قصة قصيرة ، عشاق الخريف


 بسم الله الرحمن الرحيم
تحية مختلفة ليست ككل التحايا لكل أعضاء قروب أبو نواف ، للمرسل وللمتلقي معاً ..
أرجوا لكم مع هذه الإشراقة صباح هادىء يملىء أرواحكم بالراحة ، بالمودة ، بالخير،،
مشاركتي هي الأولى هنا ، وأتمنى أن لا تكون الأخيرة ،،
لن نبحر بعيداً ولكن سنقف هنا قليلاً في إنتظار غروب الشمس ، دوماً أهلاً بكم ،،

رنين المنبة بدد السكون ، ضجيج يقول له إنهض يا كسول ، كفاك نوماً فقد أطل يوم جديد ، أطفئ المنبة عدة مرات كالعادة عله ينال قسطاً إضافياً ..
قام متكاسلاً ، مشى عدة خطوات مترنحة نحو زر الإضاءة فالمكان ما زال معتماً ،
رمق ساعة الحائط بنظرة خاطفة ثم خرج متوجهاً إلى دورة المياة ، بينما هو في طريقه رأى صوراً كثيرة على الأرض ،
تتبدل بإستمرار ، تتلون تارة ، وتارة تصبح عتيقة ، فرك عينيه محاولاً عدم بدء يومه بهذه الصور القذرة ،
عاد إلى الغرفة بعد أن أخذ حماماً دافئاً ، بدل ملابسة بسرعة ثم ألقى نظرة سريعة إلى غرفته ثم أغلقها ودلف خارجاً ..
بينما هو في طريقه عادت إليه الصور تتشكل أمام عينيه ، ضرب مقود السيارة بقوة بكلتا يديه ، وقال متذمراً : كيف يعيش مثل هؤلاء بيننا كيف ؟
سمع صوتاً عميقاً يهمس له :
ألم تعتد على ذلك بعد ، لقد مضت سنين طويلة وما زلت تٌصر على أن لا تنس !!
من مثلك الآن أصبح قائداً في هذا المجال ، كان محدقاً في تفاصيل الطريق والأسى يعلو محياه ..
أجاب بصوت غاضب وكأنه يحدث احداً بجانبه ، هل يوجد عاقل يعتاد على كومة رذيلة ، تباً له وتباً لهم ، وتباً لعشاق الخريف ..
لقد أذبوا الأوراق ، إنهم مرضى !! صمت لِ لحظات ثم قال بصوت أقل حدة ، كلا المرضى طيبون ، لا أعلم لما يلصقون كل شيء بالمرض ..
لقد جمل البعض حالهم بإطار المرض ، حتى يعذرهم الغير ..
قطع حبل أفكاره سيارة أمامه توقفت بشكل مفاجىء ..
آاااااه ، يكاد يقتلني هذا الإزدحام المتكرر ، روتين إعتدنا عليه وأصبح يخدرنا يوماً بعد يوم ، ولا نملك معه إلا الصبر لكي نعيش ..

نظر جهة اليمين فإذا بطفلة تنظر له من خلال نافذة سيارة فارهة ، كانت تنظر له نظرات غريبة ، لا يعلم سر تلك النظرات لكن ثمة شيء فيها ..
حدق طويلاً في ملامحها البريئة ، ونظرت الصمت المُهيبة التي تعلو محياها ، ظن للحظات انها طفلة له أجبرته الظروف على وداعها قسراً ..
وكعادة الصغار لهم القدرة على رسم الأسى بإتقان ، إنفك الزحام ..
نظر إلى الطريق بسرعة ثم عاد وحملق في تلك الصغيرة لعله يفهم سر ذلك الأسى ، نظر إليها وقال هامساً في داخله :
ما زلت صغيرة على الحزن والأسى ..
نظر إلى السائق فلم يلحظ شيئاً يدعو للريب ، أوشكت سيارتها على الإبتعاد في طريق آخر ، رمقته الصغيرة بنظرة باسمة !!
ربما تحاول طبع صبغة جميلة ، وعلى أفكاره ، قال محدثاً نفسه : ربما تحاول تخديري بعين الرضا والأمل !!
كلا فما زالت صغيرة على فهم تلك المقاصد ، رفعت الطفلة يدها ملوحة بالوداع وهي باسمة ، وما هي إلا ثوان قليلة حتى توارت تلك السيارة ولم يعد يراها ..
نظر إلى المرآة وبدأ يرى تفاصيل وجهه ، لم يرى شيئاً هاماً ، كما أنه لا يملك وجهاً طفولياً ، قال مواسياً نفسه :
آه ربما كنت أشبه أحداً تعرفه ، لا يهم لقد رحلت الآن ، سأعترف لقد خدرتني ..
ركن السيارة وترجل منها مسرعاً فساعة يده تجاوزت الثامنة وبضع دقائق ،
رفع رأسه محملقاً في المبنى الضخم ، قال لنفسه : لا أعلم لما يراودني الخمول كلما تذكرت ذلك الروتين الممل ..
ذات يوم أحدهم قال له مبتسماً : هون عليك فما زال أمامك 30 عاماً أخرى ..

مرت ثوان قليلة حتى حضر المصعد ، وجد الفرصة مواتية للتحديق في مرآة المصعد وهو يحدث نفسه بالصبر والتهوين ..
ثم أردف قائلاً لنفسه أتعلم لماذا يجب أن تهون على نفسك ؟!
نظر إلى وجهه في المرآة بصمت ينتظر جواباً يعرفه ،
لأنها حياتك فأقبلها ورحب بها ، إستمتع بساعاتها ، إجعل منها مراحل مغامرة جريئة لا تنتهي ،
فصول كثيرة وأحداث متتالية ، وقائع ، دروس ، سمِها ما شئت ..
ستكون مثيرة بلا شك ..

توقف كل شيء بتوقف المصعد عند أحد الأدوار فإذا هو رجل مُسن إعتاد رؤيته بين فترة وأخرى ..
صافحه بحرارة وبإبتسامة مشرقة ، وكأنه صديق قديم لم يره منذ سنين ، خالجه شعور جميل تجاهه ،
سبحان الله تخلى عن كل شيء إلا إبتسامته التي أبقاها في وجة الظروف ..
ربما وجدها هي المخلِص الوحيد والعزاء الذي تنالها فيها نفسه بعد جهد السنين المُضني ، بعد سنين طويلة قضاها هنا ..
إسترق بعض النظرات إلى تفاصيل الرجل ، بدأ متيقناً أن هناك روح طيبة بداخله ، بسيطة صابرة ، تنشد الخير وتحبه للغير ..
بدأ يردد في داخله ( ما شاء الله وبارك ) لقد بدأ عالِماً بكل رموز الحياة بتفاصيلها المزعجة والجميلة ، سبر أغوارها وأستفاد جيداً من تجاربها ..
عرف كيف يسير وإلى أين ينتهي به المسير ..
توقف المصعد مرة أخرى ورحل الرجل ، أطلق ضحكة خافتة وهمس قائلاً لنفسه :
لقد رسمت حياة الرجل بمجرد وقوفه أمامي لِ لحظات !!
توقف عن التفكير برهة وقال بصوت مسموع : إنه ولا شك كذلك ..
وصل إلى مكتبة ووضع ما بيده وحمل كوباً ليشرب بعض الماء ، بينما هو يشرب إذا بصوت يناديه من الخلف ..
أهلا عبدالله ، صباح الخير ..
صباح النور أحمد ..
هل علمت أن خالد قد إنتقل إلى مكتب آخر بعيداً عنا !!
لماذا إنتقل ؟! يبدو ذلك الرجل طيباً ..
نظر أحمد إليه بعين متضايقة وقال : إنه
الحِقد يا رفيقي ..

تمت ..

تأليف / عبدالله القحطاني – أبو تركي
18 / 2 / 1429 ه


تعليقات 7

  1. ماشاء الله تبارك الله … قصه قمه بالروعه اعجبني اخر شي بالقصه وعن كيف الواحد يحس بالاشخاص بينما هم اشخاص ثانين ربي يوفقك بـ هالمجال ومنها للاعلى بـ اذذن الله

  2. :(رووووعة احسست بالحروف تحفر بلارض ابداع رروعة وتحليق بارع الله يوفقك بالطريق هذا واستمر فانت انسان تشعر بغيرك . مودتي :~

  3. جميل منك هذا القلم الرائع ..أسلوبك شيق وممتع .يشد الانتباه من الوهلة الأولى.استمر على مانت عليه فهناك من ينتظر منك هذا . ..لك مني كل التحايا.

  4. اعجبت جداً بطريقة سرد القصة ,, والأحاسيس التي تواجد بها كانت جداً رائعه ,, بارك الله لك بقلمك .. تحيتــي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قصة قصيرة ، عشاق الخريف

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول