قصة قصيرة : بين السماء و السماء


( قصة قصيرة )
( بين السماء .. والسماء )
بقلم: عبدالعزيز الحشاش

أرتشف حزني .. و ألعق بقايا جراحي، يحتضنني غيم أبيض .. وسماء زرقاء صافية، وطريق طويل يكاد لا ينتهي، رغم علمي المسبق بالموعد المحدد لنهاية الرحلة.
بين السماء والأرض .. معلقا، ألملم بقايا صدمتي، أتكور في مقعدي، أتحرك بملل واضح، و بتوتر يطل بملامحه من رجفة كفي و عيناي الهاربتان في كل مكان .. كطفل تائه .. خائف .. حائر.
****
في طفولتي صرخ فراش المدرسة مقاطعا حصتنا المملة، وشرح المدرس الرتيب، فأخذ ينادي اسمي :
– …….. مطلوب فورا عند الناظر
انطلقت عيناي تبحثان في وجوه التلاميذ، ترتمي في عيني المدرس .. تبحث عن إجابة .. لسؤال قفز منذ أن نودي باسمي .. ماذا يريد مني ناظر المدرسة؟
نهض جسدي الصغير من مقعده، طبعت قدمي خطوتان إلى الأمام .. صرخ الفراش منبها:
– اجلب حقيبتك معك ..
أخذ السؤال يتكاثر .. يقفز حولي في كل مكان .. حقيبتي؟ الناظر؟ وأنا الصغير الذي لا يزال في الصف الثالث الابتدائي .. لماذا؟ ماذا فعلت؟
قلبي عصفور صغير .. يرتجف خوفا .. و يدق حيرة .. و يزرع في داخلي إحساس غريب بالانسلاخ عن كل ما حولي .. مدرستي، طاولتي .. كرسيي .. و نفسي.
أحسست حينها بأنني معلقا .. بين السماء .. والأرض
****
كم أكره الطائرات ورحلات السفر الطويلة، صعوبة النوم و تصلب القدم تزيدان من توتري، انحشاري بين كرسي و كرسي .. و بين السماء والأرض يضخ بين وريدي قلقا لا أعرف له سبب .. ربما لأننا على متن هذه الطائرة معا .. و لأول مرة نجتمع في مكان واحد ولساعات طويلة ولا تفصل بيننا إلا بضع أمتار !
معلقان بين السماء .. والأرض
****
حين أطللت برأسي الصغير من وراء الباب الكبير وجدته جالسا، بزهو و ثقة وكأنه مالك كل شيء .. و من حقه أن يمتلك ما يريد .. حتى أنا.
كان يجلس قبالة مكتب الأخصائي الاجتماعي، دلفت إلى الغرفة بتردد، استقبلني بنظرة من طرف عينه، ثم التفت للأخصائي شاكرا، فنهض خارجا من الغرفة. فلتت مني نظرة رجاء إلى الأخصائي.. و كأنها تطلب منه أن يرحمني من الذهاب معه، ولكنه استبقني بنظرة و إيمائه تطلبان مني الهرولة خلفه .. و أن أتبعه إلى حيث لا أرغب.
****
الرحلات الطويلة لها ميزتان، الأولى أنك تبتعد عن الأرض و ما فيها من جراثيم تبث الشر والحقد بين البشر، فتتوالد المشاكل والحروب بكل أنواعها بين أهل الأرض، أما الميزة الثانية .. فإنها تعطينا فرصة نحن المعلقون بين السماء .. والسماء، أن يتعرف كل منا إلى من يجلس محاذيا له على كراسي الطائرة الضيقة. بالنسبة لي لم ترقني كلتا الفكرتين. احتقان المشاعر في داخلي .. و عبوسي المفرط منذ أن وطأت قدمي هذه العلبة الحديدة التي تحملنا بين الغيوم، أخرسا أي رغبة في من تجلس محاذية لي بأن تفتح أي باب للحوار بيننا.
كم أود أن يفجر قائد الطائرة مفاجأة بضرورة هبوطنا الاضطراري في أي مطار من مطارات الأرض الكثيرة .. حتى أفتح الباب و أهرب بعيدا .. بعيدا من هنا .. و بعيدا عنه.
****
كان يرغب بأن يكسبني و أن يعرفني بعائلته الجديدة .. و كنت أرغب بالهرب بعيدا، كان يريد أن يثبت لأمي بأنه قادر على امتلاك كل شيء .. وأي شيء، وأنا كنت أرغب بأن أصرخ به .. بصوتي المبحوح و بجسدي الصغير المنهك من حقيبة المدرسة الثقيلة، كنت أريد أن أقول له .. بأنني لا أشعر ناحيته بأي شيء .. وبأنني أريد العودة إلى حضنها. كان يعتقد بأن باختطافه لي من كرسيي .. وطاولتي .. و فصلي .. و مدرستي .. أنه يستطيع أن ينتزع من داخلي عالم عشته من دونه، وكان يعتقد بأنه يستطيع أن يزرع بداخلي عالم لا يحكمه سواه .. ولا أرى فيه سواه .. ولكن قلبي عصفور صغير .. لا يعرف أن يشعر إلا بما يحس به .. وكنت أحس حينها بالنفور منه.
****
الرحلة طويلة .. و الطريق يكاد يبتلعنا بين الغيوم التي أخذت تتكاثر عبثا من وراء النوافذ الصغيرة. أطبق الليل .. و يكاد أن يكون العالم الخارجي غابة سوداء لا ملامح لها، تلمع كلما نعست الجفون ببرق خاطف .. أو هزة مفاجأة يولدها مطب هوائي آخر .. وأنا في داخلي برق لا يهدأ .. و هزات لا تنتهي يتحملها عصفوري الصغير الذي بين أضلعي .. و ذكريات رجل يظهر و يخرج من حياتي .. ترك في ذاكرتي غابة سوداء لا ملامح لها …
****
مراحل المراهقة .. و النضج .. و فهم منظومة الحياة، زرعوا في داخلي صورة واضحة له، رغم أن المرات القليلة التي رأيتها به تكاد تنسيني ملامح وجهه العابس، إلا أنني عرفت جيدا كيف كان يفكر .. و كيف كانت أنانيته .. عرفت جيدا بأنه لم و لن يهتم بأحد آخر غير نفسه. حتى عائلته الجديدة هرب منها .. خلق له عالم آخر بعيدا في الغربة، أما أنا .. فتركني في غربة عشتها طوال سنوات عمري الخمسة والعشرون، اختزلت في داخلي رغما عني. كان يظهر فجأة .. متحججا بحاجته للنقود، شاكيا أوضاعه الصعبة في الغربة التي اختارها لنفسه .. بعيدا عن وطنه و أهله. و كان يختفي فجأة .. كعادته .. بلا مقدمات.
****
بلا مقدمات .. يعلن كابتن الطائرة عن وصولنا إلى أرض الوطن .. الرجاء ربط الأحزمة و الجلوس في مقاعدكم .. و أنا أربط حزام قلبي الصغير .. حتى لا يطير من قفصه، و يهرب بعيدا عن هذه المواجهة المحتومة.
يعود القلق و يضخ بوريدي كرياته العابثة، تحوم حولي غيمة من الأسئلة التي لا نهاية لها. فجأة انتابتني عبرة لعوب .. خنقتني .. و احتقنت عيناي بالدموع .. وأنا أنتبه إلى أنها أول مرة نجتمع فيها أنا و أبي .. الذي يرقد في تابوته المسافر معنا على نفس الرحلة .. بعد أن قطعت نصف العالم إلى حيث غربته البعيدة لآتي بجثمانه إلى الوطن .. أنها أول مرة نجتمع في نفس المكان و لساعات طويلة دون أن يهرب مني .. أو أهرب منه .. أول مرة نجتمع سوية دون أن ننطق بكلمة ..
بين السماء .. و السماء
– تمت –

للتواصل
www.Abdlaziz.com


تعليقات 8

  1. يعني عبدالعزيز كاتب قصه اكيد انااتكلم عن الابداع كلامك عسل وقصصك حلوه والاحلى ما فيها ما تخش الحياء ودايم تتكلم بلسان الخليج واسلوبك الشيق بالسرد ما يحتاج اتكلم عنه تسلم لي يا بوعزة … والله يوفقك بالي جاي

  2. سلمت يداك يامبدع القصه في غايه الروعه واسلوبك الشيق جعلني أطير بعيدا عن أرض الواقع لأصل أرض الاحلام بأسلوبك الرائع ودقة وصفك وجمال تعبيرك..:D

  3. اكثر ماشدنى بهذه القصه هو اسلوبها الجميل و التنقل من فقره الى اخرى دون الخلل بالقصه ورحم الله والد ك اذا كانت القصه حقيقيه واسلوبك فى نهاية القصه كان مؤثرا

  4. يا أخي القصة رائعة فيها كل مكونات القصة القصيرة القصة رائعة مشوقه و الاسلوب الحزين الرائع والوصف لمشاعر الطفل كلها اشياء جميله جدا في قصتك الله يوفقك يا اخي بدون مجاملات انت كاتب مبدع ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قصة قصيرة : بين السماء و السماء

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول