مقال: القفل الذي لايرد سائلا


القفل الأسود

أول مالفت انتباهي في البيت الجديد الذي كنت أدخله هو ذاك القفل الأسود الضخم ذو المظهر الأنيق .. من منظره تُحس بالأمان .. يمسك ضفتي الباب بقوة وثقة .. انتبه المؤجر إلى نظراتي فابتسم وقال بفخر : ( كفاية القفل ده .. دا ميزة في البيت مش في غيره .. قوي .. وتقدر تفتحه وإنت في الصالة بدون ماتنزل ) . كتبنا العقد وانتقلت للسكن فيه أنا ومجموعة من الصحب .. كان كل واحد منهم ساعة يتأمل القفل يبتسم ويطلق عبارة إعجاب ومدح .. حتى أن أحدهم تكلم مازحاً عن وجوب قراءة الأوراد صباح مساء عليه خوف أن نُحسد على هذا القفل المميز ..
وأجمعوا كلهم على رفضهم تغييره برغم علمهم بكونه قد اٌستعمل سابقاً .. مرت الأيام سريعة وقفلنا الهمام صامد في وجه أي متسلل .. حتى جاء يوم كنت فيه مستعجلاً للدخول .. أدخلت مفتاحي وولجت إلى المنزل .. توقفت وقد انتبهت لشيء .. استعملت مفتاحاً خاطئاً فكيف فُتح الباب ..؟!
عدت إلى الباب من جديد واكتشفت أن قُفلنا الهمام لايرد أي مفتاح .. جربت كل المفاتيح التي أمتلكها .. وكلها كان يبتسم لها ويفتح الباب لأجلها ..!!
فيما بعد أقمنا سرادق عزاء لقفلنا ( الذي لايرد سائلاً ) …
حينما أُتذكر ذاك القفل ، أُفكر أن صنيعه ذاك شبيه بمن يجعل عقله ( سبيلاً ) لمن أراد .. دونما تمحيص أو تدقيق ..
إذ يكفي أن يعرفك ليسلمك كامل دفة القيادة ، يزرع في عقله ما تشاءُ ( أنت ) من أفكار .. بينما يقتلع أفكاره التي تُعارض أفكارك .. كأنما هي أعشاب ضارة .. ويترك لأفكارك أن تُزهر وتنمو ..
حتى تتخلى أنت عنه .. فيجد بُستانياً آخر يزرع فيه مايشاء .. تراه تارة هنا .. وأخرى هناك .. أفكاره تتغير كل يوم مرة أو اثنتين ..
لاشك أن الإنسان يتطور ويُغير من أفكاره بشكل معتدل .. إذ أن الفرد ذو الأفكار الثابتة طوال سنين عمره ( أتحدث عن غير المبادىء الأساسية ) .. يحتمل أحد شخصين .. إما نبي يوحى إليه .. أو شخص جامد لايسعى أبداً إلى تطوير فكره .. بل ارتضى بزاوية معينة قد تجاوزها كل أقرانه ..
تغيير الأفكار يحتاج من الشخص تفكيراً ودراسة .. إذ ليس مجرد نقاش بسيط يكفي لقلب فكرتك رأساً على عقب ..
كما أن أكبر خطأ يقع فيه الشخص .. محاولته الانتقام ممن ( سلم لهم هو ) عقله ( بكامل إرادته ) وذاك بتبنيه لأقصى الشمال .. فقط ليثبت لنفسه ولهم أنه قد تخلص من سيطرتهم عليه .. ناسياً أنه نجى من هنا وسلم عقله هناك ..
فتراه يبحث عن أي فكرة ويُقنع بها نفسه ( رغماً عنها ) .. ليشعر بنشوة الانتصار ..
مثله ذاك الذي يتبنى آراء معينة .. فقط لأني أريد أن أصبح ( كُولاً ) أو شخصاً يرمز له ( بالثقافة ) .. دونما عمق تفكير وتأمل في ما أقوله قبلما أنطقه ..
أخيراً .. ما أجمل أن نضع ( فلتراً ) على تلك الأفكار التي نسمعها كل يوم .. ليس من العقل أن نترك سماع كل شيء .. كما أنه من ضعف العقل أخذنا لكل ما يصلنا من أفكار ..
أن نسمعها .. نحللها .. نناقشها .. ثم نقرر أتناسبنا أم لا ..
ذاك هو الأفضل ..

بقلم : جابر بن عبدالعزيز المقبل

موقعي تويتر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقال: القفل الذي لايرد سائلا

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول