قصة قصيرة – أوّل أربعاء


أوّل أربعاء
(قصة قصيرة)
بقلم: محمد عبدالعزيز العرفج
(أديب سعودي)
 
هاهو يمشي الآن في الطريق الضيّق ، يلمحُ بعيداً باب المقرّ ، فينظر إليه تارة وينظر إلى السماء تارةً أخرى ، الجوّ في هذا الصباح يملؤه قطناً كثيراً من الغيم ، وشمسُ صباح الأربعاء ترسل أشعتها الدافئة قليلاً ، ثم تحجبها غيمةً عابرةٍ في حال سبيلها … تسير ببطءٍ شديد ، وندى الهتـّان يبلّل شعر (نعمان) المصفوف بطريقة أنيقة ، وقميصه الأزرق  الفاتح ، الذي تميل زرقته للون السماء ، وبنطاله الكحلي ، وحذاءه البنّي الداكن ، المتّسخ قليلاً بفعل بقايا وحلٍ يملأ المكان :
 
– لم يبقى سوى ختم المقرّ ، سأنهيه بلحظاتٍ … فالبلاد بلادي! وليست مثل تلك المدينة الساحلية ، التي يملؤها الانفصاليّون !!
 
حدّث (نعمان) نفسه … ثم أعقب غاضباً وفي صوته شيئاً من الحدّه :
 
– لقد جعلوني انتظر ساعةً كاملةً من أجل ختم شهادتي الابتدائية !
 
وبينما هو يحدّث نفسه ، إذ رأى شخصاً يدخل المقرّ … ثم ابتسم (نعمان) بعدها سريعاً ، وبدا على محيّاه الطرب :
– غداً سأذهب إلى الخليج ، لقد سأمت العيش والعمل هنا ، الخليج لم ينضب بعد به الكثير من البترول ، سأشتري سيارة! … سأشتري منزلاً !!
 
وما لبث قليلاً … حتى رأى الشخص الذي دخل المقرّ وفي يده شهادة ، يخرج منها سريعاً وهو يبتهج ، فقال نعمان :
– لم يأخذ سوى خمس دقائق فقط ، ياللانفصاليّون الجبناء !! لقد جعلوني انتظر ساعةً كاملة … ساعة كاملة من أجل ختمٍ فقط!
 
وصل نعمان المقرّ ، ثم دخل ووضع بطاقته الشخصية عند الاستقبال ، ووضع بطاقة (زائر) على جيب قميصه فوق قلبه تماماً ، حتى يعلم الموظفين بأنه زائر .
صعد السلّم الطويل في الدور العاشر والأخير ، حيث لا يوجد مصعد كهربائي في المقرّ !
 تقدّم إلى الشخص الذي يقبع في تلك الغرفة المظلمة إلا من نورٍ خفيف ينبعث من النافذة الصغيرة ، ومصباحٍ معلّق في الأعلى يتدلّى من سلكه ويكاد أن يسقط ، قدّم نعمان للموظف شهادته الابتدائية مبتهجاً :
– أريد أن أختم شهادتي الابتدائية من فضلك .
وبعد أن فحص الموظف الشهادة … بدت عليه علامات الدهشة … ورفع صوته عالياً:
– أين بقية الأوراق!!
سأل نعمان بدهشةٍ أكثر من دهشة الموظف :
– أية أوراق ؟!
– أوراق قبولك للدراسة في المدرسة الابتدائية !
دخل نعمان في صمتٍ يفكّر ، ثم تذكّر :
– لقد نسيتها في منزلي !!
– أحضرها إذن !
بدت على ملامح نعمان علامات الفجع الشديد ، حين استدرك:
– لكن منزلي في المحافظة الشمالية المحادّة ويبعد أكثر من خمسمائة كيلو … !!
قال الموظف بصوتٍ ساخر يظهر عدم مبالاته :
– دع أحداً يرسلها لك بالفاكس !
ظهرت على نعمان علامات الارتياح ، وسأل الموظف:
– كم رقم الفاكس الذي بجانبك ؟!
أجاب الموظف كأنه كان ينتظر هذا السؤال:
– انقطعت الكهرباء ، فلا يمكن أن أخدمك! إذ لا يعمل الفاكس وتيّار الكهرباء منقطع !
 وقبل أن يبادر نعمان بسؤالٍ آخر … أكمل الموظف :
– هناك محل اتصالات في الخارج أمام المقرّ !
فاستطرد نعمان استطراد الواثق :
– ولكن الكهرباء لم تنقطع !!
 
وهنا ابتسم الموظف ابتسامة سخرية حتى بانت نواجذه ، مشيراً بإصبعه السبّابة إلى الأعلى ، نظر نعمان عالياً كأنما يبحث عن شيءٍ في السقف ، ووجد أن المصباح مطفأ ، ومصابيح الممرات في المقر كلها كانت قد انطفأت !
 
ركض نعمان ينزل السلّم ثم خرج من باب المقرّ ، وبطاقة (زائر) تركض معه ضرباً في جيبه ، وبدأ يحسّ حينها بلسع الحرارة يزداد قليلاً على ثديه الأيسر نتيجة ترنّح وضرب البطاقة المغلّفة بالبلاستيك المقوّى! ولكنه ليس وقت البطاقة!
شاهد نعمان محلّ الاتصالات قريباً جداً ، لم يكن الموظف كاذباً ! بل كانت حادثة إنقطاع الكهرباء في المقرّ من باب الصدفة!
توجّه نعمان إلى محل الاتصالات ، وأراد الاتصال بالمنزل … ولكن خدمة الصفر لاتعمل! فسأل نعمان عامل المحل عن ذلك ، فأخبره أن المحل للاتصالات داخل العاصمة فقط! وأنه إن أراد الصفر فيجب عليه أن يتوجّه إلى محل الاتصالات الآخر ، والذي يبعد مسافة واحد كيلو متر تقريباً !!
– واحد كيلو متر!!!
هكذا صرخ نعمان …
خرج نعمان مضطراً من المحل ، وأراد أن يستقل سيّارة أجرة أو حافلة صغيرة توصله للمحل الآخر ، ولكن لا توجد مواصلات في تلك الحارة الصغيرة الضيّقة الشوارع ! فأخذ يمشي منفرداً ، ثم تذكّر بعد مسافة أنه لم يسأل عامل الاتصالات إن كان لديه فاكس ، كما أنه لم يأخذ رقمه!!
رجع نعمان عائداً إلى محل الاتصالات ، وعلم أنه يوجد لدى عامل الاتصالات جهاز فاكس فأخذ رقم الخط ، ثم توجّه من جديد إلى محل الاتصالات الآخر البعيد …


حين وصل نعمان إلى المحل الآخر للاتصالات ، كان قد أخذ منه المشي إنهاكا وتعباً ، فالحذاء الذي يلبسه ليس للمشي ، وإنما هو حذاء رسمي للمناسبات ، كان من آثاره أن تورّمت قدماه ، لدرجة أنه جلس على أرضية الرصيف مدّة عشر دقائق ليخلع حذاءه ، ويدعك كل جزءٍ من قدميه بكلتا يديه!
حين نهض وجد المحل كبيراً جداً ، ففرح كثيراً علّه يجد جهاز فاكس غير ذلك في محل الاتصالات الأول ، وذلك ليتأكد من وصول الأوراق سليمة ، لكنه وجد أن المحل لا توجد به خدمة الفاكس ، كما أنه لا يوجد به سوى كبينة واحدة فقط بها خدمة الصفر الداخلي!!
وقد شاهد كيف أن الناس قد اصطفّت صفّاً واحداً …! كأنه صفّاً طلابياً قبل بدء التمارين المدرسية الصباحية ، فاصطف معهم مرّةً يقف على قدمه اليسرى ومرّةً على قدمه اليمنى ، وأحياناً لا تحتمل قدماه المختنقتان داخل حذاءه الضيّق الوقوف ، فيضطر للجلوس ودعكهما بيديه كثيراً حتى يحسّ بالاسترخاء !
وصل إليه الدور بعد طول انتظار … فدخل داخل الكبينة ، وبدأ يكح ويعطس كحاً وعطساً متتابعين من الاختناق والروائح والغبار داخل الكبينة ، وكأنما حشر الناس جميعهم معه في داخل الكبينة ، فهو يشمّ روائح البشر من كل الجنسيات والأجناس والألوان!!
– ألا توجد مروحة تخرج الروائح ؟!
سأل نعمان بصوتٍ مبحوح … وبدأ الواقفون وعامل المحل يرفعون أصواتهم بضجر:
– هيا … بسرعة! خلفك أناس عجلون ينتظرونك!
 
اتصل نعمان بالمنزل فردّت عليه والدته :
– أمي ! هل (لقمان) عندك ؟!
– نعماااان …! أين أنت ؟! ومن أين تتحدّث؟!!
– أمي … أنا في العاصمة أريد لقمان بسرعة … ! سأقص عليك فيما بعد!!
– لقمان خرج ! إنه عند صاحبه (حسام) !!
 
أغلق نعمان السماعة دون أن يودّع والدته ! واتصل بحسام ، فردّت والدة حسام وأخبرها أنه يريد أن يتحدّث مع حسام في أمرٍ طارئ ، فطلبت منه الانتظار …
وبعد برهة من الوقت تكلّم حسام عبر سمّاعة الهاتف:
– الو … من يتحدّث؟!
– أهلاً حسام …! أنا نعمان أتحدّث معك من العاصمة … أيـ …!
– ماذا تفعل هناك؟!
فجاءة سمع صوت ضرب على زجاج الكبينة يطلب منه الناس الاستعجال ، ويؤشرون له بأصابعهم السبابة والوسطى ، وكأنهم يخبروه أنهم يحتجّون لإجراءه اتصالين!!
– حسام سأشرح لك لاحقاً … الحالة طارئة! أريد أن تخبر لقمان أن يذهب إلى المنزل ويرسل …!
– لقمان خرج من عندي ، وهو ذاهب إلى منزلكم !!
أغلق نعمان الاتصال بيده بقوة ، ثم اتصل على المنزل ، والتفت قليلاً ناحية فتحة الباب التي يغطّيها الزجاج فرأى الناس تحتج وترفع أصواتها بضجر :
– ألو … أمي أين لقمان ؟!
– قلت لك يانعمان … أنه ذهب إلى صديقه حسام …!
– لقد اتصلت بحسام ، وأخبرني أنه عائد إلى المنزل .
– لم يعد بعد … أين أنت؟!
– أمي … قلت لكِ أنني في العاصمة سأتصل بكِ لاحقاً … الوداع!
 
ولأول مرة يودّع نعمان امه في المكالمتين اللتين أجراهما ، خرج نعمان من الكبينة ، ليتصل بلقمانٍ في وقتٍ لاحق .
جلس نعمان مفترشاً أرضية المحل الصلبة والباردة…! فخلع حذاءه ، وبدأ بدعك قدميه حتى أحس بالاسترخاء ، لقد صار يستمتع بذلك!
أراد بعد مضي ربع ساعة أن يقوم بالاتصال بالمنزل ، وحينما همّ بدخول الكبينة قام المصطفّون بمنعه بالقوّة! فأخبرهم أنه كان قد اصطف قبلهم ، وأنه قد دخل الكبينة قبلهم ولكنه لم يجد الشخص المراد ! إلا أن يمينه لم تشفع له حتى عند عامل المحل الذي أخرج نفسه من الموقف حين أراد نعمان أن يستجدي به … قائلاً:
– تصرّف معهم أنا مهمتي هنا أن أحاسب المتّصلين ، ولست رجل مرور لأنظم السير !!
عاد نعمان أدراجه مرّةً أخرى ! ووجد أن الصف ممتلئ أكثر من السابق ، واصطف معهم حتى جاء دوره بعد ساعةٍ من الزمن :
– ألو … لقمان أين أنت ؟!
– أهلاً نعمان حمداً لله على سلامتك!
– لا وقت لدي …!! أرسل أوراق قبولي في الدراسة إلى العنوان التالي …
 
وبعد ان أعطى نعمان العنوان للقمان ، توجّه إلى محل الاتصالات القابع أمام باب المقرّ ، ليمشي كيلو متراً آخر! وحين وصل ، كانت المفاجئة التي لم يكن يتوقّعها ،وهي أن الحبر قد نفد من جهاز الفاكس !! وأن الأوراق التي أرسلت كانت ممحاة كثيراً إذ لا يُفهم محتواها!! ولم يعرف نعمان بماذا يشعر وهو يدعك قدميه :
– لماذا لم تخبرني أن الحبر كان نافداً !!
قالها نعمان بصوت مرتفع فيه نبرة غضب!
– لم يكن نافداً في الأساس ، بل تأخرت ، ثم نفد الحبر بفعل الأوراق الكثيرة المرسلة إليه !
– والآن مالعمل ؟!
– لا أقول لك إلا كل خير !!
خرج نعمان يجرّ أذيال الخيبة ، لقد ذهب تعبه طوال الصباح سدى!
دخل المقرّ يريد أن يسلّم بطاقة (زائر) ليحصل على بطاقته الشخصية ، ويأتيهم في يومٍ آخر ، فقد أنهكه التعب ، وأخذ منه كل مأخذ!
حينما دخل نعمان المقر جلس قليلاً يدعك قدميه ، وقد بدت أطراف قدميه أشد وضوحاً والأرض تزداد لمعاناً ، حينها نظر عالياً ليرى انعكاس اللمعان:
– الأنوار مضاءة !
قالها نعمان مبتهجاً .
بدأ يصعد السلّم قفزاً سريعاً وهو يغنّي !  يقفز الدرجتين والثلاثة! لقد اكتسب لياقة بسبب مسافة الكيلوين اللذين سعاهما بين المحلّين !!
  وصل إلى الدور العاشر وهو يلهث من شدّة القفز! دخل على الموظف شارحاً  له التعب والإعياء اللذين لقاهما هذا الصباح الندي!
ودون أن يعير الموظف انتباهه لنعمان … قاطعه :
– هل أحضرت الأوراق ؟!
– لا .. ولكن الكهرباء رجعت أليس كذلك ؟!
 
قال الموظف بكل برود :
– لا ندري … ربما تنقطع مرة أخرى بعد قليل!!
 
طلب نعمان من الموظف لاهثاً رقم الفاكس الذي بجانبه ، فأعطاه الموظف الرقم وأخبره بأنه يوجد لديه صفر داخلي إن أراد الاتصال بأحد !!
تهلّلت أسارير وجه نعمان ، وعاد إليه الأمل الذي كان يشعر بأنه بعيد جداً ، حينما فكّر في أنه سيعاود كرّة السعي والدعك! كادت أن تتقطّع أشداقه فرحاً !! لقد سهل الأمر وسيتصل بأخيه ليرسل له الأوراق …
اتصل بأخيه لقمان وأعطاه رقم الفاكس ، وطلب منه أن يرسل الأوراق بأقصى سرعة !
انتظر نعمان أن يأتي مرسول الفاكس ، ولكن المرسول لم يصل !
ثم انتظر ساعة أخرى ، إلا أنه لم يصل !!
وبعد ذلك اتصل بأخيه… فأخبره لقمان أن الفاكس في المقرّ لا يستقبل !
ذكر نعمان ذلك على الفور للموظف ، فأخبره الموظف أن جهاز الفاكس صالح ويستقبل الإرساليات !
 اتصل الموظف من هاتفه المحمول على رقم الفاكس ، واختار وضعيته على السماعة الخارجية ، فسمع نعمان صوت التوزيع الموسيقي للفاكس ، الذي لأول مرّة يسمعه في حياته ، وتطرب له أذنيه!!
اتصل بأخيه مرّةً أخرى وأخبره بذلك ، فذكر لقمان بأن العطل قد يكون من الجهاز المرسل ، لذا سيقوم بالذهاب إلى محلٍ آخر لإرسال الأوراق .
انتظر نعمان ساعةً ثالثة! ولكن المرسول أيضاً لم يصل! حينها دخل موظف آخر ، ونعمان يتناقش مع الموظف ، فقاطعهم:
– هل طلبتم من أحدٍ أن يرسل أوراقاً على هذا الجهاز ؟!
– نعم …
قالها نعمان بسرعة ، وكررها معه الموظف ببطئ .
– ولكن الفاكس لا يعمل!! لقد تعطّل بالأمس!!
وبدت الحسرة على وجه نعمان ، فاسترسل الموظف الواقف قائلاً:
– إن كنت تريد جهاز فاكسٍ آخر ، فاستخدم جهاز الفاكس في مكتبي بالدور الأول!!!
 
نزل نعمان يتبع الموظف الآخر ، كالصغير الذي يتبع والده وهو منهك من  المشي ! وحين وصلا الدور الأول ، رأى نعمان كرسياًًً بجانب طاولة الموظف يجلس عليه الضيوف …
حين أراد نعمان الجلوس على الكرسي ليقوم بعادة الدعك التي اكتسبها صباح اليوم ، قال له الموظف مستذكراً :
– ياإلهي ..! لقد نسيت أن تتصل بأخيك لتعطيه رقم الفاكس في مكتبي !!
فضرب نعمان بيده على رأسه متحسّراً ، ومصدراً صوتاً مثل صوت القطّة التي تتوجّع !
صعد السلّم قفزاً كما في المرّة الأولى ، ولكنها أسرع ! … لقد أكسبه المشي لياقة أكثر جعلته يلهث أكثر ، والعرق يتصبّب من جسمه بغزارة أكثر في أماكن التعرّق !
حين وصل إلى الدور العاشر ، وجد مكتب الموظف مغلقاً ! … ثم سأل شخصاً يسير بالممر عن الموظف الذي يعمل في هذا المكتب ، فأخبره بأن الدوام قد انتهى!!
– يتوجّب عليك الحضور الأربعاء القادم !
– لماذا لا أحضر غداً ؟!!
– ها ها ها …!! غداً الخميس وبعد غدٍ الجمعة ، وللختم يوم مخصص هو الأربعاء فقط من كل اسبوع!!!


مرّت أربع أربعاءات ، ومازالت هناك مشكلة لأوراقٍ أخرى ، مثلما كانت هناك مشكلة للأوراق الأولى التي طلبها الموظف ، ذلك الموظف الذي يعمل ولا يعمل في الدور العاشر  بالمقرّ ، وفي لحظة سأل نعمان نفسه : لماذا تتكرّر عليه المشاكل كما أنها تتوالد وتتكاثر بطبيعتها؟!!
حين دخل الأربعاء الرابع على الموظف في مكتبه ، وقد ضم في إبطه الأوراق التي طلبها كاملة ! أخبره الموظف بعد أن فحص الأوراق بتمعّن ، أنه مازال ينقص الكثير ليختم على الشهادة! وأثناء ذلك انقطعت الكهرباء!
ومن غير تردّد دسّ نعمان يده المرتعشة في جيب بنطلونه الأيمن ، وأخرج منها بعض النقود الورقية الملفوفة والمتّسخة ، ومعها عدداً من العملات المعدنية الصدئة التي تخرج منها رائحة نتنة .
 وشاهد كيف أن حذاءه الجميل قد اتسخ بالكلّية ، حتى اعتقد أنه قد تغيّر لونه أو هكذا صنع! وكذلك بدلته الأنيقة قد جاءها شيء من الوحل الملتصق بالأماكن الحسّاسة!
وكأن يده فقدت ارتعاشها فجاءة … قدّم نعمان بكل ثقة تلك الأوراق النقدية والعملات المعدنية للموظف الذي أخذها دون تردّد!
أخرج الموظف على الفور ختماً بحجم الإبهام ، وقام سريعاً على غير عادته بختم الشهادة والتصديق عليها أيضاً !!
أخذ نعمان الشهادة دون أن يشكر الموظف ، وتوجّه إلى الباب ليخرج منه وهو يقلّب بصره في جوانب المكتب ليودّعه الوداع الأخير!
– الآن عرفت من هم الإنفصاليون!!
وبينما يحدث نعمان نفسه أضاء نور ساطع من هاتفٍ محمول فوق طاولةٍ بقرب الباب ، وحينما اقترب منه قرأ على شاشته (جاري الشحن) ! ثم سمع مباشرةً صوت جهاز الفاكس يعمل ، ويخرج من جوفه أوراقاً مكتوباً عليها الكثير من الكلمات باللون الأسود ، يحيط بها عدداً من رسوم الجداول !
 فأدار نعمان ظهره للباب واستقبل الموظف … ثم نظر إلى السقف ، فرأى الأنوار مضاءة جميعها كأنما هو احتفال عشيّة الواحد والثلاثون من اكتوبر!! ولم يحسّ بوجود ذلك المصباح المتدلّي من سلكٍ يريد أن ينقطع !
توقف الموظف عن عدّ النقود لينظر إلى نعمان نظرة تأمل … فقال نعمان بصوتٍ متــّزن يملؤه الغموض والحزن:
– لو أنني قمت بالدفع قبل انقطاع الكهرباء … لخـُتِمتْ شهادتي منذ أوّل أربعاء!!!


للتواصل , وإبداء الرأي
[email protected]
الرياض


تعليقات 1

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قصة قصيرة – أوّل أربعاء

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول