها ، وأكثر ما كان يطمئنها وبدأت تذكره أن أمها كانت من المتعبدات لرب السموات الصابرات المتقيات العفيفات ، أمها والتي كانت كل ما تراها وهي قائمة تصلي أو تقرأ القرآن أو تستمع لمحاضرة دينية ، كانت تقية وتشع نوراً ، لا تذكر أحداً بسوء ولا تكره أحد ، ولقد أخذت كل ذلك منها كل ذلك ولقد علق كثير أنها لم ترث من أباها أي شيء بسبب طغيان طباع وصفات أمها عليها .
وبعد موت أمها بأسبوع استيقظت مريم من نومها عند أذان الفجر وقامت لتصلي ما فرضه الرب عزوجل عليها ومن ثم انطلقت بمركبتها الفاخرة باتجاه البحر ، إنه أول يوم إجازة سنوية لها في مسيرتها العملية ، فلقد طلبتها بعد انتهاء إجازتها الاضطرارية التي أعطيت لها لوفاة والدتها .
وصلت لشاطئ البحر وترجلت من مركبتها حافية القدمين تنظر لشروق شمس الخريف الباردة .
شعرت بالبرد فضمت يدها واحتضنت نفسها ، وسارت طويلاً على الشاطئ ولم تدري بنفسها أين هي ؟
رحلت في أحلامها في ذكرياتها في كل شي تتذكره ، تذكرت سيف للحظة ولكنها أبعدته سريعاً ، فكرت بأمها فبكت قليلاً ، وتذكرت أباها فثارت من داخلها غضباً عليه فهو لم يتصل بها أبدا ليعزيها في وفاة أمها أو على الأقل ليسأل عنها فلقد انقطع عنها من ذو سنوات طويلة .
ماذا بقي لها ؟ لا شي غير أرصدة أموال بالية ومباني جامدة وروح تتساقط ورقاتها مع إطلالة كل يوم وجسد نحيل مرهق وحياة بدأت إسدال ستائرها أمامها لتقول لها فيما بعد هذا مسرح الحياة ولقد أديتِ دوركِ كيف تردين وحانت النهاية والذي سيحكم في أدائك وينتقدك الجيل الذي يأتي من بعدكِ .
وهل الحياة إلا بيت سعيد دافئ وعائلة مترابطة متحابة ؟ تساءلت أثناء سيرها ، لكنها لم تجب على نفسها ، وأكملت المسير إلى أن أنهكها المسير ونظرت ناحية مركبتها إلا وهي بعيدة جداً ولا ترى إلا قبتها فقررت الجلوس لتتدفأ بأشعة الشمس والتي بدأت بإرسال أشعتها الدافئة نسبياً ، وجلست تضم كلتا ركبتيها ودست نصف وجهها في أحضانها .
همسة :
رائع أن تكون شمعة تضيء وطنك ولكن الأروع أن تحترق لنفسك في البدء ومن ثم تأتي الأولويات تباعاً ورائع أن تجتهد لرقي وطنك لكن الأروع أن تهدي وطنك عائلة مترابطة مثقفة متعلمة .
…………………………………. يتبع

مدونتي

الكاتب : خالد علي


تعليقات 3

  1. يعطيك العافيه يارب وبالتوفيق ان شالله قصتك في منتهى الروووعه من جد وانا استفدت منها حاليا اكتب واسعدنا ربي يسعدك دنيا واخره بحفظ الرحمن 🙂

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

همسات حب ‎(1)‎

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول