من لا حيلة له – قصة قصيرة


قصة قصيرة
( من لا حيلة له )
بقلم: عبدالعزيز الحشاش – الكويت
 
جاسم رجل مهووس بالخيانة حتى النخاع ..
حين تزوج من مريم اعتقد بأنه سيكف عن مغامراته وولعه بالسهرات الحمراء ومصاحبة النساء، ولكن على ما يبدو أنه لم ولن يستطيع التوقف عن ممارسة لذته في خيانة زوجته. فهو لم يستطع أبدا أن يفسر سر النشوة التي تعتريه حين يجلس مع امرأة و هو يعلم تمام المعرفة بأنه ملك لامرأة أخرى .. اسمها مريم.
لطالما برر تصرفاته الصبيانية ومغامراته العاطفية العابرة، رغم الشيب المتسلل لليل شعره الأسود، بأن مريم تحولت من تلك الفتاة الرائعة الأنيقة التي افتتن بها حتى تحدى الجميع ليفوز بها وتصبح أم أولاده .. إلى امرأة كويتية تقليدية ربة بيت لا تهتم بنفسها، ورائحتها بصل و طبخ، و ثيابها ملطخة دائما إما بقيء الأطفال أو بقايا مساحيق غسيل الثياب من كثرة وقوفها أمام الغسالة.
ولكن ما لا يعرفه جاسم بأن مريم هي أكثر امرأة في حياته تحفظ تحركاته، وتتذكر كم مرة خانها، وكم مرة سهر في حديقة البيت، حتى ارتسمت على السماء خيوط الفجر الأولى، وهو يهدر فاتورة تلفونه مع غيرها. ولكنها كانت تتهرب من مواجهته. أقسى ما كان على مريم هو أن تقف بوجه جاسم وتقول له : إنني أعلم بأمر خيانتك لي .
واستنفذت مريم كل الحيل معه، فتارة تلجأ لبيت أهلها غاضبة متحججة بأن جاسم ينام كثيرا خارج البيت ولا يلتفت لأطفاله وبيته، وتارة تتظاهر بالمرض حتى تستعطفه فيضطر للبقاء في البيت وتأجيل موعده أو سهرته لليوم الآخر، وتارة أخرى تتحجج بأن هناك لص حاول اقتحام البيت في آخر مرة سهر فيها عند أصدقائه وأنها تخاف أن تنام وحدها في البيت دون رجل يحيمها هي و أطفالها.
وكلما حاولت مريم ردع جاسم بكل الوسائل عن الاستمرار في خيانتها، كلما زاد جاسم في خياناته وكأن كل ما تقوم به مريم ما هو إلا وقود ليستمر في عبثه مع غيرها من النساء.
وفي يوم كان جاسم يسبح في حمام بيته، وبالصدفة المحضة رن هاتفه النقال أثناء دخول مريم الغرفة .. حملت التلفون .. نظرت في شاشته .. دققت في الرقم .. رقم غريب .. استغربت كيف أنه لم يخزن هذه المرة اسم نزوته الجديدة بأسمائه المعتادة مثل ( أبو علي ) ( أبو خالد ) أو ( أبو كرشه ) ..! فهو فنان في تأليف الأسماء حتى لا يترك مجال للشبهة فتكتشف زوجته بأن نصف الأسماء المخزنة في جهازه هي بالأصل لصديقاته.
تجاهلت مريم التلفون .. ولكن ظل يرن حتى خرج جاسم من حمامه البارد، رد وقبل أن يدخل في تفاصيل مع المتحدث رمقها بنظرة حتى تتركه لوحده .. وتركته. وقفت مريم وراء الباب .. لم تستطع أذنها أن تلتقط الكثير من محادثته المهمة هذه سوى آخر جملة : سألقاك في مكاننا المعتاد حبيبتي ..!
حبيبتي !.. هذه أول مرة يقولها لامرأة غيرها، كيف؟ ومتى؟ وأين التقى بها هذه التي توجت حبيبة على عرش قلبه ؟ على علمها كل النساء السابقات ما هن سوى نزوات عابرة في حياته، جسر يعبر منه إلى نشوته في الشعور بالخيانة .. والرجولة.
واجهته .. صرخت .. صرخ .. بكت .. أشاح بوجهه عنها .. هددها .. فهددته .. صفعها !
لم تشعر مريم سوى بأوصالها تتجمد، وأطرافها ترتعش، وقلبها ينفطر لنصفين .. أنا حبه الأول .. أم عياله .. يضربني !
أعدت مريم المعسكر .. وجلست مع صديقتها المقربة تخططان كيف ستواجه جاسم أخيرا بخيانته، وكيف تعطيه درس بأن الزوجة الأولى أحلى .. حتى لو كانت وحله !
وبما أن من لا حيلة له فليحتال .. فقد قررت مريم أن تعمل بمبدأ صادق عدوك .
عبثت مريم بتلفون جاسم، أخرجت الرقم الغريب الذي بدون اسم، وبمساعدة الصديقة استطاعت أن تعرف من هي صاحبة الرقم .. وعنوانها .. وعنوان عملها. وذهبت إلى مقر عملها، تعرفت عليها على أساس أنها مراجعة ولديها معاملة، دردشت معها، ضحكتا، قالت لها:
– اسمي مريم
ردت هي :
– اسمي نجاة
أكثر ما كان يغيض مريم ويقطع قلبها أوصالا من الداخل ليس أنها تجلس وجها لوجه مع امرأة تخونها مع زوجها واستحقت لقلب ( حبيبتي)، ولكن ما كان يقتلها هو مدى قبح هذه المرأة .. نجاة.
كانت نجاة من النساء اللاتي يحضرن لعملهن من دون مساحيق تجميل، أو حتى رتوش خفيفة تخفي بعض عيوب الوجه، ووجه نجاة كان مليء بالعيوب .. ولأن مريم تتمتع بجمال رباني .. فقد آلمها بأن التي تجلس أمامها هي بذاتها .. حبيبة زوجها الجديدة. ولكن على ما يبدو أن جاسم انخدع في حبه الجديد
أخذت مريم تراقب جاسم، وبخطة مرسومة دقيقة استطاعت أن تكتشف المقهى الذي يتقابل فيه مع نجاة، فرأت وجه نجاة الثاني الذي يخبئ وجهها القبيح تحت أطنان من المكياج . وفي يوم من الأيام قامت مريم بدعوة نجاة على فنجاة قهوة في حديقة بيتها. حضرت نجاة، جلستا، وبعد السلام وقليل من الكلام .. استأذنت مريم منها لتدخل للبيت فتأتي لها بالقهوة وبعض المكسرات .. دخلت مريم، رفعت سماعة التلفون واتصلت في جاسم :
– ألو .. لماذا تأخرت؟ هيا بسرعة .. الولد يصيح من الألم يجب أن نأخذه للمستشفى .
رد هو بخوف ولهفة :
– لن أتأخر .. عدي للخمسة تجدينني عند باب البيت
عدت مريم في قلبها وهي تغمض عينيها .. واحد .. اثنان .. ثلاثة .. اربعة .. خمسة .. فتحت عينيها وهي تطل من وراء سور حوش البيت .. وجدت جاسم يقف بسيارته أمام حديقة البيت .. نزل من السيارة .. وقبل أن يتقدم خطواتان للأمام .. فتحت صنبور مرشات الماء في الحديقة .. غرقت نجاة بالماء .. سال المكياج من على وجهها .. ظهر وجهها القبيح الآخر .. ذهل جاسم .. وقف ينظر لها باشمئزاز .. خرجت مريم من حوش البيت وهي تبتسم له منتصرة :
– أخيرا عدت يا حبيبي .. !
– تمت –


تعليقات 1

  1. اليوم روقت وجلست اقرأ القصه بهدوووء وتمعن.. وانتهيت بأنه قلمك مبدددع حتى النخاع وتستطيع ان تختصر مافي العقول وتعبر في اقل السطور بعضاا من كبار الامور والتي لو اردنا ان نكتب عنها لأخذت منا مائة السطور… بالتوفيق اخوي عبد العزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من لا حيلة له – قصة قصيرة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول