كتاب كل أسبوع؛ اليد واللسان ، القراءة والأمية ورأسمالية الثقافة


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اليد واللسان

اليد واللسان ، مجموعة مقالات للدكتور/ عبدالله الغذامي حول القراءة والأمية ورأسمالية الثقافة

دار النشر: المركز الثقافي العربي

**

نحن نشهد عصر الإنترنت وكيف يجري سلخ أي إنسان يتجرأ على قول غير متفق عليه، أي أنك بين حدي سكين أحدهما سلطوية رسمية والثانية سلطوية شعبوية وفئوية وأنت واقع في إحدى السلطتين غالباً، ومن ذلك التخوين والتكفير والتسفيه، ولكل واحد من هذه الثلاثة صيغته وسماته ونظامه اللفظي والسلوكي.

**

ظل اللسان في زمن الشفاهية هو مصدر الخطر وهو الخط الأحمر، ثم جاءت ثقافة الكتابة لتجعل اليد هي القيمة الثقافية المشاغبة واليوم جاءت الآلة الجديدة التي هي (لوحة المفاتيح) لتكون إضافة أخرى للآلتين التقليديتين، اليد واللسان، وفي هذه الأدوات تكمن الألاعيب كلها، لعبة التغالب والتكالب.

**

هل نحن حقاً أمة لا تقرأ..؟!
سبق أن أعلنت مراراً ترددي عن قبول الدعوى الشائعة التي تقول إن العرب لا يقرأون..

**

ما القراءة (والأذن تقرأ)؟ يجب هنا ألا نغفل أن مانسميه بالقراءة هو مجرد وسيلة إرسال واستقبال، والكلمة المكتوبة على الورق هي تصوير للمنطوق، وهي صورة تحول الكلمة من صوت مسموع إلى رسم منقوش، وهذا تغيير في صيغة الإرسال.

**

أن القراءة هنا ليست سوى وسيلة إرسال واستقبال، وأي وسيلة في الدنيا لا تكون غاية في ذاتها، وسيحل غيرها محلها لأداء المهمة.. وهذا ما جعل المعري وطه حسين ومن قبلهما امرؤ القيس يملكون ثقافة راقية مع فقدانهم لوسيلة القراءة وعدم تمكنهم منها.

**

لن نجد صعوبة في أن نقول: إن الأذن تقرأ في حالة رجل مثل طه حسين، وفي حالة أمة كاملة سلف بعض منها ويعيش من حولنا خلق كثير لما يزل كذلك، ومثله من يقرأ عبر الصورة حيث تكون الصورة كتاباً وقد نراها أهم وأخطر من الكتاب.

**

ما المقروء؟

لكي نخط طريقنا لتصور الافتراض حول هذه الأمة التي تقرأ (أو لا تقرأ) يجب أن نستعرض الواقع العملي حول المادة

المقروءة بحسب التجارب المشاهدة، وهنا نستعرض خمس حالات لما نراه مادة مقروءة وهي:

أ. الكتاب الديني، ب. التحليل الرياضي، ج. المادة الفنية الغنائية والتمثيلية تحديداً، د. كتب الغيبيات

هـ. كتب الشعر الشعبي.

ويقابل ذلك سلباً كتب الفلسفة النظرية والكتب العلمية والأكاديمية وبعض صيغ الإبداع خاصة الإبداع الشعري الذي

تراجع بصورة خطرة.

**

ما العلاقة بين القراءة والثقافة؟ إن سؤال العلاقة في ما بين القراءة والثقافة هو سؤال يمس المتغيرات المعرفية على مستوى ما يراه المجتمع ثقافة وما يراه ضرورياً، وما هو عكس ذلك.

**

أن القراءة التقليدية عبر الكتاب ليست هي المعيار على ثقافة مجتمع ما أو عدم ثقافته، وكما كانت الثقافة الشفاهية قادرة على خلق شاعر عبقري مثل امرئ القيس ولم يقتصر به عجزه عن القراءة والكتابة، فإن ثقافة الصورة تستطيع أن تخلق أجيالاً مثقفة ثقافة عصرية وهي ثقافة نوعية ومتطورة بكل تأكيد، وإن اختلفت بالضرورة عما هو متعارف عليه تقليدياً في تعريف المثقف.

**

من الملاحظ ثقافياً أن الناس قد تجاوبوا مع ثقافة الصورة بصيغة عريضة وسريعة ومغرية، وهذا مؤشر على ما تضمره النفوس من مخزون أنثروبولوجي للحس الشفاهي لدى البشر، وكأن البشر كائنات شفاهية أكثر منها أي شيء آخر.

**

أن ثقافة الصورة تحفز الاستقبال لأنها تحفر باتجاه رغبات قديمة مخبوءة داخل النفس البشرية في حنين الذات باتجاهها إلى الجذر الإنساني العميق في المشافهة والمحادثة والتفاعل الحي ومباشرة الفعل..

**

ثقافة الأكثر مبيعاً تعني الأكثر استجابة للرغبات العمومية لدى الناس، ولن نتعرف على حقيقة هذه الكتب إلا عبر التعرف على ظروف لاستجابة، فالذي يجعلها أكثر مبيعاً هو في ملامستها لدافع ذاتي عند مستقبليها.

**

من خصائص الكتب الأكثر مبيعاً البساطة اللغوية والأسلوب السواليفي الذي يعتمد على القصص والحكايات وضرب الأمثال، مع شيء غير قليل من الاستطراد الثقافي حتى ليجد القارئ نفسه في بعض هذه القصص وهذه الاستطرادات إلى درجة يشعر معها وكأنه المعني شخصياً

**

من أخطر عيوبنا الثقافية هو تصورنا لغيرنا كما نتصور أنفسنا فنقيسهم بمقياسنا، ونحن كعرب ومسلمين نشتكي دوماً من تصور الغرب لنا ونرى أنه تصور غير واقعي وأنه تعسفي ونمطي، وهذا صحيح، ولكن علينا أن نعترف أن تصورنا للأوروبيين هو أيضاً تصور تعسفي واختزالي.

**

نحن إذا تكلمنا عن مجدنا التليد فإننا نتكلم عن فئة نخبوية قادت الفكر والمعرفة وصنعت الثقافة وسط بحر مائج من الأمية.. وما كانت الأمية سبباً للتخلف ولا سبباً لضعف حضاري أو علمي، بل إن الأميين هم من فتح المعمورة..

**

في كل التواريخ من يصنع الحضارات هم أفراد قليلون ويتبعهم جموع لا تحصى، والذي يغير هي الأفكار والرؤى الكبرى، وهي التي تحول البشر من الخمول إلى الفتوحات، ومثال أمتنا الأمية واضح للعيان، حيث تحول خمولها التاريخي إلى انفتاح عالم ابتلع الجغرافيا والحضارات في بضع سنوات

**

علم تحقيق المخطوطات، وهو علم تولاه المستشرقون وتفننوا فيه ونشروا عبره كنوزاً من التراث العربي، وما زالت بعض النسخ المطبوعة في أوروبا تتواتر بين أيدينا عبر تصويرها في نسخ يتغير لون الغلاف ولكن يبقى الداخل كما هو بحسب طباعته قبل عقود من السنوات.

**

كان السؤال عندي ما الذي يجعل المخطوطات محدودة النسخ، مع أن ما يتواتر في قولنا هو عن مجد عريق في بغداد وغيرها، وأن الكتب كانت تعمر عالمنا القديم، والسؤال هنا هو: أين هاتيك الكتب التي نتصور أنها تملأ مجال المعمورة العربية والإسلامية…؟!

**

أن العرب متأخرون اليوم، والعلة ولا شك ليست من الأمية، والأمية لم تكن عائقاً في القديم ولا هي عائق في الحديث.

ولكن العلة هي الضعف التخصصي وضعف أخلاقيات العمل وحوافز الإبداع..

**

يظل البشر يخترعون وسائل من بعد وسائل من أجل كسر حدود التواصل وفتح مجالات الممارسة اللغوية، وهم يتخلصون حتى من الرقيب الذاتي وذلك بالتحرر من الاسم الصريح واستخدام أسماء مستعارة تنزع كل شرط أو وازع أو تحرج، وهنا يظهر المخبوء ويفصح المرء عن أشرس ما فيه ويمارس نسقيته في فراغ كوني لا توقفه الرخص ولا الأذونات

**

عاش الجاحظ في الكتب ومات في الكتب، حيث مات وعلى صدره كتاب، وكانت الكتب قد تساقطت عليه وغمرت أنفاسه وهو مصاب بداء الفالج.. لم يتزوج الجاحظ ولم يخلف ذرية وليس له عصبة عائلية، وقد خرج من عالم الظلمات والتهميش، ولولا علاقته بالكتب لما مر على بال أحد.

**

إنها لمتعة فاتنة أن تجلس بين الكتب تراها في صور وأحجام وأشكال وتطل عليك كعوبها بين الرفوف وتحس أنها تتكلم معك وتنظر إليك…

**

للكتب فضل عليّ ليس في تثقيفي – فحسب – وإنما أيضاً في جلب السعادة إلى قلبي حيث صار منظرها يمثل لي روضة غناء ومتعة مستديمة.

**

لقراءة المزيد من هذا الكتاب وغيره،،

على ورّاق تويتر

BOOKS_GUIDE@

ولمن يُفضل سماع الكتب على قرأتها

هنا على بودكاست ورّاق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كتاب كل أسبوع؛ اليد واللسان ، القراءة والأمية ورأسمالية الثقافة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول