ساعة في الفيس بوك


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

أصدقائي وأبنائي وبناتي أعضاء مجموعة أبو نواف، انها لفرصة رائعة للتواصل معكم عبر هذه المجموعة المميزة نسأل الله أن ينفع بها وأن يكون النجاح والسداد والتوفيق حليف القائمين عليها.

قضيت بالأمس وقتاً طيباً تنفيذاً لموعد مع أصدقائي الشباب في صفحتي في الفيس بوك ، وانصرفت مسروراً بالتفاعل مع المئات من شتى الأقطار والمستويات والأجناس بأقل كلفة ..
قبل عشر سنين كان الاجتماع مع المئات من الأشخاص ، فضلاً عن الآلاف يعني حجز استراحة كبيرة ، وإعداد القهوة والشاي والماء والعصيرات ، ولابد من وجبة طعام دسمة في نهاية المطاف !
وهذا مقبول بحسب قواعد الكرم العربي ، ولكن يوازيه ضياع معظم الوقت في السلام والتحية والسؤال عن الأحوال ، وإن كان الاجتماع محاضرة ، فالحديث يتم عبر طريق واحد ، والبقية يستمعون ..

أما اليوم فالأمر مختلف ، فاستثمار الوقت يبدأ من لحظة وجودك على الموقع ، وكل مشارك له الحق في السؤال ، وهو حين يسأل يعبر عما يريد ويوافق أو يخالف أو يشطح .
في إحدى مرات وجودي ، وفي جوٍ عاطفي مريح انبرى أحد المشاركين ليصب اللعنة عليّ .. وعلى أمهات المؤمنين والخلفاء الراشدين !
فقلت : كفاني فخراً أن أكون مرتبطاً في ذهن هذا الأحمق المغرور بأسماء لامعة مقدسة نورّت تاريخنا .. وعطرت واقعنا ، وعززت الأمل بمستقبلنا ، حشرنا الله في زمرتهم ، وجعلنا من أتباعهم .

جلست جلسة الأمس لساعتين وطوفت في شتى البقاع ، وتناولت العديد من الموضوعات والهموم والقضايا والأسئلة .
فور خروجي من الموقع جاءتني رسالة جوال تعبر عن حزن صاحبها الشديد على تلك الأسئلة وغياب همّ النهضة عن أكثرها .. فكأنما صحوت من نوم .
فعلاً أسئلة تنهال صوب فروع فقهية قُتلت بحثاً ، وأخرى صوب رؤى منامية تفتقر إلى تعبير ، وثالثة تتمحور حول هموم ذاتية … ورابعة وخامسة ..
رجعت إلى نفسي متصنّعاً لقدر من التوازن ووجدت نفسي تميل إلى استحسان ما حدث .. وقلت :
التعبير عن المشاعر الإيجابية معنى جميل ، وهو جزء من طبيعتنا ، فمن دون عواطف الحب والصفاء والإخاء ستبدو الحياة بيداء قاحلة يقتلنا فيها الظمأ والجوع ولهيب الشمس الحارقة .. فلماذا نتردد في التعبير العفوي الصادق عن أحاسيسنا الإنسانية التي أودعها الله فينا ..
وفي المناسبات كالأعياد والأفراح يكون هذا المعنى أكثر إلحاحاً وأهمية ، فالناس تفرح بالاجتماع والتواصل والحديث والتعبير ، متى كان رشيداً وصادقاً وغير متكلف ، فلنعبر عن حبنا وإعجابنا باعتدال دون جفاء أو مبالغة .

– الهموم الذاتية معنى مصاحب للحياة ، فلا أحد إلا ولديه مشكلة نفسية أو اجتماعية أو عائلية ، تخص ذاته أو عمله أو بلده أو أهله .. وربما كان بحاجة إلى تنفيس أو شكوى ، حتى لو كان لا يتوقع حلاً جذرياً أو مفاجأة فحسبه أن يكتب جزءاً من معاناته ، وأن يجد من يتعاطف معه ، ويبادله المشاعر ، ويمنحه الدعوات ، وبعض التوجيه .
وَلا بُدَّ مِن شَكوى إِلى ذي مُروءَةٍ …………يُواسيكَ أَو يُسليكَ أَو يَتَوَجَّعُ

– أن تجد رجع الصدى لما تقول وتكتب على لسان فتى أو فتاة يقول : علمتني ، أو شجعتني على النجاح ، أو زرعت في الأمل والتفاؤل ، أو غيرتني نحو الأفضل أو ساعدتني على مطاردة الحزن والاكتئاب والقلق في داخلي .. فهذا دعم نفسي مهم ، خاصة والإنسان يجد من يحبطه أو لا يفهمه أو يزدري مجهوده أو يسيء الظن به فهنا تعتدل الكفة ، ويجد المرء نفسه أكثر قدرة على العطاء .

قد تكون هذه الشبكات الاجتماعية شيئاً مختلفاً جزئياً عن جو الدرس أو المحاضرة أو المؤتمر ، فهي ذات بُعد إنساني شخصي تكشف عن مكنون أو سر أو معاناة أو مشكلة ، يظهر فيها الإنسان بوجهه الحقيقي الحياتي بعيداً عن الأقنعة والمجاملات والأعراف الاجتماعية .. وأحياناً منغمساً في همه الذاتي مشغولاً به عن هموم عامة يتعاطاها في مناسبات أخرى .
وهذا معنى يسمح بمعرفة المجتمع على حقيقته من الداخل ، والوقوف على مشكلاته ، فليس صحيحاً أن الناس هم القوانين التي تحكم ، ولا المقالات التي تُكتب ، ولا المواقف التي تُتخذ ، ولا السياسات التي تُرسم .
الإنسان ببساطته وعفويته هو شيء آخر غير ذلك ، وهو محتاج إلى من يفهمه كما هو ، ومن يعرفه بعيوبه وأخطائه ، وفي الوقت ذاته يقول له بصدق :
-أنت إنسان رائع وجميل ومبدع .

والإقبال على هذه الشبكات كـ " الفيس بوك " ، و " تويتر " و " الآي سكيو " وزميلاتها الأخر .. هو تعبير عن احتياج عاطفي واجتماعي شديد ، ونقص جاد في المؤسسات والمراكز التي تحتضن الجيل ، وعن تآكل شديد في العلاقات الأسرية والاجتماعية بين الناس ، مما يحدوهم إلى بناء عالم افتراضي مختلف يشبع رغباتهم .
أنا هنا لا أتحدث عن أصدقائي الذين أحترمهم وأعتقد أنهم جادون في مجملهم ، ومرورهم على هذه الشبكات مبرمج بأوقات محددة .
بل أتحدث عن شباب وفتيات يذهب جلّ وقتهم في الإنترنت ، ما بين المنتديات ، إلى الشبكات ، إلى اليوتيوب ، إلى الألعاب ، إلى الماسنجر ، إلى الشات (المحادثات) ، إلى المحادثات الكتابية والخدمة السريعة التي يحققها (البلاك بيري) ، بما يؤثر على علاقتهم الأسرية وعطائهم العلمي أو الدراسي ، واستقرارهم النفسي ، ويعرضهم للتعرف على أناس جدد يقتحمون عليهم بأساليب خفية ، ويسرقون معلوماتهم الشخصية ، ويحصلون على صورهم وأسرارهم ، ويستغلون حاجتهم للحب والعاطفة ، ويغرونهم ، ثم يبتزونهم ، وقد تنتهي القصة بجريمة معلنة أو جريمة مستورة وجراح تثعب دماً ولا تكاد تندمل أبداً ..

آن الأوان أن يتواصل المسؤول مهما كبر وعلت رتبته ، والعالِم مهما توافر عطاؤه وتعددت فرصه ، والمربي ، والمسكون بمشروع إصلاحي أو اجتماعي أو وطني ، ومدير الشركة ورجل الأعمال مع رواد هذه الشبكات ، وأن يسمعوا خفق قلوبهم عن قرب ، وأن ينصتوا لهم باهتمام ، وأن يبادلوهم التحية والحب ، ويناقشوهم في أرائهم ومقترحاتهم ، ويشرحوا لهم وجهات نظرهم بلغة تنم عن تقدير وثقة ..
آن الأوان أن تجعل مواقع هذه الشبكات سبباً جديداً لتحقيق الآمال والطموحات ، وتحفيز العمل الطوعي والمدني ، وزرع هموم النهضة وتساؤلاتها ، ومناقشة قضايا الوطن والتنمية والأمة ، الحاضر والمستقبل ، بلغة صريحة مباشرة ومؤدبة في الوقت ذاته ، دون مجازفة أو تهيّب .
وليكن هذا النطاق الحر المتمرد على الأطر الاجتماعية أداةً للتدريب على المسؤولية الفردية ، والإحساس الداخلي بالرقابة الإلهية ، وإحياء الضمير الإيماني (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:15،14) .
مرحباً بأصدقائي وأبنائي وبناتي في منزلهم الثاني ، مرحباً بعواطفهم الحيّة ، وأسئلتهم الذكية ، وهمومهم الصغيرة، وقضاياهم الكبيرة ، ونقدهم الهادف ، دلّة القهوة والبخور ينتظركم ، حيّاكم الله على " فنجال وعلوم رجال " .

د. سلمان بن فهد العودة
فيس بوك ، تويتر ، يوتيوب


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


Comments 24

  1. السلام عليكم الله يثيبك ياشيخ ويجزاك خير صدقني انت ممن غير نظرتي وحياتي وانت قدوة لي في هذه الحياه اسأل الله ان يوفقك ويجزاك عنا كل خير

  2. الله يجزاك ألف خير يا شيخ واحنا سعيدين كمشتركين في القروب بإطلالتك ووجودك معنا ولا تحرمنا من مقالاتك الرائعة على القروب

  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نبارك للشيخ سلمان العام الجديد ونشد على يده ونهنيه على هذه الروح الرائعة في التواصل مع جميع طبقات المجتمع اينما كانوا ويشاركهم افراحهم وهمومهم الف شكر للشيخ سلمان وللقائمين على هذا الموقع المبارك واتمنى للجميع التقدم والنجاح ولشبابنا الهداية والفلاح

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بارك الله فيك و وفقك على هذه اللفتة الكريمة و الوصول الى الشباب حيثما كان جزيت خيرا ورزقنا الله وإياك والمسلمين عفوا منه ومغفرة وفضلا

  5. حيااك الله يا شيخنا وقدوتنا حقيقة ما عندي شى اضيفه غير الله يجزاك خير بصراحة ماني مصدق انى قاعد ارد على موضوع للدكتور سلمان العوودة انا من اشد معجبيك يا شيخنا وامنيتى في الحياة ان اجلس معك لساعة بارك الله فيك ونفع بك الاسلام والمسلمين

  6. بارك الله لك مسعاك وشكرا جزيلا علي هذا الطرح المتميز الممتاز واللذي لاشك في ان كثيرين مثلي استفادو منه جزاك الله حيرا ونرجو ان تكثر لنا من مثل هذه المواضيع المفيده

  7. وليكن هذا النطاق الحر المتمرد على الأطر الاجتماعية أداةً للتدريب على المسؤولية الفردية ، والإحساس الداخلي بالرقابة الإلهية ، وإحياء الضمير الإيماني (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:15،14) . ……….. فعلا هي التي تبين الناس على حقيقتهم ونوع معدنهم

  8. يعطيك العافيه ياشيخنا الفاضل لبساطه في اسلوب تخاطبك مع عامه الناس وتفهمك احتياجاتهم في الحياه دليل على نجاحك

  9. فعلا احس مدمنين مواقع التعارف عندهم فراغ عاطفي كبير لدرجه يتعرفون على كل من هب ودب دون ادنى معرفه على فكر او قيم واخلاق من يتعاملون معه فيؤثرون سلبا في مرتادي هالمواقع لاو بعد البي بي حتى في المسجد يطن طن . وجزاك الله خير يا شيخ

  10. تحياتي وتقديري وشكري الجزيل لك د.سلمان على هذا الموضوع المليئ بالحب لشباب هذه الأمة شكرا من الأعماق معلمي

  11. لما أصدق يعني عندما رأيت اسم الشيخ سلمان موجودا في ابونواف وهو بكل تأكيد لفخر لأكبر مجموعة بريدية في الوطن العربي واصل ياشيخنا لنستفيد ونتعلم منك

  12. يادكتور سلمان أنت كبير في بساطتك وقربك من الشباب وتحليلك لواقعهم بشكل دقيق الأمل فيكم وفي المربين من علماء الأمة

  13. سعدت بهذه البداية في مجموعة أبو نواف ولم أحضر الساعة تيك في الفيس بوك وبإذن الله سأحضر ساعة الضيافة في المرة القادمة. جزاك الله خيرا

  14. أشكرك الشكر الجزيل لماكتبته عن البلاك بيري كما وصفته واكثر هوشيطان داخل البيت يشغل الأبناء عن الأسره ويشتت العلاقات الأسريه ويضيع عقولهم وياليت شبابنا يتعض بكلماتك الجوهريه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ساعة في الفيس بوك

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!
ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول