عقدين من الزمان … بين مهاتير وصدَّام


قبل أكثر من عقدين من الزمان … كانت هناك دولتان …
أولاهما دولة زراعية فقيرة قليلة الموارد تسمى بماليزيا، والأخرى دولة غنية بل من أغنى دول العالم ذات وفرة نادرة في الموارد الطبيعية والبشرية تسمى بالعراق.
أما ماليزيا … فكان حظها في إدارة دفة الحكم فيها على مدى العقدين السابقين طبيب إنسان خرج من عيادته للبرلمان ومنه إلى منصب رئاسة الوزراء .
أما العراق المسكين … فكان حظه سفاح لا يعرف إلا لغة السلاح.
وبدأ الطبيب الإنسان يداوي علَّة الفقر في شعبة والضعف في دولته فأعزى المرض إلى الجهل وقلة العلم فاقتطع أربعين في المئة من الدخل العام واستثمره في التعليم الذي أعتبره أقوى سلاح يسلح به الإنسان وتبنى به الدول، وكان يحلم أن ينقل دولته إلى مصاف الدول المتقدمة فوضع خطة عشرين عاماً وعاش مع شعبه ودولته هذا الحلم إلى أن أصبح حلمه واقعاً ملموساً. فكان بحق قائداً حالما صنع لشعبه ودولته واقعاً مليئاً بالعز والتمكين.
أما السفاح صدام فقد استولى على دفة الحكم وأعمل سلاحه في رؤوس المعارضين منذ أول يوم ونشر الرعب والذعر في قلوب أبناء شعبه وكان حلمه يخرج من طبيعته الدموية فصنع السلاح وسحق ودمَّر الإنسان وأعاش شعبه حلمه الدموي وأدخلهم الحرب تلو الأخرى ودمرهم شر تدمير.
أما مهاتير الإنسان فبعد أكثر من عقدين من الزمان وفي قمة النجاح لدولته قرر أن يعتزل منصبة بمحض إرادته وحرصه أن يستفيد شعبه من دماء جديدة بعد أن قفز بشعبه ودولته خمسين عاماً للأمام.

أما السفاح صدَّام فقد خُلع وأسقطت أصنامه التي شيدت على أنقاض شعبه وأصبح طريداً مخلوعاً منبوذاً مكروهاً وقد دخل التاريخ وخرج من أسوأ أبوابه وما زال حتى يومنا هذا لا يعترف بجرائمه ويعتقد أحقيته في الحكم.
وفي يوم الجمعة الخامس من رمضان لعام 1424هـ الموافق 31 أكتوبر لعام 2003م ودع رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد المسرح السياسي مرفوع الرأس وقد أعتزل المنصب بمحض الإرادة وهو ودولته في القمة وقدم النموذج الإسلامي في الحكم من خلال إيمانه بقدسية العمل واعمال العقل واحترام الأديان.
وقد تجاوز مهاتير أزمات اقتصادية طاحنة كالتي عصفت بالنمور الآسيوية عام 1997م ولم يتوان عن فضح من كان يعتقد أنهم وراء هذه الأزمات لضرب العالم الإسلامي.
أما السفاح صدام فبعد أن طحن شعبه ودمرَّه وهدد جيرانه وأستنفذ طاقات دولته ودول مجاورة فقد سلَّم كل خيرات بلاده بما تحمله في أرضها من موارد طبيعية وبشرية فريسة سهلة لدول العالم كله تعبث بالعراق وأهله كيفما شاءت صباح مساء.
أما مهاتير فقد سلم دفة الحكم إلى عبد الله أحمد بدوي الرجل المعروف والملقب "بالرجل النظيف" أو "السيد حسن السلوك" الذي ولد من عائلة معروفة متدينة في ولاية جزيرة بينانغ الشمالية الغربية وحصل على بكالوريوس في الدراسات الإسلامية من جامعة ملايا أقدم جامعات البلاد، وعمل منذ 1964م في مناصب حكومية مختلفة منها ثلاث مناصب وزارية كوزير في مكتب رئيس الوزراء (1980 – 1981) ووزيراً للتعليم (1984 – 1986) ووزيراً للخارجية (1991 – 1996) وحينها صدم مهاتير عندما علم أن بدوي لا يمتلك بيتاً ولا شقه في العاصمة بالرغم من أنه تقلد ثلاث مناصب وزارية سابقة.
نعم … سَلَّم محمد مهاتير دفة الحكم لرجل نظيف أو كذلك يحسبه أهل البلاد ويشهد له تاريخ عمله وكانت آخر كلمات لمهاتير في مؤتمر العالم الإسلامي المنعقد هذا العام تأكيداً لتاريخ هذا القائد المسلم الأبيَّ. وسيتفرغ مهاتير لكتابة مذكراته وتولي رئاسة إحدى المؤسسات الفكرية التي سميت باسمه وتقديم النصيحة للحزب إن طلب منه ذلك.
أما السفاح صدام فانه مازال وإلى يومنا هذا لا يعترف بأنه قد انتهى بكل المعايير وأنه أفنى شعبه ودمَّر دولته وأكسبها العار والدمار وأعادها خمسين عاماً للوراء.
إن مهاتير لم يبن لنفسه في ماليزيا تماثيل وأصناماً وإنما بني مواقف حيه في قلوب أبناء شعبه وتاريخاً مشرقاً لدولته وأمته والعالم الإسلامي.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عقدين من الزمان … بين مهاتير وصدَّام

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول