كيف تختار علاقاتك


إن الله خلق الإنسان وأمده بالقدرة على وضع خيارات لأجل الوصول إلى حاجاته سواء المادية أو المعنوية ، ومن الحاجات المعنوية خياراته في إشباع الحاجة للصداقة ، وكما يقال الإنسان مدني بطبعه يألف ويؤلف ، إلا أن هذه المدنية ، وهذه الرغبة في الاجتماع والأنس لا بد من إخضاعها لضوابط تضبطها لئلا تنحرف عن الهدف المنشود ، وأقول الهدف ، إذ إنه ومن خلال تحديد الهدف توضع الضوابط ، ما هو هدفي من التعرف على هذا الشخص ؟ وما هو المستوى الذي ستصل إليه العلاقة بيننا ؟ ولا ك أن أعظم ضابط في علاقة المسلم بغيره هو الحب والكره في الله ، بالإضافة إلى حب الخير لجميع البشر ، ثم تأتي بقية الضوابط تباعاً لها . هل العلاقة مع زميل العمل ستتوقف عند حدود أسوار المكان ، أم ستخرج إلى أبعد من ذلك ، هل هذا الشخص هو الصديق الصدوق أم هو المؤانس اللطيف ، أم هو الحكيم المستشار ، وهكذا .
عندما نستطيع وبكل وضوح تحديد نوعية العلاقة ومستواها نستطيع أن نتعامل مع الأشخاص على ضوء هذه الضوابط ، وبالتالي نتجنب اللحظات التي نندم فيها على التفريط لعلاقتنا مع هذا الشخص أو الندم على معرفته ،والوصول معه إلى مستويات تكلفنا الكثير . كم من صديق فجع بصديقه ، وكم من محب ندم على فراق حبيبه ، وجله وليس كله بسبب سلوكنا في التعامل مع الآخرين .
إن تحديد نوعية العلاقة مع الآخرين هي التي ترسم لنا خطوط تعاملنا معهم ، فكم من علاقة استنزفت مشاعرنا وأعصابنا وعقولنا ، وكم من علاقة زرعتنا في حدائق الأمل والحب رغم جذورنا المحترقة بنار الواقع .
إن ما نراه في مواقع الانترنت من طلب الصداقات المختبئة وراء أستار البعد وأقنعة العقول والقلوب ليس عنا ببعيد للهروب مما يُدفع ثمناً لألام الندم وأوجاع وعذابات الحسرة ( وأسباب أخرى ليس هذا مجال الحديث عنها ) .
وأنظر إلى الذين حددوا علاقاتهم مع الآخرين ، يوسف عليه السلام مع اللذين سجنا معه ( يا صاحبي السجن ) علاقة مؤقتة في السجن فقط ، ثم حدد علاقته بالملك ( اجعلني على خزائن الأرض ) علاقة دائمة ومرتبطة . موسى عليه الصلاة والسلام وعلاقته بالرجل من قومه ( …إنك لغوي مبين ) القصص 18. انظر إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتحديد علاقته مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه : (إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَّا خُلَّةَ الْإِسْلَامِ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ ) صحيح البخاري .
يقول الشافعي رحمه الله تعالى ، في تحديد نوع من العلاقة :
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه ولا كل من صافيته لك قد صفا
ويقول الشاعر النبطي ( وتنسب لنمر بن عدوان ) :
بعدك عن اللي ما يودك جلا هم ****وصبرك على زلة رفيقك عبادة

عندما تبتعد عمن يكرهك إلا لمن أمر الله ورسوله بصلتهم فأنت تبعد نفسك عن الهم ، وعندما تصبر على أخطاء رفاقك فأنت تتقرب إلى الله .
أخيرا أنا لا أدعو أن نكون متوجسين مرتابين من كل علاقة ، ولكن لنتحلى بالتلقائية المقرونة بشيء من التأني والتمهل في تكوين علاقاتنا ، كما جاء في سنن الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أحب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما ) .

محمد السليس .


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


تعليقات 4

  1. السلام عليكم ورحمة الله من أروع ما قرآت في العلاقات ، وإستدلال بالقرآن والسنه النبويه أضاف للموضوع رونق ، وجزاك اللـه كـل خير .. :>:> إقتراح أضف لمواضيعك في المستقبل إن شاء الله ، تنسيق وترتيب في النقاط ستزيد إبداعك إبداع :>:> أشكرك مرة أخرى ، ووفقك الله إن شاء الله .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كيف تختار علاقاتك

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول