علماء الأمة (10) : حُجّة الإسلام “أبو حامد الغزالي”


نعود لكم من جديد في سلسلة “علماء الأمة” وهي سلسلة أسبوعية أطلقناها لنتحدث وإياكم عن أعظم من نهل من العلم وردَّ لهذا العالم بعضاً مما فتح الله به عليه، فتاريخنا وحاضرنا يزخر بمن يستحقوا أن نتذكرهم ونتحدث عن عظمة إنجازاتهم.

أبو حامد الغزالي

أبو حامد الغزالي الطوسي النيسابوري، أحد أهم أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في التاريخ، ويعتبر مجدد علوم الدين الإسلامي في القرن الخامس الهجري (450 هـ – 505 هـ)، يُكنّى بأبي حامد لولد له مات صغيراً، ويُعرف بالغزّالي نسبة إلى صناعة الغزل التي كان أبوه يعمل بها. وُلد عام 1058 ميلادي في مدينة طوس التاريخية الأثرية الإيرانية، وعاش فيها ثم إنتقل إلى نيسابور ليلازم أبا المعالي الجويني، فأخذ عنه معظم العلوم، ولمّا بلغ عمره 34 عاماً، رحل إلى بغداد وعمل في مجال التدريس في المدرسة النظامية في عهد الدولة العباسية، بطلب من الوزير السلجوقي نظام الملك، وصار مقصداً لطلاب العلم الشرعي من جميع البلدان، حتى بلغ أنه كان يجلس في مجلسه أكثر من 400 من أفاضل الناس وعلمائهم يستمعون له ويكتبون عنه العلم.

خريطة

بعد 4 سنوات من التدريس قرر الغزّالي إعتزال الناس والتفرغ للعبادة وتربية النفس، متأثراً بذلك بالصوفية وكتبهم، فخرج من بغداد خفية في رحلة طويلة بلغت 11 عاماً تنقل خلالها ما بين دمشق والقدس والخليل ومكة المكرمة والمدينة المنورة، كتب خلالها كتابه المشهور “إحياء علوم الدين” كخلاصة لتجربته الروحية، عاد بعدها إلى بلدته “طوس” متخذاً بجوا بيته مدرسةً للفقهاء ومعبداً للصوفية للتعبّد والعزلة.

(صندوق لقلم يعود للإمام الغزالي، موجود في متحف القاهرة)

صندوق لقلم يعود للإمام الغزالي

كان الغزّالي فقيهاً وأصولياً وفيلسوفاً، وقد عُرف كأحد مؤسسي المدرسة الأشعرية السُّنيّة في علم الكلام، وأحد أصولها الثلاثة بعد أبي الحسن الأشعري، لُقّب الغزّالي بكثير من الألقاب في حياته، أشهرها لقب “حُجّة الإسلام”، ومن ألقابه أيضاً: زين الدين، محجّة الدين، العالم الأوحد، مفتي الأمّة، بركة الأنام، إمام أئمة الدين، وشرف الأئمة. وبرع الغزّالي في عدة مجالات كغيره من علماء عصره، لكن كان له أثر كبير وبصمة واضحة في الفلسفة والفقه خاصة في المذهب الشافعي، وعلم الكلام، والتصوف والمنطق، وكتب في هذه المجالات عشرات الكتب الموجودة إلى يومنا هذا.

(بناء تذكاري للإمام الغزالي)

بناء تذكاري للإمام الغزالي

ووصفه شيخه “أبو المعالي الجويني” بأنه (بحر مُغدِق)، وكان الجويني يُظهِر إعزازه بالغزالي، حتى جعله مساعداً له في التدريس، وعندما ألّف الغزالي كتابه “المنخول في علم الأصول” قال له الجويني: “دفنتني وأنا حيّ، هلّا صبرتَ حتى أموت؟”.

الإمام الغزالي

كان من أشهر مؤلفاته في التصوف كتاب “إحياء علوم الدين” الذي قد حاز على شهرة وإنتشار ما لم يقاربه أي كتاب من كتبه الأخرى حتى صارت نسخه المخطوطة مبثوثة في مكتبات العالم، وقد امتدح الكتاب غير واحد من علماء الإسلام. وسبب تسمية الكتاب بإحياء علوم الدين هو القناعة التي وصل لها الغزالي بأن العلم والفقه الحقيقي هو الذي ينعكس على سلوك الإنسان نتيجة يقينه بأن الآخرة خيرٌ من الأولى، وهو بذلك يذم ما يسمى علوماً دينية وتبنى على الإغراق في التفاصيل الفقهية وترتيب المناظرات والفوز بها.

احياء علوم الدين

وقد كانت مدرسة الغزالي تضم عشرات التلاميذ الأذكياء وقد أثّر تأثيراً كبيراً في جمهور كبير من تلاميذه أمثال: أبو النصر الخمقدي، وأبو منصور العطاري، وأبو بكر بن العربي وغيرهم. ألّف الغزالي مدة حياته الخامسة وخمسين عاماً الكثير من الكتب في مختلف مصنفات العلم، حيث بلغت مؤلفاته 228 كتاباً ورسالة، ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود.

(كتاب “إحياء علوم الدين” من أهم كتب الغزّالي)

إحياء علوم الدين

ومن أشهر عنواين كتبه في المجالات المتنوعة، أولاً في العقيدة وعلم الكلام والفلسفة والمنطق، “الإقتصاد في الإعتقاد” ، “إلجام العوام عن علم الكلام” ، “بغية المريد في مسائل التوحيد” ، “معيار العلم في فن المنطق” ومن كتبه في مجال علم الفقه وأصوله وعلم الجدل: “البسيط في الفروع”، “الوسيط، في فقه الإمام الشافعي”، “المنخول في علم الأصول”، “تهذيب الأصول” وفي مجال علم التصوف كتب: “إحياء علوم الدين”، “بداية الهداية”، “كيمياء السعادة”، “الأربعين في أصول الدين” وأخيراً هذه بعض الكتب المنوعة له مثل: “المنقذ من الضلال”، “حقيقة القرآن”، “الحكمة في مخلوقات الله”، “جواهر القرآن ودرره”.

(مخطوطة قديمة لكتاب “كيمياء السعادة”)

كيمياء السعادة

تُوفّي الإمام الغزالي يوم الإثنين 14 جمادي الآخرة 505 هجري، الموافق 19 ديسمبر 1111 ميلادي. في مسقط رأسه “طوس” وقال أخو الغزالي بأن أبو حامد توضأ وصلّى ثم قال لهم “عليّ بالكفن” فأخذه وقبّله، ووضعه على عينيه وقال: “سمعاً وطاعة للدخول على الملك”، ثم مدّ رجليه واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار. وكانت وصيته التي أوصى بها أصحابه وظل يكررها حتى مات (عليك بالإخلاص).

(قبر يُعتقد بأنه يعود للإمام الغزالي)

قبر يُعتقد بأنه يعود للإمام الغزالي

(ملاحظة الفيديو يحتوي على موسيقى الرجاء خفض الصوت)

تعليقات 1

  1. حال ابو حامد الغزالي رحمه الله

    الذي اعلم عليه انه كان صوفيا ثم تراجع فيجب التحذير من كتبه
    وليست منتشرة ربما تقصدين كتب ** محمد الغزالي المعاصر **
    قد روي عن الغزالي التراجع عن تصوفه و عقيدته الفاسدة ونحن نرجو له الرحمة ولكن بيان ما هو عليه علمه الذي سطره في كتبه واجب بالاتفاق فيجب التحذير والتنفير عن علمه….

    وايضا الغزالي رحمه الله كما نقل عنه أنه تراجع آخر حياته عن طوامه وعقيدته الفاسدة لايمنع أن يتم التحذير من كتبه التي فيها الطوام والأحاديث الضعيفة والموضوعة رحمة به حتى لايتحمل آثام من بعده ورحمة بالعوام حتى لايغتروا بكلامه الذي لم يكن على أساس السنة لأنه تأثر بالصوفية وعلم الكلام في حياته …

    سئل شيخ الإسلام عن كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين فأجاب بقوله :
    ” أما كتاب ( قوت القلوب ) ، وكتاب(الإحياء) تبعٌ له فيما يذكره من أعمال القلوب مثل الصبر والشكر والحب والتوكل والتوحيد ونحو ذلك ، وأبو طالب أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد الغزالي ، وكلامه أَسَدُّ ، وأجود تحقيقاً وأبعد عن البدعة ، مع أنَّ في قوت القلوب أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة ، وأما ما في الإحياء من الكلام في المهلكات مثل الكلام على الكبر والعجب والرياء والحسد ونحو ذلك فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في الرعاية ، ومنه ما هو مقبول ، ومنه ما هو مردود ، ومنه ما هو متنازع فيه ، والإحياء فيه فوائد كثيرة لكن فيه مواد مذمومة ، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد ، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين ، وقد أنكر أئمة الدين على أبى حامد هذا في كتبه ، وقالوا مَرَّضَهُ ” الشفاء ” يعنى شفاء ابن سينا في الفلسفة .”

    قال الإمام أبو بكر مُحمد بن الوليد الطرطوشي -عن إحياء علوم الدين-: وهو -لعمرو الله- أشبه بإماتة علوم الدين. سير أعلام النبلاء (19/495).

    قَالَ القَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه: وَالشَّيْخ أَبُو حَامِد ذُو الأَنْبَاء الشَّنِيعة، والتصانيف العظيمة، غلا فِي طريق التَّصوف، و تجرَّد لنصر مذهبهم، وصار داعية فِي ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة،والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، فامتثل ذلك. سير أعلام النبلاء (19/327)
    قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَم بْن تَيْمِيَّة: «وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ المازري فِي كِتَابٍ أَفْرَدَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الطرطوشي، وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ المرغيناني رَفِيقُهُ رَدَّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ فِي مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ وَنَحْوِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْبَيَانِ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ وَحَذَّرَ مِنْ كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ هُوَ وَأَبُو زَكَرِيَّا النواوي وَغَيْرُهُمَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَبُو مُحمد المقدسي، وَغَيْرُهُمْ». «مَجْمُوع الفَتَاوَى (4/66).
    قال أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ: «شَيْخُنَا أَبُو حَامِدٍ دَخَلَ فِي بَطْنِ الْفَلَاسِفَةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُمْ فَمَا قَدَرَ». «مجموع الفتاوى (4/66).
    ويوجد كلام قيم للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحْمن بن حسن بن مُحمد بن عبد الوهاب رحِمهم اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا الكتاب، فِي «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (3/129):
    قال الشيخ مُحمد الإمام فِي مقال له بعنوان «أسباب الوقوع فِي الابتداع والتحزب»: (ومن ذَلِكَ «معارج القدس» لأبي حامد الغزالي مُلئ بالزندقة والحلول والاتِّحاد، وكتابه «إحياء علوم الدين» هو فِي الحقيقة هدم لعلوم الدين، وقد شحنه بالأحاديث الموضوعة ناهيك عن الضعيفة ودبجه بالعقائد الصوفية والشطحات الخرافية ودس فيه الفلسفة فلا خَيْر فيه للإسلام وأهله، ولقد أفتَى بإحراقه كثير من العلماء، ولا يصلح له إلا ذلك). اهـ

    قال الإمام الناقد الذهبي في (تاريخ الإسلام ) :
    (وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين. ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام.
    ولم يتفق له أن يروي، ولم يعقب إلا البنات).

    منقول من سحاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

علماء الأمة (10) : حُجّة الإسلام “أبو حامد الغزالي”

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول