مقال: بين الحب والغضب


 

 كان الأب مزهواً بسيارته الجديدة , فارهة الشكل , غالية الثمن , كانت حلماً من أحلامه وهاهو يتحقق بعد جهد وصبر وكفاح .

في اليوم الاول التي حلت فيه هذه السيارة ضيفة مهمة على منزله , وبينما كانت العائلة مجتمعة حول السيارة وتبارك للأب وترنوا في سعادة غامرة لا يعدلها سعادة , كان أصغر ابنائه يمارس طفولته الحالمة وشقاوته الفطرية حيث بدأ يكتب على السيارة من جهتها الخلفية في تصرف بريء لا يخلو من التلقائية وحب التجربة , لكن المشهد انقلب رأساً على عقب فوقعت عين الأب على عين الطفل وفار عضباً إزاء هذا المشهد الذي لم يصدقه للوهلة الأولى وانفجر خلال لحظات وقام بكل اندفاع وضرب فلذة كبده بعنف لا يعدله عنف على يده التي كتب بها وعنفه قائلاً : كيف تفعل ذلك بسيارتي الجديدة , لكن الخطاب كان خطاب الكبار المنطقي لطفل بسيط , برئ , غض لا يفرق بين لعبة بعشرة ريالات وسيارة بمائة الف !!

كان وقع ضربه على يديه صادماً للطفل ولجميع العائلة , وفعلاً اسرع الأب بإبنه إلى المستشفى بعد أن لم يستطع الابن تحرك يده المضروبة , فلقد كان الضرب مُبرحاً حيث أثر على أعصاب اليد وهذا جعل الأمر يتعقد أكثر !!

كانت اجواء السيارة مشحونة ومتضاربة بين الخوف والحُزن , بين الشفقة والندم .

صمت طويل وتأمل وحيرة , يقطع ذلك السكون سؤال الابن لأبيه : هل سوف أحرك يدي مرة أخرى يا بابا ؟؟

 فبكى الأب بحُرقة وبينما هم في المستشفى والأطباء منهمكون في إسعاف الإبن

خرج الأب لينظر إلى السيارة التي ضرب إبنه الحبيب لأجلها ويتأمل الموقف , وبينما هو يمشي امام السيارة وقعت عينه على مكان كتابة ابنه وإذا به قد كتب على السيارة

” أحبك يا بابا ” !!

 فانفجر الأب من البكاء  وامتلئة روحه ندماً وتساءل كيف جعلت من هذه الطاقة السلبية

المتمثلة بالغضب تعبث بي بهذه الطريقة حتى تحولت خلال لحظة إلى كائن همجي

لا عقل له ولا قلب !!

 عاد الأب إلى داخل المستشفى على عجل وبدأ يرجو الأطباء بأن يعملوا ما بوسعهم لإنقاذ طفله واستعادته للحركة من جديد لتلك اليد الطاهرة البريئة وكان لطف الله كبير بأن تمكن الاطباء بعد رحلة علاج طويله من علاج الحالة واستعادة اليد للحركة , وبينما الطفل في آخر يوم له في المستشفى حيث كتب له الطبيب  الخروج بعد شفائه تساءل الطفل ببساطة الاطفال الجميلة :

بابا لو اردت أن تكتب كلمة بجانب كلمتي على سيارتك فماذا تكتب ؟

 فقال  وهو يبتسم سوف أكتب :  وأنا أحُبك يابٌني ..

 الغضب ليس إلا سارقاً لتلك الأجواء الجميلة أو العلاقات الصادقة أو لحظاتنا الرائع

وفي النهاية يخيم الندم والحسرات بسبب كلمة مشينة أو فعل أحمق أو قرار عنجهي مُدمر .

 

ومن أجل ادارة ناضجة وحكيمة لانفعالاتنا وظواهر الغضب والتوتر فلا بد من معرفة أن  الانفعالات تمر بخمس مراحل مهمة إذا ادركناها استطعنا توجيهها وإدارتها بشكل جيد

وهي :

اداراك الموقف

تقدير الموقف ( سلبي أم ايجابي ) .

الانفعالات : اذا كان التقدير ايجابي كان الانفعال ايجابي والعكس .

التعبير : وهي بداية التحولات على ظاهر وباطن الانسان بعد الانفعال .

العمل  :وهي بمثابة تحرك الانسان مثل الهجوم أو لا قدر الله الضرب أو الضحك أو السرور .

بينما تمر عملية الغضب بخمس مراحل علينا أن ندركها ونوجهها بشكل صحيح

 

حيث نسيطر عليها ولا تسيطر علينا وهي :

حصول المؤثر ثم بداية الغضب ثم اشتداد الغضب ثم الانفجار سواء بالكلام او بالفعل ثم التشويش وهي حالة استعادة التوازن تدريجياً يعقبها الندم .

كلما  استطعنا ادارة انفعالاتنا وغضبنا بشكل ايجابي ورشيد كلما كانت حياتنا أجمل وخسائرنا أقل وواقعنا يسير الى استقرار وتنمية وسعادة والعكس صحيح حيث يعيش الانسان كثير الغضب واقعاً صحياً خطير و ربما عاش مأزُماً ومتدهوراً حيث يستهلك موارد الداخلية بكثرة الغضب  والانفعالات السلبية بالإضافة إلى التأثير السلبي والخطير لعلاقاتنا واعمالنا ونظرة الناس لنا وواقعنا الاسري والاجتماعي والشخصي .

وهذا يجعل قضية إدارة الغضب وترشيد الانفعالات أمراً مهماً لحياة أفضل وقد تيسرت .

الفرص لخلق هذا التغيير والتطوير من خلال بعض البرامج التدريبية الاحترافية التي تحقق تحولاً ملموساً على الانسان الغضوب او سريع الانفعال بالإضافة الى القراءة والاطلاع والاستشارة في هذه العلوم وتعميق الادراك والفهم والمعرفة فيها وتطبيق هذه القيم على ارض الواقع بشكل جاد ولا بأس ان يكون تدريجي فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ) .

وهذه العادات الجديدة يتم اكتسابها من خلال المجاهدة والتكرار والاستعانة بالله وبكل من حولنا ممن يحبون لنا الخير والحياة السعيدة والمتوازنة .

وهنا أشير إلى أن الغضب اذا حصل لابد من تفريغه بعدة وسائل منها الفضفضة او اخراج المشاعر السلبية من خلال التفكير بصوت مسموع او على ورق ولا ننسى أهمية الوضوء في اطفاء الغضب ومغادرة المكان الذي حصل فيه الاستثارة الى ان اهدء ثم اعود بعد ذلك ولا ننسى اطرح الموضوع الذي اغضبني على الشخص المسبب لهذا الغضب واطرح وجهة نظري بوضوح ومباشرة لكن بأسلوب متوازن وحكيم وعاقل ولبق وهذا سوف يجعل الطاقة السلبية تخرج مني لكن بلا احمرار للوجه او احتراق للأكسجين في الخلايا أو تسارع لضربات القلب أو ضرر صحي او نفسي أو حتى اداري او اجتماعي أو صدور كلمات اندم عليها أو مواقف سلبية متهورة سوف تسبب لي خسارة هنا أو هناك يتبعها بكل تأكيد الندم .

أحبتي .. حياتكم أجمل بالحُب وهي أجمل كذلك بلا غضب .

 محبرة الحكيم

لا تستطيع التحكم بمرسلات الناس لكنك تستطيع أن تتحكم بمستقبلاتك أنت.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقال: بين الحب والغضب

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول