ظاهرة البوعزيزي !!!


بالأمس كانت لي شذرات بعنوان " تونس الأبية " وهي شذرات حول ما حدث ويحدث هناك؛ وقدمتها بتعريف سريع لـ "لبوعزيزي" فأرسل لي أحد الأصدقاء الأوفياء المحبين – جزاه الله خير الجزاء – منتقدًا ما جاء في هذه الشذرات خاصة ما قام به البوعزيزي من حرق نفسه مستفهمًا عن حكم ذلك شرعًا.

حقيقة أنا لم أتطرق في تلك الشذرات عن حكم ذلك؛ ولن أتطرق له، فهذا حكم شرعي يسأل عنه أهل العلم والإفتاء، ولكن حسب علمي القاصر بأن الانتحار محرمًا شرعًا، وأنقل لكم هنا ما جاء عن سماحة والدنا الشيخ / عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – حول ذلك؛ حيث قال عندما سؤال عن الانتحار: ( نعم، ليس عليها الانتحار، ولا لغيرها الانتحار لضرٍ أصابها، ليس لمسلم أن ينتحر ولا لمسلمة أن تنتحر لضرٍ أصابهم من مرض أو من جراحات أو مضايقات أو فقر أو ما أشبه ذلك، بل الواجب الصبر ولا بأس بهذا الدعاء، أن يقول الإنسان في صلاته أو غيرها: (اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاةخيراً لي)، وهذا من دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم– ثبت من وراية النسائي عن عماربن ياسر رضي الله عنه قال : ( كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو بهذه الدعوات ) إلى أخر ما جاء في إجابة السائل.

إن القهر والجوع والخوف والضر الذي يصاب به العبد من مرض أو ضيق ذات اليد أو الكآبة أو ظلم السلطان أو غير ذلك لا يوجب إزهاق النفس التي كرمها الله وحرم إزهاقها إلا بالحق الموجب لذلك من إقامة الحدود، قال – سبحانه وتعالى – ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ) وكذلك حذر نبينا نبي الرحمة – صلى الله عليه وسلم – من هذا الفعل المشين؛ حيث جاء عنه – عليه الصلاة والسلام – : ( من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جنهم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ) وهذا حكم عام لكل من قتل نفسه متعمدًا سواء كان بالسم أو الرمي من فوق شاهق أو بالنار أو بآلة أو بأي أمر كان انتحاره – ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم – .

وعندما يقدم من يقدم على ذلك فهو دليل على ضعف إيمانه بخالقه – جل وعلا – وأن أواصر العلاقة وروابط الاتصال بينه وبين خالقه مقطوعة تمامًا، وأنه عزز اتصاله بعدوه الشيطان الذي حذرنا الخالق من إتباعه، قال – سبحانه وتعالى – محذرًا من إتباع الشيطان : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) .

إن الانتحار ظلم للنفس، وتعدي عليها بالباطل، وهو مخالف لأمر الخالق من المحافظة على النفس وإكرامها وإعزازها، ومخالف للفطرة السوية، ومخالف لكل العادات والأعراف الإنسانية؛ وحتى البهيمية.

ناهيك أن في ذلك عدم إحسان الظن بالله – عز وجل – والقنوط من رحمته وهو أرحم الراحمين؛ فقد وسعت رحمته كل شي، وهو ولي المحتاجين وناصر المظلومين، فنعم المولى ونعم النصير .

ولا يعني أن انقشاع ظلمة الظلم والطغيان عن تونس بانتحار "البوعزيزي" حتى يبادر سخاف العقول وضعيفي الدين والقانطين من رحمة رب السماوات والأرض إلى تقليده وتكرار فعله هنا وهناك، لعله يتحقق لبلدانهم ما تحقق لتونس.

إن ظاهر اللجوء إلى قتل النفس بالحرق بالنار وإزهاقها بهذه الصورة البشعة أمام العالم بأسره، دليل على اليأس والقنوط من رحمة الباري، قاصدًا الوصول للراحة مما يعانيه في هذه الحياة، وهذا دليل قاطع على أنه لا يعرف عن دينه الإسلام إلا اسمه، لأنه لو كان مسلمًا متصلاً بربه؛ لمنعه ذلك عن الإقدام على هذا الفعل المنكر.

كثير منا تأثر بحادثة " البوعزيزي" وتعاطف معه وحزن لمصابه؛ بل هناك من أجهش بالبكاء أسفًا لما وصلت إليه حاله، وهو تعبير رمزي لما وصلت إليه الحال لإخوان لنا في تلك البلاد المباركة "تونس" جراء ظلم طاغيتها وإحكامه على مدخرات وخيرات وحريات هذا البلد المسلم، وليس تعاطف إقرار لهذا الفعل المشين.

لم يخرج الشارع التونسي ويهب مجتمعًا إقرار لما قام به البوعزيزي، وإنما هو خروج للخلاص من الظلم الذي وصل نهايته وحده الذي لا يطاق معه الصبر والتحمل، لأنه لكل أمر طاقة، وقد عجزت وفرغت عنها طاقة صبرهم وتحملهم لهذا الظلم والجور الذي هم تحت وطأته أكثر من عقدين من الزمان.

إن ديننا الحنيف ينكر بل يحرم إزهاق النفس، ويعتبرها أمانة لدى صاحبها يوجب عليه الحفاظ عليها من أي خدش قد يمس بسلامتها أو بكرامتها.

وفي المقابل حث الإنسان المسلم المؤمن بالصبر عند البلاء أيًا كان نوعه، يقول حبيبنا – صلى الله عليه وسلم – ( عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كلّه خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) .

فمتى كان الإنسان ذا صلة بدينه وبخالقه وبما جاء به رسوله تأكد إيمانه بالله – سبحانه وتعالى – وكان لديه القدرة على التحمل والصبر على كل ما يواجهه من قهر وظلم وبلاء؛ بنفس راضية مطمئنه، لأنه يعلم عاقبة ذلك وما له عند خالقه من الأجر والثواب، فإذ كان كذلك رفع الله درجاته وثبته عند أي بلاء يواجهه.

ولو عدنا "لبوعزيزي" وسألناه :

هل أنت راضي عما قمت به من عمل ؟
لقال لا وربي، لا ليتني لم أفعل ، ليتني لم أستسلم لشياطين الجن والأنس وأفعل بنفسي ما فعلت !!!

ولو قلنا له هل كنت تتوقع أن يخلع طاغية تونس بحرقك لنفسك؟
لقال لم يدر بخلدي أن يحدث كل ما حدث !!!

ولو قلنا له هل كنت ستفعل ذلك لو علمت أنه بفعلتك هذه سوف يخلع طاغية تونس وتنقلب البلاد رأس على عقب؟
لقال لا وربي، لو كنت في عقلي ورشدي لما فعلت ذلك مهما كان !!

ليتني لم أفعل !!! ليتني لم أفعل !!! ليتني لم أفعل !!!

هذا لسان حله ( وهو قدم إلى ربه وحكمه إلى خالقه فهو أرحم بعباده ) نسأل الله لنا وله ولجميع المسلمين حسن الخاتمة والثبات على الحق.

ولكن لسان الشارع التونسي مغاير لذلك تمامًا، فهو فرح ومسرور – ويحق له ذلك – لأن ما حدث لم يكن يتوقعه، حتى لم يكن يحلم به، بين عشية وضحاها نال الحرية وشعر بقيمته وبكرامته، فالمتابع للشارع التونسي، يعرف مشاعرهم الملتهبة لنيل الكرامة والشعور بالحرية بعد وطأة ظلم ظالم.

حتى لو أقام أهل تونس نصبًا وتمثالاً تذكاريًا لمحمد البوعزيزي، فإنهم لا يلامون في ذلك، وهم في نفس الوقت بدواخلهم لا يقرون ما قام به، لعلمهم بأن ذلك محرمًا شرعًا، ولكن فعلهم تعبيرًا عن فرحتهم بالخلاص من الظلم والطغيان بسبب هذا الفعل وإن كان منكرًا .

كيف لا وهذا الفعل أيقضى كل الشارع العربي، ووجه رسالة لكل حكام العرب الذين يحكمون شعوبهم بمنهجية "ابن علي" إذ نشاهد الإكراميات والهبات والعطيات من بعضهم بدأت تنهال على بعض الشعوب العربية يمنة ويسرة .

وأحب أن أذكر هنا أهل تونس فأقول لهم : إن ما قام به بعضكم من أعمال تخريب وسلب ونهب واستغلال الظروف لتصفية الحسابات، هو ليس ببعيد عما كان يطبقه شين العابدين بن علي فيكم قبل سويعات !!!

لأنه في ذلك تجاوز للحدود وتعدي على الممتلكات بغير وجه حق، وإهدار لبيت مال المسلمين في إصلاح إفساد ما اقترفته أيديكم فيما بعد، فلا تنجرفون وتظلموا كما ظلم طاغيتكم الذي خلصكم الله منه بغير تخطيط وتدبير منكم، فكونوا من الشاكرين، وشكر النعم لا يكون بهذه الصورة.

واعتقد أنه في مثل هذه الحال يتوجب على هيئات كبار العلماء ومجامع الفقه ودور الفتوى في البلدان الإسلامية أن تتصدر لهذا الأمر وبيان الحقيقة للأمة، حتى تحفظ الأنفس من الإهلاك والأموال من الهدر والإفساد .

كما أنه على الإعلام من صحافة وتلفزة وإذاعة ومواقع الإلكترونية وكذلك المنتديات أن تبادر لنشر الوعي وفتاوى أهل العلم التي توجب إيقاف حمامات الدم وإزهاق الأرواح بأي صورة من الانتحار كانت، وسلب الحقوق والممتلكات والأموال العامة والخاصة.

والله أسأل أن يحفظ علينا ديننا وأمننا وأن يجعلنا من أهل الحق والهداية والسائرون على الطريق الصواب المتصلين بخالقهم آنا الليل والنهار المطبقين لسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – .

شذرات بقلم
أبوعبدالعزيز
سليمان بن صالح المطرودي
[email protected]


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


تعليقات 2

  1. انا من قريت فقرة ولو عدنا لبوعزيزي وسألناه : ما كملت قراءه كيف تتدري انه بيقول لا؟ انا اشوفه رجل شهم تحيا تونس , الموت افضل من العيش تحت الطاغية ! اي نعم الموت افضل من العيش تحت الطاغية ! خادم الغرب او بالاحرى لعبت الغرب ,,, و مبارك قريبا راح يذلف …

  2. اصلا لاتوجد اي دولة عربية او اسلامية من دون استثناء الا وشعبها جائع حتى في الدول العربية والاسلامية الغنية واظنكم عارفين قصدي حتى في الدول العربية والاسلامية الغنية . والسبب انت وانا وكل شخص عارف السبب وهم الحكام الظلمة . وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ذكره . واقول في ما معناه لاني مو حافظه . (انه اذا بعدتم عن دينكم صلت الله عليكم جؤر الحكام) . وحتى وان كان الحاكم مين ماكان لانه هذا الشي واقع وعايشينه . لكن الفرج قريب ان شاء الله الانفجار على الحكام . لانه لا وظائف ولا اكل ولا شرب عايشين على الله ثم على خير الناس والله شيء قهر . والمصيبة انه الاجنبي عايش على خيري وخير غيري وراتب عالي خيالي وسعودي بنفس العمل راتب 3 الاف ريال شيء يعقد . لكن والله مالنا الا الله ثم الدعاء على الحكام بالانتقام منهم دون استثناء . والله الموفق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ظاهرة البوعزيزي !!!

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول