قصة قصيرة – وجه


– إنه ليس وجهي ………..!
*****
ظلام .. صمت .. هدوء ..
*****
– ليست ملامحي …………!
*****
ثوانٍ .. لحظات .. ربما ساعات .. ليس بزمن طويل ..
*****
الأجفان متثاقلة، كصناديق حديدية ترفع إلى سفن الميناء الراحلة، يحاول فتحها .. تعانده .. يقاومها .. يعاركها .. تفتح .. تغلق .. بياض يجتاح الرؤية .. حبل أسود يتدلى فوق البيضاء .. أمعن النظر .. أمعن أكثر .. يأتيه صوت :
– هل تسمعني؟ .. أفق .. أفق .. هل تسمعني؟
يسمع .. يفق .. و تثقل الأجفان، يمعن النظر أكثر في الحبل الأسود، يسير معه مرتفعا إلى نهايته، يصل الحبل إلى ما يشبه الرقبة .. الرقبة تحمل وجها .. الوجه يراه لأول مرة، وجه مجعد فيه الكثير من الخطوط، نظرات صاحبه الموجهة بتمعن نحوه دبت في نفسه ذعر خفي، النظارة الشفافة التي على طرف أنف الوجه أثارت فيه تساؤل سريع. حرك عينيه يمينا و يسارا. لا تزال الرؤية غير واضحة، وجوه كثيرة تملأ المكان. هو لا يستطيع أن يميز، وجوه طويلة، وجوه مستديرة، وجوه يراها لأول مرة .
تلاشى بعض من الضباب المبهم، أخذ يزرع نظره في الحضور، عرف مباشرة بأنه يستلقي في مكان ما، هو لا يعلم أين .. لكن يعلم بأن الأمر لا يبشر بخير . عندما تفحص الوجوه التي أخذت تتطلع إليه بفرح تتخلله دموع، فهم عقله – الذي أحس بأنه يعمل بطيئا – بأن كل هؤلاء أتوا لرؤيته. فجأة .. بين الوجوه، ظهر وجهها، كان متغيرا كثيرا، و كأنها هي .. ليست هي، لكن إحساس داخلي فيه جعله يعلق نظره فيها طويلا . حاول أن يتحدث فلم يستطع، حاول أن يحرك لسانه فوجده مخدرا، مده يده لها .. فأمسكتها . اقتربت منه وهي تنظر له مرتجفة غير مصدقة، رمت بنفسها عليه بعذوبة، عانقته طويلا، و أحس بدموعها تسيل على أذنه و رقبته، أحس بقشعريرة. رفعت رأسها و نظرت له و همست :
– الحمدلله على سلامتك ..
التفتت إلى ذاك الذي يتدلى من رقبته حبل أسود وقالت :
– هل سيعود لغيبوبته مرة أخرى يا دكتور ؟
همهم الدكتور بكلام غير مفهوم، لم يهتم لما قاله، فقد أحس بخدر كامل في جسده.
و لكي يشغل نفسه عن الحوار الذي دار بين زوجته و الدكتور، أخذ ينظر في وجوه الحضور، ذاك الشاب الطويل المفتول العضلات يبدو وجهه محتقنا وهو يغالب دموعه، وتلك الشابة الممسكة ببطنها المنتفخة أخذت تغطي نصف وجهها بيديها وهي تخفي نوحها .. والاثنان معا لا يشيحان بنظرهما عنه، يغرسان نظراتهما فيه كسيف لا يرحم، وهو الخدر يقيد جسده، يحاول أن يحرك جسده قليلا بضيق فلا يستطع ..
*****
– من هذا ؟ … من ؟
*****
عندما أغمض عينيه أحس بأنه دخل عالم آخر، موج عالٍ .. رمل دافئ، نجمة بحر مرمية على شفى الشاطئ، أحس بقدميه تنغمسان في الماء المالح، أحس بنشوة جميلة .. ريح رطبة تلفح وجهه .. ابتسم . أتاه طفلان من بعيد .. همس في سره يا إلهي كم أعشقهما .. عانقهما .. جلسا يلعبان على الرمل، صنعا بيتا من طين، مازح الولد البنت بهدم بيتها، غضبت البنت .. بكت بدلع .. شكت له فضحك و احتضنها و قبلها بحنان.. و ابتسم.
وعندما أفاق .. وجد الغرفة خالية، لحظات ودخلت هي بوجه متهلل و عينان فرحتان، جلست قربه بحذر – حذرة على جسده الهش – و قالت ممسكة بيده بهدوء :
– قال الدكتور بأن الغيبوبة لن تعود يا عزيزي .. انتهت إلى غير رجعة .. الحمد لله على سلامتك .. انتظرناك طويلا يا حبيبي .. طويل
و بعد أن نطقت كلمتها الأخيرة .. قفزت دمعة كانت تحبسها، ثم سرعان ما مسحتها. في تلك اللحظة أحس بأنه بدأ يصحو .. نظر حوله. كل شيء أبيض، الملاءات، الستائر، أنبوب المغذي المعلق على تلك الحديدة المنصوبة قربه، أحس بأنه في أحجية، نظر لها وكأنه يحتاج لتفسير. تنهدت و زمت شفتيها وهي تنظر للسقف وكأنها كانت تعرف بأن هذه اللحظة آتية لا محالة، و واجهته بالحقيقة:
– من المؤكد أنك نسيت .. لقد تعرضت لحادثة، و أدخلتك في غيبوبة .. انتظرنا طويلا حتى تأتي هذه اللحظة .. أخيرا صحوت
سأل بسرعة دون تردد بنبرة ترتجف :
– كم المدة التي قضيتها ؟
صمتت …
أعاد السؤال بلهجة حادة فيها إصرار :
– كم المدة ؟
قالت بصوت متحشرج وهي تتعمد عدم النظر إليه وكأنها تشعر بالذنب لجرم لم ترتكبه :
– عشرون سنة

صدمه الرقم، أحس بأنه تعرض لصفعة مباغتة على الوجه، أطرق بنظره شاردا مذهولا حزينا، تذكر طفليه :
– و عمر و هديل .. أبناءنا ؟
– كانا هنا قبل قليل .. عمر لاعب رياضي .. و هديل تزوجت وهي حامل في طفلها الأول

أحس بصفعة أخرى باغتته، فاته الكثير .. فاتته أجمل أيام عمره، فاته أن يرى طفليه يكبران أمامه، فاته أن يعانقهما في مناسبات نجاحهما مهنئا، أو أن يواسيهما في لحظات ضيقهما، فاته أن يكون واقفا قرب ابنته في عرسها، أو لحظة تسلم ابنه ميدالية في مضمار سباق. صمت .. فلتت منه دمعة فضحت غصته، نظرت له هي بتعاطف، مسحت بيدها على يده .. قالت مواسية:
– المهم الآن أنك بخير …

بعد حسبة سريعة أجراها في ذهنه، تذكر وجهه .. رفع يده .. تحسس ملامحه، أحس بشعور غريب .. أحس بأنه .. قاطعت تفكيره هي بتقديمها مرآة له، نظر لها مندهشا سرعتها في قراءة أفكاره.

بيد مرتجفة .. و تزداد ارتجافا كلما رفعها أمامه .. نظر لوجهه، رأى رجل شيخ حفرت التجاعيد بخرائطها على وجهه، و بياض اكتسى لحيته الطويلة و شاربه، و بقايا جروح من حادث عتيق.
ثغر فاهه مذهولا .. تدافعت إليه آلاف المشاعر دفعة واحدة .. غضب .. حقد .. حسرة .. ألم .. قهر .. صرخ :
– هذا ليس وجهي .. ليست ملامحي .. من هذا .. من ؟ أعيدوا لي وجهي .. أعيدوا لي وجهي ….
بقلم : عبدالعزيز الحشاش

– تمت –
www.Abdlaziz.com


تعليقات 2

  1. قلمك جميل واحساسك ووصفك رائع تصدق من كثر ماتأثرت فكرت ان ممكن تكون قصتك الحقيقيه … ولكني أعرف احساس الكاتب يكون مرهف ويتقمص شخصيات وأحاسيس ممكن تكون بعيده عنه كل البعد الله يعطيك العافيه

  2. ماشاء الله عليك أخي عبدالعزيز .. أنت أكثر من رائع .. فهي قصة جميلة ورائعة ومشوقة .. حماك الله من كل مكروهـ.. ومن نجاح إلى نجاح إن شاء الله ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قصة قصيرة – وجه

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول