ساعي البريد


عاد إلى بيته محملاً بالتعب والإرهاق وجهد السنين , عاد إلى عشه بعد رحلة طويلة في الميدان
حيث كان يعرف أن لرحلته محطة توقف قادمة بعد طول طيران وتحليق في سماء الحياة
و كانت تلك اللحظة حاضرة في ذلك اليوم .
دخل إلى بيته وفي يده خطاب كتب فيه :

” نشكر لك صنيعك طوال السنوات الماضية , ونتمنى لك حياة سعيدة ”

كان ذلك الخطاب هو خطاب التقاعد لساعي البريد المخلص عبدالودود
حيث قضى حياته يجوب البيوت والشركات ومناطق التجمعات البشرية
داخل الناس وتعمق في عالمهم , ولم يكن ساعي بريد تقليدي بل متأمل في أحوال العباد
ومتفكراً في ممارساتهم وانماط عيشهم .

قرر عبدالودود أن يحيا حياة أخرى جديدة , بعد التقاعد بعد أن عاش في مهنة يحبها ويعشقها لأكثر من 40 عام .
قرر أن يعيش حياة جديدة بعد أن توقف عن الركض حيث يتذوق ذكريات تلك التجربة الثرية التي قابل فيها الآلاف الناس باختلاف طبقاتهم وعقلياتهم ورؤاهم وتوجهاتهم .
قابل عبدالودود العالم والجاهل , الغني والفقير , الحكيم والأحمق , الطموح والمستسلم , المتوازن والمضطرب , الخبيث والطيب , الخلوق والوقح .

كان عبدالودود في بيته من هواة الأدب وفي ذات الوقت كان ينفر من قلة الأدب , ولهذا قرر أن يكتب رواية تلخص حياته الثرية تكون نثار تجاربه العميقة وتواصله الانساني مع أخيه الإنسان .
كان عبدالودود يحمل الكثير من الرسائل والأفكار التي يريد أن يوصلها إلى المجتمع وكان يعتقد أن تجارب الإنسان الثرية تشرى بالذهب والزمرد لأن الانسان بطبعة يحب النماذج ويعمل على محاكاتها ويقوم بالتعلم منها الكثير والكثير ..

قرر ساعي البريد المخضرم ذو التجارب والصولات والجولات أن يكتب تلك الرسائل ويلخص ذلك المشوار عبر رواية أسماها ” ضيف النهار ”
وهي التسمية التي جاءت من دخوله منازل الناس وأماكن أعمالهم في نهار كل يوم وكان الناس يحسنون
وفادته وضيافته ويتعاطون معهم كالضيف وأن قل مكوثه .
انطلق عبدالودود في تجربته الأدبية السردية الجديدة من الكثير من المفارقات التي كان يشاهدها في حياته
حيث كانت حياته محطات وكل محطة لها لون وطابع مختلف ,وكان من أبرز من قابل اناس يعتقدون أن الثري هو السعيد وهي القاعدة التي نفاها ساعي البريد الخبير بالناس عبر تجربته فهو يرى أن السعادة عقيدة داخلية تحتاج الى توازن بين جناحي الطموح والرضا فهي ذلك الجسد الكائن بينهما
آمن ساعي البريد أن البعد المادي في حياتنا مهم ولكنه ليس كل شيء كما يعتقد البعض
ولذلك فهؤلاء بنظر عبدالودود ينظرون لشطر من اللوحة فقط
اقترب عبدالودود من حياة الكثير من الناس فوجد السعادة عند من عاشوا حياتهم بتوازن بين أبعادها الستة
الروحي وهو متصل بالله والعقلي وهو متصل بالعلم والمعرفة والعملي وهو متصل بطلب الرزق والجسدي وهو متصل بالرياضة والغذاء الصحي والنوم المبكر والعاطفي وهو متصل بأسرة متحابة ومتجانسة والاجتماعي وهو متصل بدفيء العلاقات وعمق التواصل .
..
عرج عبدالودود في روايته على أخطاء شائعة منتشرة في إدراك الناس ووعيهم مثل بعض النماذج التي قابلها في رحلته الطويلة والتي تطلب الحياة الهانئة والكريمة ورغد العيش ولكنها لا تسعى لذلك وتعتقد أن القدر هو الذي اراد ذلك وأنهم مجبورين على ذلك وهم يعولون على الحظ والصدفة أكثر من فعل الأسباب وطرق الأبواب والضرب في الأرض .
استطاع عبدالودود أن يدون تجربته مع النموذج المناقض أيضاً , وهو المؤمن أن كل ما زادت ساعات العمل وكل ما كان الجدول مليء بالمواعيد كانوا أقرب للنجاح وهو نموذج حول الانسان إلى آلة بكل أسف مفرغة من أي احتياجات نفسية او عاطفية او روحية او جسدية أو ترفيهية
قابل عبدالودود الفقراء الذي لا يستطيعون شراء اللحم لطعامهم وكانت أسنانهن تطحن الحصى المخلوط بالقمح , وقابل على النقيض من يرمى أكثر من نصف طعامه للقطط والحيوانات في سلال القمامة
فالقطط هنا شبعا , والإنسان هناك جائع !!

..
قابل محدود الدخل الذي يتلهف على دفع الصدقة والبذل والعطاء وشاهد الغني الذي لا يخرج حتى زكاة امواله
داخل البخلاء الذين يجمعون أموالهم للورثة حيث حرموا أنفسهم والمسلمين منها في مشهد يجعل الحليم حيران .
شاهد من يستمتعون بالبساطة ويعيشون حياتهم في كنفها حيث يفرحون بأي شيء ويستمتعون بكل الأوقات وعاشر من حولوا الحياة الطبيعية إلى سلسلة من البرتوكولات والأوامر و النواهي والتعقيدات
وتأمل حال قوم رغم كل النعيم فهم ممن قال ” ما رأينا خير قط ” !!
كانت رحلة عبدالودود حافلة بالمفاجأة والمواقف , الافكار والدروس , تعلم عبدالودود كنز الحكمة العظيم
من تجربته العميقة في الحياة حينما أعمل عقله وأيقظ روحه , وكان يتأمل النماذج الايجابية فيستفيد منها ويرى النماذج السلبية فيهرب منها هروب الشاة من الذئب .
..
كان عبدالودود رغم بساطة عمله سعيداً مطمئناً وكل ذلك جلب له الصحة النفسية والجسدية وطول العمر
فهو محب للحياة عاشق للعائلة ومخلص في عمله وتقي في علاقته مع ربه متصالح مع نفسه ويحب الإحسان والعطاء مهما قل .
قرر ساعي البريد الحكيم بعد أن أنهى الرواية والحكاية أن يرسلها لأصدقائه الكثر , والذين توطدت العلاقة بهم عبر تواصل السنوات الماضية .
وفكر ودبر ولم يجد وسيلة لكي يقدم لهم تلك الهدية إلا أن يلبس بدلة ساعي البريد من جديد , ويطوف عليهم كما كان , ولكن ليس بالرسائل والخطابات بل ليقدم لهم روايته ” ضيف النهار” كهدية غالية كتبت بماء الذهب تحكي التجارب وتروي العجائب وتسرد كيف أن الانسان هو من يسعد نفسه وهو من يشقيها
..
قال الله تعالى
” لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ”


محبكم : سلطان بن عبدالرحمن العثيم
www.salothaim.com

أسعد بكم وأتشرف
[email protected]

أولى حلقات برنامجكم الشيق ” نافس ”

توتير
@sultanalothaim


تعليقات 1

  1. رائع جدا اخوي سلطان العثيم.فعلا قصة رااائعة تحكي اختلاف طبقات الناس وتنوعهم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ساعي البريد

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول