قصة قصيرة : شماعة الحسد


شق رنين الهاتف سكون المكان، أسرعت أم أيمن وجففت يدها في أقرب منشفة، ثم هرعت إليه وهي تغمغم: يا ستير يا رب، من الذي يتصل في هذا الوقت من الصباح الباكر؟
وبيد مرتجفة رفعت سماعة الهاتف هاتفة: السلام عليكم؟
جاءها صوت قريبتها أم فادي الهلوع: وعليكم السلام يا أم أيمن..
– أهلا أم فادي كيف حالك؟
لم تستطع أم فادي الإجابة فقد غلبها البكاء، مما جعل قلب أم أيمن يسقط بين قدميها وقد أيقنت بحدوث المصيبة أيا كانت، بحثت عن كلماتها التي غاصت مع دماء وجنتها ثم بدأت تقولها كيفما اتفق:
– خيرا؟ اصبري يا أم فادي، كله في سبيل الله، لعله طهور..
قطعت أم فادي بكاءها وهي تتساءل في استغراب: وهل سمعت بالذي حدث؟
أجابت أم أيمن في توتر: لا، ولكنك تبكين! لابد أن يكون أمرا سيئا!
عادت أم فادي إلى تهانفها وخرجت كلماتها ممزقة من بين عبراتها: ليتك تستطيعين المجيء الآن يا أم أيمن، أنا بحاجة إليك، لا أستطيع أن أتحمل هذا الخبر وحدي..
– الآن؟ قالتها في استنكار.
– طبعا الآن، أرجوك يا أم أيمن، تصرفي وتعالي إلي بأية طريقة..
وعدتها خيرا، ثم أغلقت سماعة الهاتف.

بركبتين مرتجفتين أتمت إعداد طعام الإفطار، ثم أيقظت زوجها طالبة منه الإسراع بتناول الإفطار ريثما توقظ ولدها الصغير وتلبسه ثيابه برغم علمها أن هذا سيجلب عليها نكدا طوال اليوم هي في غنى عنه.. وبكلمات مرتجفة أفهمت زوجها الموضوع وأن عليها الذهاب إلى أم فادي الآن للوقوف إلى جوارها في هذه المصيبة..
نظر زوجها إليها في اهتمام، ثم تساءل وهو يعبث في طبقه: وهل عرفت ما هي هذه المصيبة؟
– لم أعرف بعد، فهي لم تستطع أن تخبرني بها عبر الهاتف لشدة بكائها.
– على كل حال لست أظن أنها مصيبة.
– ولماذا تقول هذا الكلام؟ تساءلت في استغراب.
– دفع مقعده إلى الخلف واتجه إلى الغرفة ليغير ثيابه وقد رمى صوته خلفه: لأنك تعرفين قريبتك أم فادي!

بينما تحمل ولدها الصغير الباكي الذي يرفض المشي احتجاجا على إيقاظه باكرا، دقت جرس الباب وهي لا تستطيع تهدئة ارتجاف جسمها ولا تثبيط سرعة خفقان قلبها. سرعان ما فتحت أم فادي الباب وأطلت على أم أيمن بوجهها المحمر وعينيها المنتفختين لكثرة البكاء، وما إن رأتها حتى ألقت بنفسها عليها وهي تبكي بحرارة، مما زاد من بكاء الولد ومن نكد الموقف كله، فدفعت أم أيمن بنفسها دفعا إلى داخل المنزل وبلطف أبعدت أم فادي عنها لتغلق الباب، ثم سمحت لنفسها بأن تخطو إلى الداخل باحثة عن مقعد تلقي عليه بثقلها ثم ستحاول أن تفهم الموقف.

ما إن دخلت غرفة الجلوس حتى فوجئت بأبي فادي جالسا وقد بدا على وجهه كل علامات النكد والهم. ارتبكت للحظة ثم بادرته:
– السلام عليكم يا أبا فادي.
– أهلا أهلا يا أم أيمن، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، صدقيني إننا متأسفون لإزعاجك في مثل هذا الوقت ولكنك الوحيدة التي نعرف أنها لن تقصر معنا.
– أستغفر الله يا أبا فادي، حقكم على رؤوسنا.. ولكن خيرا إن شاء الله فأنا حتى الآن لم أعرف ما الذي حدث لأن أم فادي لا تكاد تتوقف عن البكاء.
أخرج أبو فادي من صدره زفرة حارة طويلة، ثم قال في حسرة: ومن أين يأتي الخير يا حسرتي طالما نحن جيران آل أبي أيهم؟؟
في استغراب كبير هتفت: حقا؟ وماذا فعلوا لكم في هذا الصباح الباكر؟
– لم يفعلوا شيئا اليوم يا أم فادي، بل هم يفعلونه منذ زمن وقد أتى بثماره اليوم والحمد لله.
– لم أفهم!
– صبرك علي.. أنت تعلمين أن نسيبي يعمل في مختبر للتحاليل الطبية.. وكنت منذ فترة أحس بتعب في جسمي وثقل في رأسي وخلل في الرؤية، وحاجة متكررة لدخول الحمام.. شعرت بأن شيئا ما ليس على ما يرام، وعندما راجعت الطبيب طلب مني بعض التحاليل التي أعطيتها لنسيبي، الذي لم يجد وقتا مناسبا غير صباح اليوم ليتحفنا بالنتيجة: أني أصبت بالسكري!

بقيت أم أيمن جامدة في مكانها تحاول استيعاب الموقف وربط المعلومات ببعضها البعض، بينما تهانفت أم فادي من جديد..
قالت أم أيمن مستحثة أبا فادي على الكلام: ثم..؟
في شيء من العصبية هتف أبو فادي: ثم ماذا يا أم أيمن؟ أقول لك إني أصبت بالسكري، وأنت تعرفين خطورة مضاعفات هذا المرض، حتى إنني لأسائل نفسي منذ الآن فيما إذا كنت سأموت قطعة واحدة أم ستسبقني إلى القبر عدة قطع مني؟
– سنناقش هذا فيما بعد، ولكنك حتى الآن لم تشرح لي ما علاقة هذا بجيرانكم؟
– آه لقد نسيت فاعذريني، أقول إن هؤلاء جيران السوء ليس لهم هدف في الحياة سوى حسدنا على ما أنعم الله به علينا من نعم، لو تنظري إلى أعينهم عندما نمر من أمامهم أو نشتري شيئا جديدا أو نفعل أي شيء على مرأى منهم.. وآخر مرة زرناهم – وياليتنا لم نفعل – لنهنئهم بالعيد قدموا لنا طبقا من الحلويات، طبعا أكلت منه، فنظرت إلي أم أيهم في حسد وهي تقول: ليتني أن أستطيع أن آكل مثلك يا أبا فادي دون أن أخاف من شيء، إني مصابة بحصوة في المرارة وعلي أن أنتبه إلى طعامي دائما إن أردت أن لا أموت من شدة الألم..
قاطعت أم فادي الكلام وهي ترفع نظرها إلى السماء داعية الله بصوت عال: انتقم الله منكم يا آل أبي أيهم، جعل الله كيدك في نحرك يا أم أيهم، وخرب بيتك عاجلا غير آجل، اللهم آمين!

تجاهلت أم أيمن دعاء أم فادي وهي تتساءل: هل تعني يا أبا فادي أن الحسد متهم في هذه المرة أيضا لإصابتك بهذا المرض؟
– أعرف أننا تناقشنا كثيرا في هذه النقطة من قبل يا أم أيمن، ولا زلت أتذكر موقفك يوم أن أخذ ولدنا إنذارا من المدرسة بسبب غلطة ارتكبها، وذلك اليوم الذي كسر فيه الأولاد تحفة ثمينة عندنا، لكن صدقيني إني لا أرى الأمر اليوم على غير هذه الطريقة..
تنحنحت أم أيمن في صعوبة محاولة انتقاء كلمات لا تغضب هؤلاء القوم قصيري فتيل الانفجار:
– ستراه بغير هذه الطريقة لو أنكم استمعتم لكلامي عندما أخبرتكم ذلك اليوم الذي أخذ فيه فادي انذارا في المدرسة بأنكم تخافون عليه كثيرا مما يدفعكم إلى الحرص على إرضائه طوال الوقت فظن أنه يستطيع أن يدفع الجميع إلى هذه الطريقة في معاملته حتى في المدرسة (قالتها محاولة أن لا تفلت منها كلمة أنه مدلل أو عديم المسؤولية) بدلا من أن تتهموا آل عمه بحسده (محاولة أن لا تفلت منها عبارة ولا أدري علام يحسدونه؟)، والأمر نفسه في اليوم الذي سمحتم للأولاد بلعب الكرة في البيت مما أدى إلى كسر التحفة الثمينة بدلا من أن تتهموا أصدقاءكم بوضع عينهم عليها، واسمح لي أن أساعدك في رؤية مختلفة لخبر اليوم:
أليست عائلتك مصابة بهذا المرض؟
ألست من محبي أكل الحلويات يوميا؟
أجابت أم فادي هذه المرة في شيء من العصبية: ولكن لماذا لم يظهر المرض إلا بعد أن قالوا كلمتهم تلك؟
قالت أم أيمن في إصرار: مجرد مصادفة لا أكثر.. أنت تعرفين سجل عائلة أبي فادي المرضي وأنت نفسك أخبرتني أكثر من مرة أنك كل يوم تتوقعين إصابته بهذا المرض أسوة بعائلته، فماذا حدث الآن؟ لماذا أصبح الحسد هو السبب؟
قالت أم فادي: يبدو أنك لا تؤمنين بالحسد ولذلك تحرصين على وضع المسؤولية علينا في كل مرة..
أجابت أم أيمن: لا يا عزيزتي أنا أومن به ولكني لا أجعله شماعة أعلق عليها كل إحباطاتي ومصائبي في الحياة لكي أريح ضميري من أي تأنيب!

صاحت أم فادي في عصبية حقيقية هذه المرة: ماذا تعنين؟
رد أبو فادي على زوجته صارخا: اصمتي يا امرأة ولا تزيدي اليوم سوءا بعصبيتك، انتهى الأمر، لقد أوضحت لنا الأخت أم أيمن رأيها وهذا من حقها، والمهم أنها قامت بواجبها وجاءت لتقف معنا في هذه المحنة وانتهى الأمر فجزاها الله خيرا.
ثم استدار إلى أم أيمن يرمقها بنظرة حادة، وقام يرتدي ثيابه استعدادا للذهاب إلى العمل رغم تأخره.

أحست أم أيمن بأنها غير مرحب بها بعد هذا، فأفرحها ذلك لأن هذا يريحها من استنزاف عاطفي أجوف، قامت متعللة بأنها يجب أن تبدأ في إعداد الطعام قبل أن يأتي الأولاد من المدرسة، فوافقتها أم فادي دون أن تلح عليها في المكوث ولو لدقيقة أخرى.. ورغم أنها لم تشرب حتى فنجانا من القهوة.
خرجت أم أيمن وهي تتنفس الهواء الطلق، وابتسمت في سرها ابتسامة ساخرة، لقد كان أبو أيمن على حق.. على كل حال عل آل أبي فادي يتعلمون درسا مهما: أن طيبة قلبها لن تجعلها هدفا ساذجا لهم يتجهون إليه كلما شعروا بأنهم في حاجة إلى أحمق ما يفرغون فيه أفكارهم وعواطفهم الخالية من المنطق..

تذكرت أنها نسيت لعبة طفلها على المقعد بعد أن ابتعدت بضع خطوات، استدارت عائدة ثم وقفت أمام الباب ومدت يدها لتضغط على الجرس، إلا أن يدها تجمدت في الهواء وهي تسمع صراخ أبي فادي من داخل البيت محدثا زوجته: إياك أن تدخليها منزلك مرة أخرى هل تفهمين هذا؟
إن موقفها اليوم جعلني أتأكد من الشك الذي كان يساورني بين الحين والآخر، اليوم أصبح حقيقة أكيدة: لقد كنا نظلم جميع الأشخاص الذين اتهمناهم يوما بحسدنا.. هل تعلمين لماذا؟
لأنها هي التي كانت تحسدنا طوال الوقت!
وبصرخة هادرة ختم أوامره: هل فهمت؟!


تعليقات 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قصة قصيرة : شماعة الحسد

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول