صور أمثال المبالغة ؟


العرب كغيرها من الأمم لديها موروثها و مخزونها الثقافي من الأمثال التي يطرب لها السمع ، وتحفظها الذاكرة ، وتتداولها الألسن عبر الأزمنة المتطاولة ، وقد نقول أنهم ينفردون نوعاً ما بميلهم الشديد لشتى أنواع المبالغات كالمبالغة في الأعداد ومنها الجيوش والقتلى والأطعمة والأموال حكى ابن خلدون في مقدمته عن شغف العوام بهذا ، ومن ذلك أيضاً استعمال أساليب المبالغة في الأمثال كوزن أفعل وذلك لإثبات الأمر المقصود تبيانه وتأكيده بقوة ، وهو دليل على الكثرة والزيادة كما قال الفراء .

وهنا قمت بانتقاء بعض الأمثال الدالة على المبالغة وشرحتها بإسلوب يسير يوضح المقصود من دون التقيد بشروح سابقة .

/

1 – أبكر من غراب !

هذا المثل يقال للرجل شديد البكور لحاجاته لأن الغراب غالباً ما يظهر مع بداية الفجر فشبهوا مَن هذه حاله بالغراب ، حتى أن بعضهم إذا أراد مراجعة إحدى الدوائر الحكومية التي يبتدئ عملها في السابعة والنصف صباحاً مثلاً ، تجده يصلي الفجر ويذهب إليها ثم يجلس بجانب الباب الى أن تُفتح الدائرة من شدة الحرص وانشغال البال على حاجته فقيل عنه فلان أبكر من غراب !

/

2 – أصفى من ماء المفاصل :

ما أجمل هذا المثل وما أعذبه ، فماء المفاصل هو الماء الذي يتكون بفعل الأمطار عند منفصل الجبل ، فيتجمع عادة في هذا المكان الحصى الصغير الأملس فيكون الماء فوقه صافياً نقياً شديد العذوبة .

/

3 – أهَون من تِبالةَ على الحجاج :

من المعروف عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه كان ظلوماً غشوماً شديد الدهاء والأنفة بعيد الهمة ، معتداً بنفسه كثيراً ، ومما رويَ عنه أنه في أول أمره قبل أن يوليَهُ الخليفة عبدالملك ابن مروان على العراق ، بعث به ليتولى بلدة تبالة ، وتبالة بلدة صغيرة في اليمن ، فذهب وعندما اقترب منها وكأنه استبطئ الوصول إليها قال لمن معه من الأدلاء : هل بقيَ الكثير ؟
فقالوا : لا هي ذا !
فقال : أين هي ؟
قالوا : خلف هذه الصخرة !
فقال الحجاج : أهون ببلاد تحجبها عني صخرة ، والله لا وليتها أبداً .

/

4 – أخصب من صبيحة يوم الظلمـــة ؟

وذلك أنه أصابت الناس ببغداد ليلة فيها ريح لم تأت قط ريح مثلها ، وكانت مع شدتها مظلمة حتى تيقن الناس نزول العذاب ، وذلك في أيام الخليفة المهدي بن أبي جعفر المنصور ، وفي تلك الليلة ألفى أحدهم الخليفة ساجداً وهو يقول : اللهم احفظنا ولا تشمت بنا أعداءنا من الأمم ، وإن كنت يارب أخذت الناس بذنبي فهذه ناصيتي بيدك ، اللهم ارحمنا يا أرحم الراحمين ، في دعاء طويل حفظ منه هذا ، فلما أصبح وقد انكشفت الغمة وسكنت الريح وزالت الظلمة ، تصدق الخليفة بألف ألف درهم ، وأعتق مائة رقبة ، وأحج مائة رجل ، ففعل مثل ذلك جُل قواده وبطانته والخيزران وغيرهم تأسياً به ، فكان الناس بعد ذلك إذا ذكروا الخصب قالوا : أخصب من صبيحة يوم الظلمة .

/

5 – أَحَن من شارِفْ :

والشارف هي الناقة المسنة ، فالنوق شديدة الحنين الى أعطانها ، كأفئدة الناس شديدة الحنين الى أوطانها ، وربما بكت الناقة عند فراق صاحبها الذي لم يبخل بإكرامها والتيسير عليها أو عند رؤيته بعد فراق خاصة إذا كان يراقب الله فيها .

ومما يروى أن رجلاً باع ناقته المحببة إليه لأحد الأمراء بمبلغ أغراه وكان محتاجاً ، وبعد سنوات طويلة ، أقام هذا الأمير وليمة في الصحراء ومن المدعوين صاحب الناقة الأول ، فسأله الأمير : أتراها تعرفك يا فلان أم نسيتك ؟
فقال الرجل : أظن إن ناديتها ستأتيني !
فأكبر ذلك الأمير ومن حضر ثم أمره بمنادتها ، وكانت النوق الكثيرة بعيدة عنهم بعض الشيء وهي مرسلة رؤوسها نحو الأسفل تشرب من الماء ، فناداها بالصوت الذي كان يناديها به في سنين قد خلت ، وبعد لحظات رفعت إحدى النوق رأسها وتلفتت ثم خطت خطوة للوراء واستدارت ثم اتجهت نحو البساط الذي يجلسون عليه ، فقتربت تتحسس برأسها الرجال الى أن لمست رأسه برأسها وانحدرت دموعها ، فبكى صاحبها وأبكى الموقف جميع الحاضرين فما كان من الأمير الى أن رد الناقة لصاحبها بلا ثمن تقديراً لنُبْلِ هذا الموقف .

/

6 – أحذر من ذئب :

لم يزل الذئب يحتل المكانة الكبرى في ذهن الرجل العربي من ناحية المكر والدهاء وشدة الحذر ولهم الحق في إصدار هذا الحكم لأنهم تعايشوا معه في صحرائهم وخبروه وعلموا من أمره العجب ، ومما ذُكر عن أحد الذئاب أنه دخل إحدى المزارع الخاصة بالدجاج فوجد الأبواب الخاصة بصناديق الدجاج موصدة ، فرمقت عيناه دجاجة تطل من سارية عالية وُضِع القفص عليها ، فأرشده دهائه إلى طريقة مبتكرة لسقوطها ، فما تتوقعه فعل يا تُرى ؟
ظل يدور حول السارية بسرعة والدجاجة المذعورة تدور بعينيها ورأسها معه حتى أصابها الدُوار فسقطت فالتهمها بفمه بسرعة وخرج !
وللذئب قصص كثيرة في أدبيات العرب وثقافتهم ، لذلك شبه الرجل الحَذِر بالذئب .

/

7 – آمن من حمام مكة :

يضرب للمبالغة في وصف الأمن والطمأنينة ، وإنما أمن حمام مكة لحرمة صيدها في الحرم ، لذلك لا تجدها تتهيب من الناس .

/

8 – أعز من كليب وائل :

يضرب للمتناهي في العزة ، وكليب بن ربيعة كان سيد ربيعة في زمانه ، كان يحمي الكلأ فلا يقرب أحد حماه ، وهو الذي قتله جساس بن مرة في قصته الشهيرة فهاجت بسبب ذلك حرب البسوس ، وكان من عزه لا يتكلم أحد في مجلسه ولذلك قال أخوه المهلهل بعد موته :

نُبِّأتُ أنَّ النار بعدك أوقِدت … واستبَّ بعدك يا كليب المجلسُ
وتكلموا في أمر كل عظيمةٍ … لو كنتَ حاضر أمرهم لم ينبسوا !


كتبه / طلال المناور
رحم الله من ذكر المصدر عند النقل
مدونة الأريكة


تعليقات 6

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

صور أمثال المبالغة ؟

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول