قصة قصيرة – قالت الغجرية


في تقاطيع وجهها ظل غامض، في نظرة عينيها الناعستين اختراق للذات وكشف للمستور، في احتوائها للكف بين راحتي يديها استشفاف للمستقبل وتنقيب بالماضي، في خيمتها السوداء المرقعة بألوان مبهمة .. تارة وردية وتارة زرقاء، تنتقل بك إلى عالم آخر .. وأنت تجلس أمامها، لا تحول بينكما سوى بلورتها السحرية .. التي تعكس ملامح من وجهك مقلوبة .. فتشعر بأن الكون يدور من حولك.
* * *
ليست من عادتك السفر إلى فرنسا، رغم تفوقك أيام الدراسة وحصص لغة الفرنسي المملة إلا أنك كنت نابغة في لغة بلاد العشاق – كما يطلق عليها. كنت تتحدى معلمك باللغة .. وكنت أكثر من يفهم له حين يرمي بشتائمه على الطلبة في لحظة غضب .. وتحاشيا لردة فعلهم كان يلقيها بالفرنسية .. ولكنك كنت نابغة .. وكنت تكشفه دائما. ورغم ذلك .. لم تكن تحب السفر إلى فرنسا.
* * *
نظرت مليا في عينك، عادت لتسبح في خطوط كفك المبسوطة في فضاء خيمتها، وتستريح بين راحتي كفيها المحبوستين بالغوايش والأسورة الغريبة، عادت لتنظر في عينيك، تغوص في أعماق سوادهما، فيلمع بريق
في نظرتها .. وتقول .. !
* * *
كان قرارك للسفر إلى باريس خارج نطاق رغبتك، رغبة الشركة بإرسال مندوب عنها لحضور المؤتمر الاقتصادي أجبرك وأخرس أي محاولة منك للرفض .. فكان السفر .. والنزول في أرض العشاق.
* * *
بلهجة فرنسية بحتة، تشوبها لكنة متمرسة متمكنة، قالت الغجرية :
– حياتك يا بني هروب وانكسار .. تهرب من نفسك في دهاليز مظلمة..تنكر أحاسيسك و عواطفك .. أنظر هنا .. في هذا الخط المنحني في كفك كالهلال .. هذه تسمى خطوط قمرية .. أتعرف ماذا تعني؟!..
ابتلعت ريقك بصعوبة وارتباك، خرج صوتك متهجدا هادئ، قلت:
– ليس عندي أدنى فكرة .. ماذا تعني؟!
قالت وهي تمسح براحة بكفها على كفك المرتجفة، وتخترق بنظراتها عيناك الواسعتين :
– تعني أن هناك حب جديد ينتظرك .. يتربص بك من بعيد .. امرأة واحدة فقط ستستطيع أن تخترق جدار قلبك وتزرع حبها في داخله .. لكنها سترحل .. كما يرحل الزمن ..
* * *
انتهى المؤتمر، وبقيت لك أيام ثلاث لتقضيها في باريس، ولكي تضيع وقتك قررت النزول إلى أرض الملاهي .. حيث تنتشر الأجساد بحثا عن السعادة والمرح، وبين الألعاب الشاهقة والصحون الطائرة تلمح خيمتها من بعيد .. وتقرر الدخول.
* * *
تلك الليلة عدت باكرا إلى الفندق، خرجت من خيمتها .. بل وهربت من الملهى بأكمله بسبب كشفها لمستقبل غامض لطالما هربت منه – كما أقرت هي باختراقها لخطوط كفك. قبل دخول الفندق عرجت على مقهى قريب في الزاوية الأخرى من الشارع، دلفت إلى المقهى، انعزلت في أقصى الزاوية حيث الطاولة اليتيمة، وقبل أن تفتح قائمة الطلبات لتختار طلبك تجدها أمامك .. بيدها ورقة وقلم، وبهمس أقرب إلى الحلم تطل في وجهك وتقول:
– ماذا تود أن تشرب سيدي ؟..
سحر ما في عينيها .. غموض في ابتسامتها الخمرية، فرنسية هي ذات ملامح شرقية، وتأسرك نظرتها حتى تخال نفسك طرت إلى عالم آخر لا يسع سواك .. وهي.
تكرر متسائلة:
– ماذا تود أن تطلب سيدي ؟..
تمسك بيديها .. تنظر في عينيها متيما، وتهمس :
– ما افتقدته سنوات طوال .. وهربت منه طوال عمري ..
* * *
يمضي اليومان كالحلم برفقتها، تجولت معها في كل مكان ومنطقة ومقهى ومسرح في باريس، وقبل أن تعود أدراجك إلى البلاد، تستيقظ صباحا لتجد ورقتها مهملة على باب غرفتك .. كتبت فيها تقول : لا أستطيع أن أستمر معك .. عالمك يختلف عن عالمي .. أرجوك إنساني . تتسمر مذهولا، تسقط بين يديك مطعونا، ويحضرك همس الغجرية وهي تقول :
– امرأة واحدة فقط ستستطيع اختراق جدار قلبك وزرع حبها في داخله .. ولكنها سترحل كما يرحل الزمن
– تمت –

بقلم: عبدالعزيز الحشاش
www.Abdlaziz.com
the_dreamer78@hotmail.com


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قصة قصيرة – قالت الغجرية

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!
ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول