هل تعلمت لغتها ؟


/

دخل رجل ٌعلى أحد الخلفاء فقال : يا أمير المؤمنين أنا رجل لدي حرفة ومهارة أريد أن تطلع عليها .
قال : نعم تفضل .
فقام الرجل وأخرج كيـساً فيه إبر فغرز 100 إبـرة في الأرض ، ثم أمسك إبـرة في يـده ورمـاهـا في الإبرة الإولى فدخلت في ثُقْبِ الإبرة ، ثم رماها في الثانيــة فدخلت والثالثــة والرابعــة ، إلى أن أدخلها في جميع فتحات الإبر !
وعندما انتهى التفت الى الخليفة مبتسماً وهو يرتقب جائزته السَنِيَّـة .
فقال الخليفة : أعطوه 100 دينار لمهارته ، وأجلدوه 100 جلدة لأنه أضاع وقته وجهده في علم لا ينفع !

إنَّ الحرص على الأوقات ودفعها نحو الإتجاه السليم دليلاً على رجاحة العقل والشعور بقدر الذات ، ومما لاشك فيه أن تبديدها في ما لا طائل وراءه كتحصيل العلوم الغير نافعة يُعدُّ من الحرمان والخذلان ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله : ( من علم لا ينفع ) ، كما أنَّ تضييع العمر بلا هدف يُعدٌّ من السفه وقلة العقل ، وقد ظهرت في أعوامنا هذه مقولات باردة ، تثبط الهمم وتُشعر بالأسى على الحال التي وصلنا إليها كمقولة : قم بنا لنضيع الوقت هنا وهناك !




والوقتُ أولى ما عُنيتَ بحفظهِ … وأراه أهْوَن ما عليكَ يضيعُ

ألا يعلم صاحب هذه المقولة أنَّ هناك مَـن يعد الوقت الزائد في يومه ثروة لا تقارن بثروة ، فإذا كان الإنسان لديه استفاضة في الوقت وليس يمنعه في استثماره مانع فهو من أهل النعم الذين جاء الحديث بذكرهم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، الصحة والفراغ ) .

وقد أقسم الله تعالى بالعصر وهو الدهر ولا يقسم جل في علاه إلا بعظيم

ومما رويَ عن ابن مسعود رضيَ الله عنه قولــه : إني لأمقت الرجل أن أراه فارغاً ليس في شيء من أمر الدنيا ولا الآخرة .

وقال الحسن البصري : يا ابن آدم إنما أنت أيام إذا مضى يوم مضى بعضك .

وقال أيضاً : أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم .

وقال شوقي :
دقاتُ قلبِ المَرء قائلةٌ لهُ … إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثواني

وإذا تأملنا مدى حرص عقلاء الناس على أوقاتهم لرأينا عجباً ، فهذا ابن عقيل يختار أكل الكعك على أكل الخبز لما بينهما من تفاوت في المضغ ولا يستغرب على من مثله أن تكون محافظته على وقته الى هذا الحد ، فقد ذُكر أن أحد مصنفاته كتاب الفنون ويقع في 600 مجلد !!
هذا كتاب واحد فقط من كتبه وهو من الكتب التي أغرقها التتار في النهر عند سقوط بغداد .

ومما ذُكر عن ابن النفيس الطبيب أنه إذا أراد التصنيف توضع له أقلام مبرية ويدير وجهه الى الحائط ويأخذ في الكتابة إملاءً من خاطره فيصبح كأنه السيل إذا تدفق ، فإذا احتاج القلم الى بري رماه وتناول قلما من الأقلام المبرية وكتب ، كل هذا لئلا يضيع عليه الوقت في بري القلم !

فحريّ بالعاقل أن يتجنب ما يؤدي إلى تضييع سنين عمره بلا فائدة مرجوة ، والأسباب المؤدية لذلك كثيرة ومنها ما ذكره ابن الجوزي ( بتصرف يسير ) :

1 – طول الأمل : فالإنسان يعد نفسه بأنه سيعمل ، وقد قيل أن أكبر جنود إبليس 🙁 سوف ) .
فالمبادرة أصل قويم في حفظ الوقت واستثماره الإستثمار السليم .
2 – تعجل الراحة : أي قصر النفس وانعدام الصبر على مكاره التعب والجهد .
3 – اللهو مع الشباب : أي تضييع سنين الفتوة والشباب التي تعدُّ أفضل المراحل للحفظ والجِدِّ بتحصيل العلوم النافعة .

والناظر الى سِيَر من نقشوا أسمائهم على جدار التاريخ سيجد أنهم مِمَن شُغفوا بالمحافظة على أوقاتهم من الضياع وصرفوها الى ما فيه نفع سواء كان عاجلاً أم آجل ، وقاموا بوضع جدولاً لأهدافهم وتمسكوا فيه حق التمسك ، وتخيلوا الساعة سبيكة ذهب وضنوا بالتفريط فيها ، والساعة بل الدقيقة لايستقلها إلا أحمق جاهل فإن للدقيقة قيمة كبيرة ومؤثرة ففيها على سبيل المثال تُوقَد شرارة الحروب ، وفيها تُعزل الملوك ، وفيها تُنتَهز الفرص الخاطفة التي تغير من حياة الإنسان ، وفيها مكالمة مهمة فاصلة تُقضى ، وفيها قراءة صفحة من كتاب الله ، وفيها حفظ حديث أو مراجعته ، وفيها تسبيح وتحميد وتهليل ، وفيها وفيها وفيها … الخ .

فهؤلاء العقلاء تعلموا لغة الدقيقة وأنصتوا لحكمتها المأثورة : أنا لك مالم أمُر ، فقاموا بوضع كل دقيقة في مكانها المناسب على خريطة أعمارهم ، فجزء للعمل وجزء للنوم وجزء للمطالعة والتأمل وجزء لأداء العبادات وجزء للحقوق والواجبات الاجتماعية وجزء للفسحة واللهو المباح وهكذا .

جاء في كتاب ( إدارة الوقت ) من مطبوعـات كلية هارفـرد لإدارة الأعمــال :
( إن وضع جدول زمني محدد ومحاولتك الجادة للتمسك به هو سبيلك الأكثر فاعلية للوصول الى هدفك ) .

أجل فالجدول الزمني المحدد كفيل بتحقيق الأهداف التي قررت المضي للوصول إليها بعد توفيق الله تعالى ، فإنَّ هذا الجدول سيوفر عليك الوقت و يحفظه من التشتت والضياع وسيرسم لك صورة مستقرة في الذهن تتراءى لك مع كل خطوة في طريقك نحو طموحك .

أخيراً يجب أن نعلم أنَّ هذا هو ديدن النخبة العِظام من الأعلام في مختلف الملل والنحل والأوطان والأزمان ، وقليلٌ ماهم !


كتبه / طلال المناور
رحم الله من ذكر المصدر عند النقل
مدونة الأريكة


تعليقات 5

  1. بارك الله فيــك .. كلام رائع جدآ وبإذن سأطبق جدول المحافظه على الوقت ..

  2. بارك الله فيك وفي عمرك أحسنت وأوجزت الله ينفع بك الاسلام والمسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هل تعلمت لغتها ؟

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول