رحلتي إلى الجنوب (1) صور ومعلومات


(( بسم الله الرحمن الرحيم ))

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه … وبعد :-




رحلتي إلى الجنوب (1) ( قرية ذي عين ، جبل شدا الأعلى )

من بين الجبال الشماء .. والسهول الغناء … والمياه الجارية … من تلك المناطق الجميلة … والمعالم الفريدة … والأراضي الموحشة …  من بين أريج الأزهار .. و لذيذ الثمار  … من هناك سأروي لكم – بإذن الله – مشاهدات مثيرة … وصور لأماكن لم تخطر ببالي يوماً أن أرى مثيلاً لها في ربوع بلادنا … جبال عالية جميلة تكسوها الخضرة .. ومياه تجري طوال العام يلف بها الشجر الأخضر والنخيل المثمر والأعشاب المتنوعة … طبيعة متنوعة ومتميزة … وكذا آثار وديار أقوام سادت ثم بادت … وأراضي غناء مازالت تنبض بالحياة … و تجود بالخيرات … وعيون منتشرة هنا وهناك قل من يعرفها من غير أهلها … قضينا هذه الرحلة الجميلة بصحبة أخوة أعزاء … كانت هذه الرحلة للجنوب الحبيب … تلك السلاسل الجبلية حيث الارتفاعات الشاهقة … وبينها السهول الزراعية … والأودية السحيقة …

وسأقسم الرحلة – بإذن الله – لأربعة أجزاء أبدأها باسم الله مستعيناً به ….

كانت رحلتنا في الصيف الماضي … كانت من الرس وإليها بواقع 4500 كم تقريباً … انطلقنا من الرس صوب الطائف حيث يرافقنا منها أحد الأخوة لنتجه نحو الطريق السياحي نحو الباحة ( بني سعد – ميسان – الباحة ) الطريق المعروف بطريق الأنفاق … تجولنا فيه بعض الشيء معرجين على بعض الأماكن القريبة منه … وكان الملاحظ أن الأرض شهباء غبراء أثر بها بعد عهد بمطر … حيث كانت بعض هذه الأماكن خضراء غناء .. يسر إليها الناظر … وتطيب التمشية بها … نسأل الله أن يغيثها … منها مضينا نحو الباحة ونزولاً منها لعقبة المخواة حيث مقصدنا الفريد :

قرية ذي عين الأثرية

إحداثي القرية
19.55.873
041.26.617
 

الارتفاع
758 متر عن سطح البحر

قرية ذي عين ….تقع جنوب غربي الباحة على بعد 24 كم عبر عقبة الباحة … على يسار الطريق المتجه إلى المخواة التي تبعد عنها حوالي 20 كم  … وهذه خارطة تبين موقعها وما حولها من معالم وديار …
 

يقدر عمر هذه القرية إلى ما يزيد عن 400 سنة من الآن وقد بنيت القرية على قمة جبل … حيث تتناثر البيوت عليه … أسفله غابات من أشجار ومزارع تابعة لسكان هذه القرية … القرية قد اختير أن تبنى على مكان مرتفع وذلك لأغراض دفاعية وأيضا لتكون عملية مراقبة المزارع سهلة … فنجد توفر ذلك التل الأبيض الذي شُيدت عليه القرية وهو جبل صغير من المرمر  …

وهذه صورة من أعلى الجبل حيث تمتد المزارع … وخلفها القرية الجديدة حيث وسبق أن انتقل أهل القرية إليها … وتركوا القرية مهجورة بدون عناية أو ترميم …

 تضم القرية الأثرية 31 منزلاً … ومسجداً صغيراً … تتوزع على سفوح الجبل مشكلة طبقات من المنازل …يربط فيما بين البيوت طرق وممرات يتراوح عرضها من خمس إلى ثلاث أمتار تقريبا وتكون هذه الممرات كافية لمرور الناس والمواشي وأيضا لمرور الجمال وهي محملة …

تتكون بيوت القرية الأثرية من طابقين إلى خمسة طوابق … ويكون للمبنى طريق يودي إلى المدخل الرئيسي ويرتبط مع مباني القرية والأراضي الزراعية وفي بعض الأحيان يكون  سطح المبنى ملامس للجبل بحيث يمكن أن يكون هناك مدخل آخر من فوق المبنى …

استخدمت الحجارة في بنائها … عادة في هذه القرية يكون الدور الأرضي لمسكن المواشي مثل الأبقار والأغنام وكذلك أيضا يكون بجوار الدور الأرضي من الخارج توثق حيوانات الركوب ضمن سور صغير الارتفاع …

الدور الثاني يكون فيه تخزين الأمتعة والأدوات وبعض المحاصيل التي تكون ضرورية الاستعمال أما بالنسبة للمحاصيل الزراعية للحبوب فتخزن في أماكن مخصصة بحيث يكون لكل عائلة مخزن معروف ويسمى ( السفل ) … الدور الثالث وهو المسكن الذي يسكنه الأهل جميعا بحيث يكون موزع في عدد من الغرف ( عليّة) وصالة كبيرة للتجمع ومطبخ … السطوح يكون السطح المتنفس الذي يكون فيه  الالتقاء بين أفراد العائلة وبعض الجيران ويحيط بالسطح جلسة من جميع الجهات وفي أحيان أخرى يكون على السطوح غرفه بمثابة جلسة استراحة وتستخدم في فصل الصيف لنوم النساء والأطفال أما الرجال فينامون على السطوح وذلك لكون الجو في فصل الصيف حار  كما يكون على السطوح أحواض زراعية لبعض النباتات الصغيرة مثل الريحان والبرك … 

 البيوت مسقوفة بأشجار العرعر التي نقلت إليها من المناطق المجاروة …

وأسقفها من الحجارة العريضة ( الفروش ) تصف فوق أشجار العرعر .,.. تغطى بالطين الذي يسد مسامات الحجارة وشقوقها …

 زينت شرفاتها بأحجار المرو ( الكوارتز ) على شكل مثلثات متراصة … كما يوجد فيها بعض الحصون الدفاعية لحمايتها من الغارات أو لأغراض المراقبة …

سميت القرية بهذا الاسم لأن هناك عين ماء تقع تحت سفح الجبل … حيث تتميز هذه العين بوفرة المياه وعدم الانقطاع بإذن الله عز وجل … عين تجري في قمة الجمال والروعة …

منظر جميل وأنت تتابع المياه المتدفقة من أعلى الجبل بين الصخور … يختفي تارة ويظهر أخرى … وتتعدد المصبات لهذه العين في عدة أماكن ويسمى أهل المنطقة كل مصب باسم … هذا المصب يسمى باللواء …

و الماء يتوزع بين المزارعين بما يسمى ( الشرب ) و هو أن يسقي كل شخص حسب كبر مزرعته في وقت معين …

ترتبط القرية بطريق يؤدي إلى منبع الماء من العين حيث يستقي الأهالي منها … وأيضا لكي يرتبط مع المزارع … وأيضا طريق يؤدي إلى خارج القرية إلى منطقة منبسطة تسمى  ( العيينة ) … ويكون في هذه الأرض إقامة الحفلات الشعبية في مواسم الأفراح والأعياد … جميع هذه الطرق مرصوفة بواسطة الحجارة حيث أنها تكون على أماكن مائلة ولكن تُبنى من المكان المائل وتُملأ بالتراب وترصف  بالحجارة …

تشتهر ذي عين بزراعة الفواكه المختلفة وخصوصاً الموز الذي يزرع فيها حتى يومنا هذا …

ولكون المياه – بإذن الله – لا تنقطع مدار العام كان هذا عاملاً رئيسياً لوفرة مزارع الموز … لكون شجر الموز يحتاج لنسبة عالية من المياه … وكانت منتجاتها الزراعية تسوّق في مدينة الباحة حيث كانت تُنقل بواسطة الجمال …

 والى جانب زراعة الموز تزرع أشجار الليمون و الفلفل وغيرها من المنتجات الاستهلاكية وبعض النباتات ذات الروائح الجميلة مثل الريحان و الكادي وبعض أنواع الورود … ومن المنتجات الزراعية التي تعتمد على الأمطار والسيول زراعة الحبوب مثل الذرة والدخن …

بعد أن استمتعنا بالتجول في قرية ذي عين الأثرية … توجهنا منها نحو المخواة ومنها مع طريق محافظة قلوة … قاصدين بعون الله :

جبل شدا الأعلى

إحداثي الجبل
19.50.392
041.18.705

الارتفاع
2202 متر

على ارتفاع 2202 متر فوق سطح البحر في أعلى قمة بين قمم جبال السروات الشاهقة اتخذ شخص يدعى إبراهيم بن آدم أو أدهم ( اختلفت الروايات) مصلى يتعبد فيه … تلك القمة هي (جبل شدا الأعلى) أصبحت تسمى بمصلى إبراهيم … إلا أنه رحل عنها ولم يبق فيها غير الرياح العاصفة والنباتات النائية وكائن آثر الانعزال فيها كآخر ما تبقى له من ملاذ … إنه النمر العربي الذي اتخذها عرينه الأخير …

وجبل شدا هما جبلان في تهامة يعانقان السحاب … حيث يطلان على أرض السراة لعلوهما الشاهق … ولذا فمناخ قمتيهما لا يختلف كثيراً عن مناخ أرض السراة … ويسمى الشمالي منهما شدا الأعلى وهو يقع شمال غرب بلدة المخواة … ويبعد حده الشمالي عن المخواة بتسعة عشر كيلاً … وجهته الشمالية لزهران … ومن قراها فيه: الصُقران وهي على بعد سبعة كيلو مترات من بدايته عن الطريق العام الذي يربط بين المخواة وقلوه وبارتفاع قدره ألف وأربعمائة متر عن سطح البحر … ثم تليها قرية الصور وتبعد عن الأولى بكيلين اثنين وعلى ارتفاع ألف وستمائة متر  … وقرية العربا وهي تقع في منتصف الجبل من الجهة الغربية …  أما جهته الجنوبية فهي لغامد ومن قراها فيه: الكبسه وتبعد عن قرية الصور بثلاثة أكيال وعلى ارتفاع قدره ألف وسبعمائة متر … وتعلو هذه القرية قمة شدا البالغ ارتفاعها من على قرية الكبسه أكثر من ثلاثمائة متر …وهي أعلى قمة في شدا الأعلى … إذ يبلغ ارتفاع الجبل عندها أكثر من ألفي متر عن سطح البحر كما سلف …ومن ثنية جنوبي قرية الكبسه ينحدر المرء إلى قرية السلاطين والتي تبعد عن أسفل الجبل من جهته الجنوبية بخمسة كيلومترات وعلى ارتفاع قدره ألف ومائتي متر … وإلى الجنوب من هذا الجبل يقع جبل شدا الأسفل … وهو أقل ارتفاعاً منه … وهذا الجبل لغامد خاصة … ولا يفصل بين الجبلين سوى وادي واحد يسمى وادي الحُوة …

طريق شدا الأعلى الجديد يتسم بالوعورة ولم يعبد إلا مؤخراً في طريق (عقبة ) يمتد لـ 11 كم حتى آخر قرية في ارتفاع يقارب 1600 متر … حيث كان الجبل من أشد الجبال وعورة … ويبدأ الطريق متفرعاً من طريق المخواة – قلوة … بعد مسيرة 30 كم تقريباً من المخواة …

جبل شدا الأعلى جبل فريد وعجيب في آن واحد … قطنه السكان منذ فترة طويلة … مازالت آثارهم وبيوتهم القديمة الجميلة شاهدة حية على قوة إرادة الإنسان في محاولة العيش في أماكن تحميه من الأعداء و تكفيه بجودة أرضها وطبيعة تكوينها المفيدة لهم …

 في شدا النحت والعادات والتقاليد والمخرجات الصوتية من أهازيج … وألحان تصدح بها النساء ويرددها الرجال وترددها أصداء الجبال بمفرداتها الفصيحة التي لم تتأثر بعد بحضارات أخرى … لا تزال تحتفظ بأصالتها العربية الفصحى … نظراً لعزلة وانزواء السكان قديماً في حتمية جغرافية داخل هذه التضاريس الوعرة … وقد استخدم الشدويون فن النحت وتطويع صخور الجرانيت واستخدمت الكهوف الطبيعية منها للسكن مع إضافة بعض اللمسات الفنية في تلك التشكيلات الصخرية وجعلها مناخاً صالحاً للسكنى وخلافاً للانتفاع بأشكالها المحفورة لأغراض معيشية ونفعية … وتجميلية فريدة …

عندما يعرج الزائر إلى قمم شدا الشاهقة يرى قدرة الأهالي على نحت هذه الصخور واستخدامها للسكنى بهذه الطرق الجميلة وإصرارهم على أنها أفضل من القصور والمنازل الحديثة … وهذه الكهوف متقنة في تصاميمها الطبيعية ومنها ما تدخلت في نحتها الأيادي كأعمال السباكة الدقيقة التي تخترق الصخور وأسلاك الكهرباء وغير ذلك … غير أن هناك أشكالاً طبيعية … صنعتها عوامل التعرية …

إلى جانب وجود النمر العربي في شدا حتى فترة قريبة والذي مسك إحداها بغرض إكثاره وإجراء البحوث عليه في المركز الوطني لأبحاث الحياة الفطرية بالطائف … يتواجد العديد من الحيوانات مثل : الوبر وقرد البابون … و ثبت وجود آكلات اللحوم من الذئاب والضباع وكذلك عناق الأرض (الوشق) والنمس ونوعين من الثعالب هما الثعلب الجبلي ويسمى محليا أبو غرّة والآخر هو الثعلب الأحمر والنيص والغربان والصقور والنسر الأحمر الجبلي …

يتكون جبل شدا الأعلى من صخور جرانيتية تناسب عملية الإنبات الطبيعي في جميع سطوحها … لنوعية تربتها المسامية واحتفاظها بمياه الأمطار … لذلك تكون سمتها الازدهار بصور الحياة الفطرية … والبروزات الصخرية حادة الانحدار فوق الجبال الوعرة وعلى جوانب التلال … وتحوي في معظم أجزائها مجاري وأدوية كبيرة متقطعة تبدأ عشوائية وتتحد في شبكة متشعبة كاملة التكوين تصب في الأودية الكبيرة … وتوجد التربة الطينية مخلوطة بحبيبات الجرانيت المتفتتة التي تتساقط من جوانب الجبل خصوصا في المستنقعات وفي المدرجات القديمة التي تحجز التربة للاستخدام الزراعي … والمنطقة تحوي 450 نوعا نباتيا تمثل 25% من نباتات المملكة …

من الأنواع النباتية الهامة التي تنبت في الجبل : أشجار اللبخ المعروف محليا بالصومل وتوجد في شقوق وسفوح الجبال والعدن ونبات الشار الذي يعتبر هاما في إنتاجية العسل والقطف والسيال … وهي الشجرة السائدة من السنط في أغلب مناطق جبل شدا الأعلى والأسفل … كما يوجد العرعر في أعلى المواقع … والرنفل في حواف الأودية السفلى … والصندل في السفوح الشمالية الوعرة … ومن النباتات الطبية الموجودة : الينسون البري والسدر والتين الشوكي والخروع والعثرب واللوز … ومن نباتات الزينة التراثية الكادي والريحان والبعيثران والورد البري …
 

إن جبل شدا بتكوينه الجيولوجي واحتوائه على العديد من الأنواع النباتية الفريدة ونشاط سكانه التراثي وكرمهم وإنتاج العسل التقليدي واحتواء الجبلين شدا الأعلى والأسفل على صور مزدهرة من الأنواع الحيوانية ومختلف أنواع الطيور المستوطنة والمهاجرة وطبيعة المناخ المعتدل حيث الارتفاع الكبير … يجعل من الموقع بحق معلما مميزا للسياحة البيئية …

أرجو أن تكونوا استمتعتم بهذا الجزء واستفدتم … وإلى لقاء قريب – بإذن الله – مع الجزء الثاني من هذه الرحلة الجنوبية …

لكم أطيب التحايا وأزكاها من أخيكم …

رسلان 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،


تعليقات 1

  1. السلام عليكم موضوع رائع تمت كتابته بطريقة مميزة وترتيب الصور بطريقه رائعه موضوعك يحمل المعلومات والفائده وفي نفس الوقت ممتع…شكرا لكي علي هده الرحله المميزة وفي انتظار جديدك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رحلتي إلى الجنوب (1) صور ومعلومات

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول