كلنا عبدالله


السفر من التجارب المثيرة في حياتنا … والتي نستقي من مواقفها الكثير من الفوائد والعبر … والتي تكون لنا زاداً نتزود به في رحلتنا التي من أجلها وُجدنا على سطح هذه المعمورة … جنباً إلى جنب مع هدف الرحلة الأساسي … أكان ذلك نهلاً لعلوم … أو طلباً لرزق … أو فترةً لنقاهه … أو حتى إكتساباً لثقافات مختلفة … و من أجمل مافي السفر و الترحال أنها تبين لك معادن الرجال … وصفات من ترافق … و أخلاق رفقاء الرحلة … حتى أن أجدادنا و أبائنا أنشأونا على أنه إن أردت أن تحكم على الرجل فرافقه في سفر … وكما يقول الشافعي – رحمه الله – في السفر:

تغرب عن الأوطان في طلب العلى ………. وسافر ففي الأسفار خمس فوائدٍ
تفــــرجُ هـــــــمٍ واكتسـاب معيشــةٍ ………. وعلـــم و آداب وصحــبة ماجــدِ

قابلت في فترة تواجدي خارج المملكة الكثير من الشباب الذين سُعدت بلقائهم و التعرف عليهم … فكانت أٌخوتهم شرفاً حظيت به … و صداقتهم وساماً على صدري … فكثير من الذكريات التي بقيت عالقة في ذهني … لا تحمل في طياتها سوى صورهم … ومن المواقف سوى مواقفهم … ومن البهجة سوى إبتساماتهم … تعلمنا منهم وعلمنا … عاونونا و أعنّا … إن فرقتنا الحياة يوماً … فليعلموا أن لهم في القلب مكان … و إن أبعدتنا المسافات يوماً … فليعلموا أن ألسنتنا تلهج بالدعاء لهم …

من الشباب الذين كانت لهم عليّ بصمات … عبدالله … هو أحد الشباب المبتعثين … والذي ينتسب إلى نفس الجهة التي أُبتعثت منها … وهو الذي وطأت أقدامه الأرض البريطانية في سيبتمبر للعام 2009 … يدرك كلّ من يقابل عبدالله … أنه من الشباب الذين يُتوسم فيهم الخير و الحرص عليه … و تحليه بالأخلاق النبيلة … والطموح العالي … والرغبة في تعلم المفيد والجديد … والواقعية في التفكير … بالإضافة إلى إبتسامته المشرقه التي لا تغادر محياه … فكان بحق مثال يحتذى به لشبابنا المبتعثين في الخارج …

مر عام تقريباً على عبدالله منذ أن وطأت أقدامه أرض الإمبراطورية … و للأسف … بدأت تتدهور صحة عبدالله شيئاً فشيئاً … وكان الكل يتوقع ذلك أمراً طبيعياً في ظل البرد القارس … والجو المختلف جذرياً عن الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية … مكان ما يقطن عبدالله … حتى أتى ذلك اليوم … والذي اشتدت فيه الأزمة على عبدالله و أحتاج أن ينتقل حينها إلى المستشفى … لتظهر نتيجة الكشف و التحاليل كالصاعقة على عبدالله ومحبيه … وهي أنه مصاب بسرطان في الدم (اللوكيميا) …

تجلد عبدالله من هول المصيبة … وكان صابراً على ذلك … محتسباً الأجر عند الله عزوجل … وأن ما أصابه لم يكن ليخطأه و ما أخطأه لم يكن ليصيبه … و كان يدرك أن ما كتبه الله له ففيه الخير … فالله لا يحب إلّا الخير لعبده … ولم يكن يأرق عبدالله إلّا والديه … وكيف سيصل الخبر إليهما … وكيف سيستقبلون هذا الخبر !!! إلا أن الله يسر الأمور … و بدأت عملية العلاج … والتي ما زال عبدالله … يقبع تحت تأثيرها إلى الآن … كان يغشى وجوهنا الإحراج لتقصيرنا معه إلّا أنه كان يوجد لنا الأعذار دائماّ … يحب عبدالله مانحب أن نناقش من مواضيع … فكان هو من يفتح باب الحوار … فيبدأ حوار و نقاش رائع لا ينتهي إلا وهو قد غط في سبات عميق … كان لا يعرفنا على بعض من حوله إلّا أننا كأخوه له …

كان الجميع يؤدي دوراً ما من شأنه أن يخفف من معاناة عبدالله … مستشعرين أن ذلك واجب علينا جميعاً … فنحن كالجسد الواحد … متى ما اشتكى عضو فيه تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى … فهذا يقضي الليلة بائتاً معه في الغرفة … وذاك ينسق مع الجامعة … وعائلة سعودية تعد وجبه تعيد عبق الوطن إلى غرفة عبدالله … وأخر مسؤول عن قضية المواصلات … وهناك رابع … وخامس … وسادس … كانت غرفته محط أنظار الممرضين … و المرضى في الغرف المجاورة … إذ … ماهذه الُلحمة التي تتجسد هنا !!! وماهذه المبادئ التي يعيش عليها هؤلاء الفتيه !!! و هل عبدالله صاحب منصب أو جاه لتكتظ غرفته بكل هؤلاء الزوار !!!

كان الشباب على مختلف مشاربهم المناطقية … المذهبية … القبلية … أو الفكرية … يحاولون المساهمة بكل ما من شأنه التخفيف عن عبدالله ولو باليسير … و لسان حالهم يقول كلنا عبدالله … وهم يضربون أروع الأمثلة في الُلحمة الدينية و الوطنية … وقتها … أدركت أن البشر متى ما كان لهم نفس الهدف فإن الوحدة هي التي تسود … وتنبذ حينها الفرقة و الفتنة … و أن المصير متى ما كان مشترك فإن الميول تتلاشى … ويبقى التركيز على التفكير في كيفية إيجاد مستقبل مشرق يضم الجميع … و أن الترابط متى ما كان محكماً … فلتذهب حينها … المذهبية … والمناطقية … والقبلية … و الفكرية … بلا عودة !!!

علمتني يا عبدالله … التفاؤل و الثقة بفرج الله و إن طال … و أن الحياة لا بد أن نفهمها كمبدأ و نعيشها كمراحل … علمتني يا عبدالله … أن الإبتسامة هي البلسم الشافي … وهي الباب الذي نكسر من خلاله اليأس … وهي التي من خلالها أستطيع أن أعكس سعادتي على من حولي … علمتني يا عبدالله … أن بعد الليل المظلم وإن طال …يأتي النور معلناً نهاية الكرب … وبداية يوم جديد … علمتني يا عبدالله أن بعد العسر يسر … و بعد الضيق فرج … وبعد الجوع شبع … وبعد الضمأ ري … وبعد المرض عافية … علمتنا يا عبدالله … أننا بالوحدة قادرين على أن نحقق أهدافنا … و بها فقط نبني مستقبلاً مشرقاً لنا و لأبنائنا … متى ما كنّا جميعاً عبدالله …

اعلم يا عبدالله … أننا جميعاً بإنتظارك … والديك … إخوانك وأخواتك … أقاربك … أصدقاءك … زملاءك … مجتمعك … الوطن برمته … من شرقه لغربه … ومن شماله لجنوبه … كله بإنتظارك … فاشدد الهمة … وأعلم أن ما مضى كثير … ولم يبق إلا القليل … أكمل المسير … فنحن بإنتظارك

هناك الكثير يا سادة ممن يعانون مثل عبدالله … يعيشون حولنا … يتجرعون آلام هذا الداء … بأيادينا و بتكاتفنا فقط … نستطيع أن نصنع مستقبلاً مشرقاً لهم … بدعمنا للجمعيات الأهلية التي تعنى بتثقيفنا بهذا الداء … و مساعدة الآلاف الذين لا يملكون قيمة الدواء … وببناء المستشفيات التي تكون عوناً بعد الله في شفائهم … اللهم ياذا الجلال و الإكرام … اشف من مرضانا هذا الداء … لا شفاء إلّا شفاؤك … اشفهم شفاءاً لا سقم بعده … إننا يارب متى ما قدم العبيد في طلب الحاجة منّا استحينا أن نردهم خائبين … فكيف بك يالله !!!وأمرك بين الكاف و النون !!! و ربّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره …


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلنا عبدالله

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول