[[ فاتن و مفتون ]]


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده … أما بعد :
.. [[ فاتن و مفتون ]] ..

(( 1 ))
فهذه دمعات ٌ ضاقت بها المحاجر ,,
وزفرات ٌ وأنات ٌ حشرجت في الحناجر ,,
عجز عن نطقها اللسان ..
فآثرت الكتمان . . .
فترة ً من الزمان ..
ولما تمادى الخلان ,, وضجر الجنان ,,
عندها نفد الصبر ولزم البوح ..
فسكبتها حبرا ً على ورق المحابر ,,
وجعلتها رسالة لأولي البصائر ,,
و ملأتها من المواعظ والزواجر ,,
هي خواطر بل مخاطر ..
هي مسالك بل مهالك ..
هي كلمات بل لكمات موجعات ,, وضربات قاضيات ..
خرجت من القلب صادقة . .
لعلها أن تلقى قلوبا ً واعية ,, وآذانا ً صاغية ..

(( 2 ))
إليك .. يا كريم السجايا والصفات .
إليك .. يا نبيل العطايا والهبات .
إليك .. يا لبيب ,, يا أديب ,, يا كريم ,, يا شهم . . .
إليك .. يا معلم الأجيال .
إليك .. يا صانع العباقرة ,,
إليك .. يا مربي العقول ,,
إليك .. يا قدوة الطلاب ,,
إليك .. يا شمعة الأمل .. يا عماد المدارس .. يا قنديل الضياء ..

(( 3 ))

أسحرتك تلك العيون !!
أم سلبت لــُبـَّك تلك الجفون !!
ويحك !! أفق يا مجنون !!
قبل أن يدركك المنون .
فتندم .. حين لا ينفع ندم ولا بنون …

(( 4 ))
أتظنها موارد الظمآن ؟؟
أم تريد أن تكتحل العينان !!
أما علمت أنها مسالك الشيطان ؟!
يغوي بها الإنسان ,,
حتى يورده لظى النيران ..

(( 5 ))
كان كثيرا ً ما يتحدث عن تلميذه (( فلان )) ..
مع الطلاب .. مع المعلمين .. مع الزملاء .. والإخوان ,,
وغيرهم .
أحيانا . . . يذكر مواقفه ,, أو رسائله ,, أو ذكرياته معه ,,
أو يذكر سلبياته وإيجابياته ,,
ولربما سألك عن مستواه ؟؟ وكيف هو عندك ؟؟
وهل سبق أن حصل لك موقف معه ؟
بالله عليك أخبرني به … ومتى كان ؟؟ وكيف ؟ ولماذا ؟ وماذا صنعت له ؟ وكيف صنع هو بعدها ؟ ثم ماذا حصل !!
عجـِّـل علينا .. هات ِ الخبر بالتفصيل والتطويل !!
ولا تختصر ولا توجز !!
وأحيانا يشفع له عندك .. أو يشفع لك عنده !!
يستل الحديث منك عنه استلالا ..

ولطالما قدمه واختاره عريفا ً ومذيعا ً ومنسقا ً ومقررا ً و((كابتناً))
ومشجعا ً وحاملا ً ومحمولا ً ومشرفا ً ومندوبا ً ونائبا ً ومصححا ً ومراسلا ً
وحارسا ً وضيفا ً ومضيفا ً وزائرا ً ومزورا ً . . . .

يبتسم في وجهه ,, ويعبس في وجه غيره !!
أسلوبه معه جميل ,, ومع غيره قبيح !!
صوته معه تغاريد البلابل وزقزقة الطيور ,,
ومع غيره نهيق الحمير !! وفحيح الثعابين !!
النظرات بينهما كثيرة ,,
والمراسلات مثيرة !!
والعواطف مريبة …!!
بالمدرسة ,, وفي الجوال ,, وعلى الإيميل !!

(( 6 ))
المسكين يظن نفسه سيهديه !!
وأنه بريء من كل شبهة أو فتنة …
بل قد جزم أنه معصوم وطاهر ومطهر وذو قلب زكي تقي نقي !!
يظن أن قربه منه فيه كل الخير ..
وأنه لابد من احتوائه بشتى الطرق وجميع الوسائل ..
طرقا ً طرقها له إبليس .. و وسائل سولها له … !!
كل أعماله من جنود إبليس ..
كلا يا سفيه ,,
فأنت الذي إبليس من جندك !! والشياطين من قومك !!
قد قلبت الحق باطلا والباطل حقا ً ..
وغررت نفسك .. وخدعت فؤادك !!
وضحكت بعقل صاحبك الطاهر ..
و اختطفت قلبه الزاكي ,,
واستحوذت على المشاعر ..
فويل لك ثم ويل ..
(( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ))

(( 7 ))
أيها الصاحب :
ويحك !! ما أصابك !!؟
ما كل هذا التغاضي والتغابي والتمادي !!
أغباء ذلك !؟
أم وقاحة تلك ؟
أم خيانة للأمانة ؟
قد غضينا الطرف عنك مرارا ً . . فرأيناك تعود تكرارا ً !!
أحسنا بك الظن كثيرا ً . . فما زلت مريبا ً مثيرا !!

ويحك !! أجبني ؟!
أكل هذه الرسائل في الله ؟؟ ولله !!
أم كانت نشوة ً وشهوة ً ورغبة ً ولذة ً وأملا ً وسرابا ً تظنه ماء ً قد جرك إليه إبليس وجعلك كالتيس في كيس !!

أتريد أن تعلم هدفك وقصدك أين يكمن ؟؟
وفي أي الخيارين السابقين يكون ؟

إذا أردت أن تعلم ذلك فاسأل نفسك هذا السؤال :
(( ماذا لو كان الذي يراسلني فلان ؟ ))

ثم ضع في ذهنك ومخيلتك أقبح صورة وأبشع طالب رأته عيناك !!

ثم قل :
(( أكنت ُ سأرسل له وأرد عليه وأمازحه بتلك العبارات الرقراقة والابتسامات الفتانة مثل صاحبي فلان ؟!! ))

بالله عليك أجب بصدق !!
وتذكر أن محاسب ومسؤول
فاحذر أن تكون فاتنا ً أو مفتونا ً ,,

(( 8 ))
فإن قلت فما يصنع من انتزع منه قلبه انتزاعا و راح مع صاحبه من غير أن يشعر إلا وهو عبد ٌ بين يديه !! خادم مطيع ٌ كأنه مسحور أو به مس من الجان !!
فتعال معي لنقرأ الجزء الثاني من الحكاية ..
ففيها بإذن الله الشفاء والوقاية .

(( 9 ))
كان يتحدث مع صاحبه عن بعض المعلمين الذين يتعلقون ببعض الطلاب ,, وأسباب ذلك , ومظاهره , وغيرها . . .

فقال صاحبنا :
والله إنها لمشكلة ٌ عظيمة ومصيبة كبيرة !!
نسأل الله العافية ,, ولكن أتعرف ما هي المصيبة الأخرى ؟

فقال صاحبهم :
وماهي المصيبة الأخرى ؟

صاحبنا :
هي أن يتعلق الطالب بالمعلم !! وليس المعلم بالطالب ,,

فقال صاحبهم :
عجبا ً !! وهل يحدث هذا ؟ وكيف ؟

فأجابه صاحبنا :
العجب منك أنت يا صاحب .. ولماذا لا يحدث ؟؟
أتظن أن طلابنا جمادات أو حيوانات لا تملك مشاعر ولا إحساس !!
نعم ,, أخي العزيز .. قد يتعلق الطالب بالمعلم ,, ويصبح معلمه هو شغله الشاغل ..
يفكر فيه ,, ويسأل عنه ؟ وإذا غاب افتقده وبحث عنه ,,
يهاتفه .. يراسله .. يتصنع الأسئلة له ..
يأتيه بحقيبته وأقلامه ودفاتره ..
والمعلم قد يشعر بهذا , وقد لا يشعر ولا يحس بشيء البته !!

صاحبهم :
وهل يكون تعلق الطالب بالمعلم لنفي الداعي الذي يجعل المعلم يتعلق بالطالب ؟

صاحبنا :
لا يا عزيزي .. الكبير له مقصد وهدف بعيد .. وهو يدرك ويعي ما يفعل .. أما ذلك الصغير المسكين .. فمن غير قصد خبيث أو هدف بعيد ..
هكذا فقط تعلق قلبه به .

قال صاحبهم :
حسنا ً ,, ولكن ما السبب ولماذا يحدث هذا التعلق ؟؟

صاحبنا :
لهذا التصرف وهو التعلق سببان :
أحدهما : (( المعلم ))
ويكون ذلك بقصد منه أو بغير قصد ,, فيكون هو السبب بطيبته ومزحه الكثير وأسلوبه الشيق وحركاته المتعة ومعاملته الميزة . . .
فيكون هذا المعلم محبوبا ً لدى الطلاب مرغوبا ً عندهم فيميلون إليه ويحبونه ..
لكن قد يزيد هذا الحب فيكون ميلا ً .. وقد يزيد فيكون إعجابا .. ثم إن زاد أكثر صار تعلقا ً وهياما ً !!

السبب الثاني : (( الطالب ))
قد يكون الطالب مرهف الإحساس ,, بالغ المشاعر ,,
لم يرع َ الغنم ولم يحلب النوق ..
فتأسره كلمة !!
وتخطفه هدية !!
وتشعله درجة !!
وتطربه مزحه !!
وتطيره ابتسامة !!
خصوصا ً إذا كان الطالب ذا قلب خاو ٍ من الحب ,, وفارغ ٍ من الحنان والعاطفة منذ أن كان طفلا …
فتكون حاجته أكثر .. وتقبله أشد وأعظم .

وقد يجتمع الأمران :
معلم طيب ,, وطالب أطيب .. فيكون :

(( فاتن ومفتون ))
أو : (( مفتون وفاتن ))
أو : (( فاتن وفاتن ))
أو : (( مفتون ومفتون ))

صاحبهم :
إذن .. ما الحل وما الدواء ؟

صاحبنا :
أولا ً :
ينبغي أن تعلم أن كثيرا ً من الطلاب هكذا .. قد يعجبون ويتعلقون بلحظة ,, وقد يغضبون ويكرهون بلحظة ..
هكذا هم ..
لهم مشاعر وأحاسيس على قدر أعمارهم تناسب عقولهم و تفكيرهم ..
بمعنى :
أنها موقوتة محدودة ..
أغصان ٌ دقيقة .. وأعواد دقيقة ,,
فحاول ألا تكسرها ..
وحاول أيضا ً ألا تنميها وتزيدها جمرا ً على جمر !!

وشد الحبل جيدا ً ,, وكن جادا ً حريصا ً واستعن بالله ,, وأكثر من الدعاء ,,
وتعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ..
واسأل الله العصمة ,,
وقل :
اللهم إني أعوذ بك من الفتن .
اللهم اعصمني وأجرني والطف بي ..
اللهم اقطع تعلق قلبي بأحد سواك .
اللهم اقطع تعلق قلبي بأحد من خلقك ..
اللهم وفقني لما تحب وترضى .

ثانيا ً :
غير من طريقتك وأسلوبك .. عامل الطلاب على حد ٍ سواء ,, ولا تفضل أحدا ً منهم على الآخر بلا سبب مقنع ..
بل لا بد أن يشعر أنه كغيره ولا سبب للتعلق ولا داعي له إذن .

ثالثا :
لا تبادل المشاعر بالمشاعر والرسائل بالرسائل .. فتزيد الطين بله وتشعل النار وأنت لا تعلم ..
وكل ذلك صيانة ً لك ولقلبك من مسالك الشيطان أولا ً .
وصيانة ً لعرضك ثانيا ً .
وحفظا ً لهذه الأمانة التي بين يديك .

وتذكر أن الطلاب يرون ما لا ترى , ويسمعون ما لا تسمع , ويقولون ما لا تعلم .
فنظراتك محسوبة ..
وابتساماتك معدودة . .
وحركاتك مشهودة ..
فوزعها بالعدل ..
وزنها بالقسطاس المستقيم .
ثم تخيل أن هؤلاء أبناؤك .. فهل ترضى لهم ذلك ..
عاملهم كما تحب أن يعامل أبناؤك .. بحب أبوي صادق ..
حينها سيزول ذلك كله بإذن الله ,,

رابعا :
لا يفهم من كلامنا السابق أنه يجب علينا أن نهجر الطلاب ولا نكلمهم ,, أو نعبس في وجوههم ولا نضحك لهم …
لا لا ,, ليس كذلك .. بل هم فلذات أكبادنا وثمار قلوبنا ..
هم زهرة الحياة ,, هم نجوم السماء .. وروض الأرض ..
نبتسم لهم ونمازحهم ونضحك لهم ونساعدهم في كل ما يحتاجون إليه.

وختاما :
ألا فليتق الله كل معلم يتلاعب بمشاعر طلابه ..
فيأسر قلب هذا ,, ويفتن هذا ,, ويخطف لب ذاك ..
يشد على هذا ,, ويرخي لذاك !!
بحسب هواه وشهوته ..
ألا فليجعل مراقبة الله فوق كل شيء ..
وليتذكر أنه محاسب ومسؤول ..
الموضوع مهم للغاية .. ولا تكفيه هذه الأسطر .. لتشعبه ..
ولكن أسأل الله أن ينفع بها .. وأن يبارك فيها ..
تمت بحمد الله ..

كتبه :
محبك : السياسي .
الرياض
12 / 11 / 1428 هــ
 


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[[ فاتن و مفتون ]]

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!
ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول