قصة قصيرة : الدمية


( قصة قصيرة)
( الدمية )
بقلم : عبدالعزيز الحشاش 
 
احتقاره لها يقتلها، اضطهاده المتعمد وعجرفته معها تلف حول رقبتها آلاف الأصابع وتخنقها. سخطه ونرجسيته يحيلانها نارا تتقد في داخلها تتمنى لو تطفئها بأية وسيلة. تتمنى ولو مرة واحدة تدخل مكتبه لينهرها فتنقض عليه بأكبر ما تقع عليه يدها لتفجر رأسه به وتشوه ملامح وجهه المغرور. منذ أن تم تعيينها في هذا القسم وهي تعاني قسوة هذا المدير المتغطرس واذلاله لها. ليست هي المحجبة الوحيدة في القسم وليست هي ذات الجمال المتوسط الوحيدة في الإدارة من بين الموظفات ولكنها لا تعلم ما سر كرهه الواضح واهاناته المتعمدة لها. حين يطلب منها اداء عمل ما فلا يشفي غليله الا اذا طلبه صارخا ساخطا حتى تسمعه الادارة كلها وهي تقف هناك وراء مكتبها يتبلل وجهها عرقا وتختنق الدموع في عينيها منتظرة ان ينهي مشهد الاذلال اليومي هذا حتى ينتهي الدوام فتعود لبيتها مذلولة مهانة .. وحاقدة. في معاملته مع غيرها من بنات جنسها في العمل يتحول لحمل وديع رقيق وناعم. يقطر لسانه عسلا ويلقي على مسامعهن أحلى الكلمات. ومعها .. يصرخ، يأمر، يسب ويلعن، ويهين ويسخط .. واذا ما ضاع ملف أو تعطل عمل فإنها بلا منازع المذنبة الأولى .
* * *
في البيت لا هم لها سوى التفكير بمعاملة مديرها لها واهانته المتعمدة أمام صديقاتها وزملائها. تشعر باستصغار الجميع لها، تشعر باحتقار الكل وكأنه وشم نقش على جباههم .. وختم ختم في عقولهم. عانس هي .. وحيدة .. لعبتها الانطواء، لذتها الانعزال عن العالم، كل العالم. منذ طفولتها وشعور الوحدة لا يفارقها، خلقت لتعزل عن العالم. تشعر بكره الجميع ، باحتقار الجميع، وربما برغبة جامحة لقتل الجميع. حين تنزوي في بيتها لا يسليها ولا يطرد اشباح همومها سوى ممارسة هوايتها التي تعشقها .. صنع الدمى. منذ طفولتها وهي تهوى جمع كل شيء تقع عليه يدها .. الاقمشة .. القطن .. الصوف .. الخيوط الملونة .. وابرة الخياطة. تجمعها أمامها، تتحدث معها، تحاورها، وتنسجها حلما في خيالها لتحيلها لدمية تركنها هناك مع بقية الدمى التي تعج بها خزانتها.
* * **
نهار آخر .. ويوم عمل جديد ..
لم تمر ثوان على وصولها، جلست وراء مكتبها، اكتفت بصمتها كالعادة وبدأت عملها، كومة من الملفات تعتلي مكتبها، أصبحت لعبة الموظفين حين يتهربون من العمل رمي الملفات على مكتبها .. وعليها الباقي. كيف ولا هي جارية المدير العام الذي لا يتوانى عن إهانتها كلما وقعت عيناه عليها .. و خادمة الادارة التي لا تمل تعاملها كخادمة مستأجرة لفش خلق كل من يبدأ نهاره بوجه عبوس ومزاج عكر.
فجأة .. خرج المدير من مكتبه، صرخ، سخط، تطايرت لعناته في أروقة الإدارة. خرج الجميع من وراء مكاتبهم ومن غرفهم الصغيرة، تجمهر الموظفون، تقدم المدير نحوها، صرخ وصرخ في وجهها، سبها، لعنها، أهانها ثم بصق على الأرض وهو ينظر في عينيها قائلا:
–  عديمة شخصية.
* * *
عادت إلى البيت .. انغمرت في بكاء طويل، انطوت على ذاتها وتمنت الخلاص لنفسها؟، لعنت حياتها وكرهت أيامها، وحين رفعت رأسها لتنظر حولها وجدت عدة هوايتها تنتظرها، انقضت عليها، جمعت الأقمشة والخيوط وابرة الخياطة، حاكت دشداشة بيضاء، صنعت وجها عبوسا متجهما وألبسته الغترة والعقال، أخاطت له يدين وقدمين. وحين انتهت رمقت دميتها الجديدة بنظرة أخيرة ثم كتبت عليها (المدير العام). امسكت بإبرة الخياطة بأطراف أناملها. حدقت بالدمية طويلا. حدقت بحقد وغيظ، جمعت قوتها وانهالت بإبرتها على الدمية. غرست الإبرة بكل مكان .. غرستها وغرستها، غرستها في وجهه، في عينيه، في ذراعه وقدميه، اعادت غرس الذراع والقدمين. انهالت تغرس الابرة بلا رحمة، بكل الحقد الذي يملأ قلبها والكره الذي تكنه لمديرها، وحين انتهت راحت تتنهد بارتياح طويل وتبتسم وهي تزفر لاهثة وكأنها كانت تشرح جثة لطالما تمنت تقطيعها.
* * *
نهار آخر .. يوم عمل جديد ..
اليوم تدخل الدوام بهدوء تام وصمت لم تعهده، الإدارة يحوم فيها جو من الحزن والوجوم، الموظفون يتهامسون بأسف واستغراب، تعجبت هذا التغيير في روتين السخط والصراخ في عملها، استغربت عدم استقبال مديرها لها بموشحه اليومي وبسبابه ولعناته، وقفت وراء مكتبها تراقب الوضع بصمت، وحين مر الفارش بقربها استوقفته وسألته:
–  أبو مروان .. ما الذي حدث؟
 – المدير بعيد عنك .. عمل حادث في سيارته أمس. يقال أن السيارة انقلبت به وأن الإصابة أتت في ذراعه وقدمه ..!
تسمرت في مكانها غير مصدقة، عادت بها الذاكرة إلى الأمس .. الدمية .. الإبرة .. وقفت تفكر وهي تنظر حولها وابتسامة خفية من الرضا ترتسم على ملامح وجهها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قصة قصيرة : الدمية

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول