رحلة التين والتمر – الجزء 2


اضغط للاطلاع على الجزء الأول

من الأمور التي استفدتها من التجارب بالنسبة للمراكز الحدودية، هي أني لا أتودّد مع موظفين الحدود أكثر من اللازم، ففي التودّد مدعاة إلى التُّهم، كما أنَّني لا أُفرط في الحذر فإنَّ شدته متهمة أيضاً، فلا تودد زائد ولا حذر مفرط .

المهم أنني عندما وقفت في المركز السوري رأيت كثيراً من الشُرط وموظفي المركز، ولمحت إخوة لجوزيف جاؤوا ليستسقوا جيب عبدالله الضعيف، فعلمت أنّ في كل وادٍ بنو سعد، وبعد التدقيق والتلكؤ ببعض الإجراءات والتمحيص الممل وجني ضرائب السيارة والمرور وغيره وفحص وختم الأوراق، دخلت البلاد متذكراً قول الجن : { إنّا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرساً شديداً وشُهبا } وتأملت كيف تختلف وتتغاير أمزجة بني آدم رغم أنّ المسافة قصيرة، وتذكرت قول جرير عندما أبطل عمر ابن عبدالعزيز المكوس أي ضرائب في عهده:

ولقد نَفَعْتَ بما مَنَعْتَ تحرُّجاً .. مكس العُشورِ على جسورِ الساحلِ

كان الطريق أنيقاً جميلا، تحفهُ الأشجار من كل جانب، يرتفع بي حيناً فأكبر ثم يهبط فأسبح، وبعد نصف الساعة من المسير تجلى أمام ناظري قاسيون الحضارة ببهائه وكبريائه وشموخه، فذكرت مرثية الشهرورزي المؤثرة في كمال الدين قاضي الشام الذي توفي سنة 572 هـ ، ومطلعها:

ألمّوا بسفحيْ قاسيون وسلموا .. على جدثٍ بادي السّنا وترحموا
وأدوا إليهِ عن كئيبٍ تحيةً .. يكلفكم إهداءها القلبُ لا الفمُ

ثم بدت فاتنتهُ الجميلة مُستلقية عنده، أجل هذه دمشق، دمشق الصالحية والأموي وبردى والحنابلة والغوطة، فانبعث غبار ذاكرتي لِيُمرر أمام عيني صوراً بانورامية سريعة متلاصقة لأحقاب متطاولة من ذلك التاريخ البعيد، ويُكررعلى سمعي أصوات شعراء وأدباء وبلغاء تغنوا بمجدها التليد، وينثر في قلبي رذاذ أسرارٍ سماوية غذَّت هذه المدينة بماء عراقتها ونسيم أصالتها وأصائلها ورحم الله شوقي حين قال :

سلامٌ من صبا بَرَدى أرقُّ .. ودمعٌ لا يُكفكفُ يا دمشقُ
دخلتُكِ والأصيلُ له ائتلاقٌ .. ووجهكِ ضاحك القَسمات طَلْقُ

عندها طفق شريط التاريخ يتحرك أمامي ابتداء من الآشوريين ثم البابليين ثم الفرس ثم الأرمن ثم اليونان، مروراً بالإسكندر المقدوني الذي كانت دمشق في أيام خلفائه هلينية يونانية، كما كانت في عصور كثيرة سريانية آرامية، الى أنْ سقطت بأيدي النبطيين العرب سنة 85 قبل الميلاد، عندما فتحها الحارث النبطي، وهذا ما يؤكد انتشار اللغة العربية في دمشق قبل الفتح الإسلامي بزمن سحيق.

عشتُ غيبوبة تاريخية مؤنسة، وأنا أتابع تجلي مدينة السحر والشعر أمامي، وأتطلع لرؤية محاسن أشجارها وأزهارها وغوطتها ومنازلها.

وإذا مررتَ على المنازل مُعرضاَ .. عنها قضى لك حُسنها أنْ تُقبلا
إنْ كنتَ لا تسطيع أن تتمثل الـــ .. ـــفردوسَ فانظرها تكن مُتمثلا
وإذا عنانُ اللحظ أطلقهُ الفتى .. لم يلقَ إلا جـــنــــةً أو جـــــــدولا
أو روضةً أو غيْضةً أو قُــبـةً .. أو بركةً أو ربوةً أو هـيْــكــــــلا

ثم تتابعت الصور أمام عيني، فرأيتُ فتحها في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه، ثم قيام دولة بني أمية فيها حتى سنة 132 هـ، ومن قد تولاها من خلفاء بني العباس قبل أن يليَ الخلافة كهارون الرشيد وابنه المأمون، فقد كانا يختلفان على أهلها ويعدلان فيهم، ثم قيام الدول التي اقتطعت من جسد الخلافة العباسية عند ضعفها، وما كان من الوثوب الفاطمي عليها، إلى أن ردها السلاجقة رداً جميلا، ثم قيام الدولة النورية والصلاحية في وجه الصليبيين وما تخلله من تواطؤ بعض الأمراء، ثم جاءت دولة المماليك فالدولة العثمانية، وما أعقبها من نكباتٍ ودولٍ لا تخفى.

يا شامُ إنَّ جراحي لا ضفافَ لها .. فمسِّحي عن جبيني الحزنَ والتعبا
يا شامُ أين هما عينيْ معاويةٍ .. وأين مَن زحموا بالمنكبِ الـشُهُـبــا ؟

أجل تلك هي الشام العظيمة الكريمة، وما ذاك إلا طرفاً من تاريخها ونقطةٍ من بحرها، فكم مادَ فيها من غصنٍ رطيب، وكم من منبر أُقيمَ فيها لخطيب، وكم من شاةٍ ذُبحت فيها لغريب، وكم حيكت بها من مؤامرة، وكم طابت بها من مسامرة، وكم ضرب عليها من حصار، وكم لمعت في ليْلها من نار، وكم وفد عليها من مُحدثٍ وشاعرٍ ونديم، وكم ولدت في حياتها من عظيم، فما أقصر تاريخك يا ابن عساكر، وما أقل ما جمعته يا ابن شاكر.

يفنى الكلامُ ولا يُحيطُ بفضلها .. أيُحيطُ ما يفنى بما لا ينْفدُ ؟


أدرت مِقود المركبة باتجاه الغرب أو صراط التاريخ وقد مثَّلتُ أني اخرج من إحدى بوابات دمشق العتيقة مع قافلة من قوافل الحجاز قُبيل الصبح، مُخلفاً كنز أحلام نزار ومروحته وراء ظهري، وكم يكبر على المرء المُنصف أن يتعجل الرحيل عن حاضرة التاريخ ومأوى الثقافة، إلا أن للوقت حكمه وسيفه، وعزائي أنني قد مررت بها قديماً غير مرة.

في هذا الطريق المؤدي إلى الأردن وطوله قرابة 90 كيلو، يمكن لمن يهوى التاريخ أن ينغمس في صفحات عذبةٍ مشرقة عن يمينه وشماله، وذاك لأنك تلحظ أثناء مسيرك أسماء بعض القرى والمدن التي كان لها ما كان في عصور قد خلت، أو أنها مسقط رأس عظيم أو مدفن كريم، وبما أنني مولع بتفقد الآثار وتنقيب أحقاب التاريخ بحثاً عن عبرة أو نادرة، أخذت أتلفت وأقرأ أسماء تلك المدن الممتدة عبر الطريق لأربطها مع ما كنت أقرأه حتى يكون الأمر أمامي واقعاً ملموساً.

كان الطريق مستوياً وربما انحدر بك قليلاً وأنت لاتشعر، والأرض منبسطة في معظمها ما خلا من بعض المرتفعات والسهول والتلال هنا وهناك، كما تكثر على جانبي الطريق الحقول والمزارع و أصوات الرعاة والفلاحين لتمتزج مع طبيعة نفسي المُحبة للبساطة وعدم التكلف، وتتخلل هذه الحقول قرى وبلدات أعرف سيماها واستحضر في ذاكرتي مسمّاها.

ومن أول ما لحظت بعد المُضي قليلاً في الطريق بلدة يقال لها داريا وكانت أعظم قرى أهل اليمن بغوطة دمشق تبعد عن دمشق بنحو ثمانية كيلو مترات جنوبًا إلى الغرب، قال عنها ياقوت: قرية كبيرة مشهورة من قرى دمشق بالغوطة، والنسبة إليها داراني على غير قياس، وبها قبر أبي سليمان الداراني، ومنها ابن المهنا الذي صنف كتاب اسمه تاريخ داريا، وأبو قلابة الجرمي تابعي ومحدِّث مكثر، روى عن بعض الصحابة وروى عنه الكبار. وحديثه مخرج في الكتب الستة وغيرها، كان عالماً بالقضاء مع عزوفه عنه، طُلب للقضاء فتغيب وتغرب عن وطنه، فقدم الشام، ونزل داريَّا ومرض فعاده في مرضه عمر بن عبدالعزيز .

ثم بلدة اسمها الكسوة وهي التي قَتَلَ بها الغساسنة رسل ملك الروم لما أتوا إليهم لأخذ جزيتهم منهم واقتسموا كسوتهم، فسميت بالكسوة، وهي أول منزل تنزله القوافل الخارجة من الشام باتجاه مصر قديماً، والغساسنة هؤلاء هم الذين قال فيهم حسّان في الجاهلية:

يُغشوْنَ حتى ما تهرُّ كلابهم .. لا يسألون عن السواد المُقبلِ
بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابهم .. شُمُّ الأنوفِ من الطراز الأولِ
أولاد جفنةَ حول قبر أبيهمُ .. قبر ابن مارية الكريم المفضلِ
يسقون من ورد البريص عليهمُ .. بَرَدى يُصفقُ بالرحيق السلسلِ

وقريباً منها دارت معركة شقحب أو مرج الصفر سنة 702 هـ، بين المماليك بقيادة الناصر محمد بن قلاوون، والمغول بقيادة قطلوشاه وانتهت بانتصار المسلمين، وقد شارك في هذه المعركة شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله.

ثم رفعت لي بعد ذلك بلدة تسمى غباغب، قال أبو الحسن الرازي : أبو القاسم الغباغبي كان معلماً على باب الجابية، سمعت منه، ومات سنة 525 هـ .انتهى .

وقد سمعت صاحب قول على قول ذكرها في بيت جاء في معرض رده على أحد أسئلة برنامجه، فقال: ومن أطول ما قرأت في الوصف التصويري قول علي بن الحسين بن علي العبسي الورَّاق :

وما ذات بعلٍ مات عنها فُجاءة … وقد وجدت حملاً دوين الترائبِ
بأرض نأت عن والديها كليهما … تعاورها الوُرَّاث من كل جانبِ
فلما استبان الحمل منها تنهنهوا … قليلاً وقد دبَّوا دبيب العقاربِ
فجاءت بمولودٍ غلامٍ فأحرزت … تراث أبيهِ المَيْت دون الأقاربِ
فلما غدا للمال رباً ونافست … لإعجابها فيه عيونُ الكواعبِ
وكاد يطول الدرع في القد جسمه … وقارب أسباب النُهى والتجاربِ
وأصبح مأمولاً يُخافُ ويُرتجى … جميل المحيا ذا عذارٍ وشاربِ
أتيح له عبل الذراعين محذر … جريء على أقرانه غير هائبِ
فلم يبق منه غير عظم مجزر … وجمجمة ليست بذات ذوائبِ
بأوجع مني يوم ولَّت حمولهم … يؤم بها الحادون ( وادي غباغبِ )

وقريباً من غباغب يقع دير العدس، ودير العدس هذا له خبر غريب ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق، والمحب الطبري في الرياض النضرة في مناقب العشرة، وهو بتصرف غير مخل: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في تجارة مع قوافل قريش إلى الشام وهو شاب في أيام الجاهلية، وعند عودتهم تذكر أنه نسيَ حاجة له فرجع الى دمشق وقال لرفقته: اذهبوا وسألحق بكم.

يقول عمر: فوالله إني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد جاء فأخذ بعنقي وأدخلني كنيسة، فإذا تراب متراكب بعضه على بعض، فدفع إلي مجرة وفأساً وزنبيلاً وقال: انقل هذا التراب، فجلست أتفكر في أمري كيف أصنع؟ فأتاني في الهاجرة وقال: لم أرك أخرجت شيئاً، وضم أصابعه فضرب بها وسط رأسي، فقلت ثكلتك أمك يا عمر، بلغت ما أرى، فقمت بالمجرة فضربت بها هامته، فإذا دماغه قد انتثر، فأخذته فواريته تحت التراب، ثم خرجت على وجهي ما أدري أين أسلك بقية يومي وليلتي حتى أصبحت.

يقول: فانتهيت إلى دير فاستظللت بظله، فخرج إلي رجل منه فقال: يا عبد الله ما يجلسك ههنا؟ فقلت: أضللت أصحابي، فقال: ما أنت على الطريق، وإنك لتنظر بعين خائف، ادخل فاصب من الطعام والشراب واسترح ونم، فدخلت فأتى بطعام وشراب، فصعد في النظر وصوبه ثم قال: يا هذا: قد علم أهل الكتاب أنه لم يبق على وجه الأرض أحد أعلم مني بالكتاب، وإني أجد صفتك الذي يخرجنا من هذا الدير وتغلب على هذه البلدة، فقلت له: أيها الرجل: قد صنعت معروفاً فلا تكدره، فقال لي: اكتب لي كتاباً في رق ليس عليك فيه شيء. فإن تكن صاحبنا فهو ما نريد، وإن تكن الأخرى فلن يضرك، فقلت: هات فكتبت له ثم ختمت عليه، فدعا بنفقة فدفعها إلي وبأثواب وبأتان قد وكفت، فقال: ألا تسمع قلت: نعم ! قال: اخرج عليها، فإنها لا تمر بأهل دير إلا علفوها وسقوها، حتى إذا بلغت مأمنك فاضرب في وجهها مدبرة فإنها لا تمر بقوم ولا أهل دير إلا علفوها وسقوها.

فذهبت بها حتى أدركت أصحابي متوجهين إلى الحجاز ثم ضربت في وجهها مدبرة ثم سرت معهم. قال الراوي: فلما قدم عمر في خلافته إلى الشام أتاه ذلك الراهب، وهو صاحب دير العدس بذلك الكتاب فعرفه عمر فقال له: أوف لي، فقال عمر: ليس العمر فيه شيء ولكن للمسلمين. ثم أنشأ عمر يحدثنا بحديثه حتى أتى على آخره، ثم قال للراهب: إن أضفتم المسلمين وهديتموهم الطريق ومرضتم المريض فعلنا ذلك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، فوفى له بشرطه ، فالله أعلم .

وبعد الدير تقع قرية جاسم مسقط رأس أبي تمام الشاعر العباسي المعروف، وممن ذكرها عدي بن الرقاع العاملي في قوله:

لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عسا .. فيه المشيبُ لزرتُ أمّ القاسم ِ
وكأنها بين النساء أعارها .. عيْنيهِ أحوَرُ من جآذرِ جاسم ِ
وسنانُ أقصدَه النعاس فرنّقت .. في عينهِ سِنةٌ وليس بنائم ِ

وقريباً منه تقع أيضاً بلدة نوى وهي مسقط رأس الإمام النووي رحمه الله صاحب رياض الصالحين الذي أصبح شاهداً على قبول العمل نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا، إذ أنك قلما تجد بيتاً أو مسجداً أو مدرسة لا يوجد بهم هذا الكتاب المبارك، بالرغم من أنَّ هناك ما يفوقه في بابه ولكن البركة إذا حلَّت فلا تسأل عن غيرها من الأسباب، والنووي من العلماء الذين لم يتزوجوا كشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يكن هذا رغبة منهم عن سنة المرسلين في الزواج ولكن حياة العلم والدعوة والجهاد والتصنيف والرد على الفرق الضالة قد تكون من الأسباب التي شغلتهم عن الزواج والله أعلم.

وعلى الطريق تقع بلدة الصنمين، التي جاء ذكرها في غزوات التتار لبلاد الشام أيام دولة المماليك، وجاء أيضا ذكرها في خريدة القصر للعماد الأصبهاني عند ترجمة الشريف محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الشاعر في قصيدته التي مدح بها الأفضل ومنها :

رضيتُ وصال طيفكِ وهْوَ زُورٌ … وعند الشيب يُرْضَى بالخضابِ
فدع ذكراك أياماً تقضَّت … إِذا ذهب الصِّبَا قَبُحَ التصابي
ودون ثنيَّةِ الصَّنَمين ظبيٌ … وقورُ الحِجْل طيَّاشُ الحِقَابِ

وإذا وقف الإنسان في الصنمين، واستقبل الشمال ظهرت له بلدة الجابية، وتظهر من نوى أيضاً، وفيها خطب عمر بن الخطاب خطبته المشهورة لما قدم الشام سنة 16هـ بعد معركة اليرموك ووزع غنائم المعركة فيها، وباب الجابية الذي بدمشق منسوب إليها.

ومما رأيت أيضاً على جانب الطريق قبل الحدود لوحة مدينة بُصرى وهي بصرى الشام التي تشرفت أرضها بموطئ النبي صلى الله عليه وسلم عليها، كما جاء في السِير، عندما اصطحبه عمه أبو طالب في تجارة إلى الشام عندما كان فتى صغيراً، وهنا في بصرى التقى ببحيرى الراهب، وهي المذكورة في الحديث : ( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ، تضيء أعناق الإبل ببصرى ) رواه البخاري، وقد حدث هذا في سنة 654 هـ كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية وغيره، ومما قيل في بصرى :

أيا رفقة من دير بصرى تحملت .. تؤمُّ الحِمى أُلقيتِ من رفقةٍ رشدا
إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا .. تحية من قد ظنَّ أن لا يرى نجدا

وقُبَيْل الغروب كنت قد وصلت إلى مركز نصيب الحدودي مع الأردن، فتوقفت وصليْت المغرب والعشاء جمع تقديم وقصرت العشاء، ثم وصلت إلى المركز الأردني المسمى بجابر ، فرأيت لوحة كبيرة كتب عليها أهلا وسهلا بكم في الأردن أو ما يشبه هذه العبارة، فشعرت بأنني أفِدُ على أهلي حيث أنّ ليَ في الأردن ملاعب فتوة ومعاهد صبا لم أزل أتذكرها جيداً.


كان دخولي للأردن يشبه دخولي لبلدي نظراً لكوني قد سافرت إليها كثيراً حتى أنني لا أذكر تفاصيل أول زيارة لي إلى الأردن لأني لم أتجاوز حينها 4 سنوات، لذلك ألفتها وألفت أهلها واعتدت على طريقة التعامل المثلى معهم خاصة من ينحدرون من قبائل الأردن، فالأردن كما هو معلوم ينقسم تقريباً إلى أهل الأردن الأصلين وهم من قبائل عربية كبني صخر وبني عدوان وغيرهم، وإلى أردنيين متجنسين أغلبهم ممن نزحوا إليها من فلسطين بعد احتلال فلسطين من قبل اليهود عجل الله بزوالهم، وبعضهم استوطنها بعد حرب الخليج .

ومما رافقني في هذه الطرق صوتٌ يُحدثني عن كتب أدب الرحلات يستعرض فيها أشهر الكتب العربية التي أبدعت في هذا الأدب، فاستفدتُ أيما فائدة من هذه المحاضرة الطويلة الرائعة، فبالرغم من أن الشيخ عبدالكريم الخضير كان على سجيته في استعراض هذه الكتب إلا أنَّ إيحاء وإيماء الشيخ كان كافياً ووافياً ومحفزاً لقراءة بعض هذه الكتب، لا سيما رحلة ابن جبير ونقده الاجتماعي البناء، ورحلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وما تخللته من مسائل علمية، ورحلة ابن بطوطة الشهيرة وغيرهم .

وبعد ساعة أو نحوها أقبلت على مشارف عمان وكنت قد أجريت اتصالا مع أبناء أخي الذين يدرسون فيها بعد أن نفضوا عنهم غبار الدعة والقناعة بالدون ورحم الله القائل :

إنّي رأيتُ وقوفَ الماء يفسده .. إن ساح طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ
والأُسدُ لولا فراقُ الغاب ما اقتنصت .. والسَّهمُ لولا فراقُ القوْس لم يُصِبِ
والتبر كالتُرب ملقىً في أماكنهِ .. والعود في أرضهِ نوعٌ من الخشبِ

أخبرتهم بقدومي ونية مبيتي عندهم الليلة قبل استئناف الرحلة، فرحبوا بي وبالغوا في الترحيب وتلك عادة الكرام عندما يطرقهم طارق، فتذكرت كيف كان العرب يقومون بقرى الضيف وهم لا يعرفونه رغم ضعف الحال، وما أجمل ما قاله الشاعر:

نزلتُ على آل المهلب شاتياً .. غريباً عن الأوطان في زمن المحلِ
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم .. وإلطافهم حتى حسبتهمُ أهلي

وآل المهلب أسرة من أزد عمان كان لهم شأنٌ عظيم في الدولة الأموية أيام عبدالملك وأولاده، قال شاعر من قضاعة من بني ضبة ليزيد بمن المهلب :

واللهِ ما ندري إذا ما فاتنا .. طلبٌ إليك من الذي نتطلبُ
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد .. أحداً سواك إلى المكارم يُنسبُ
فاصبر لعادتنا التي عوَّدتنا .. أو لا فأرشدنا إلى من نذهبُ

فأعطاه 1000 دينار، فلما كان من العام المقبل وفد هذا الرجل عليه في البصرة فقال:

مالي أرى أبوابهم مهجورةً .. وكأنَّ بابك مجمعُ الأسواقِ
أرجوك أم خافوك أم شاموا الندى .. بيديك فاجتمعوا من الآفاقِ
إنّي رأيتك للمكارم عاشقاً .. والمكرماتُ قليلة العشاقِ

فأعطاه 10000 درهم ، كانت هذه الصور من الجود في مخيلتي وما أجمل أن يُحدث المرء نفسه بخصال الخير ومكارم الأخلاق ثم يستعرض ما يستحضره من الآثر والأخبار في ذلك .

وبعد المكالمة بقليل دخلت عمان أو ربة عمون كما كانت تسمى قديماً ومعنى الاسم دار الملك للعمونيين، وهم قبائل سامية قديمة استوطنت شمال الأردن منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد ذُكر هذا الاسم في التوراة .

توقفت أمام منزلهم وإذ بهم يحفون بي هم وأصحابٍ لهم فرحاً برؤياي ،اسأل الله أن يجزيَهم عني كل خير فنزلت عندهم خير منزل، وتسامرنا مسامرة ثقافية شرعية لطيفة لم تزل ملامحها في ذاكرتي، دامت إلى قُبيل صلاة الفجر، دار الحديث فيها عن قضايا وأسماء أذكر منهم الشيخ القارئ محمد أيوب إذ أنني من المحبين لصوته جداً خصوصاً قراءة التهجد والتراويح الذي يشتهر بها، ومما تطرقنا له أيضاً حكم دراسة الحقوق أو القانون وقد نقلت لهم فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء وفتوى لبعض المشايخ حول هذا الأمر، وتتلخصان بالآتي :

– مَن درس القانون وهو معجبٌ بأحكامه مزدرياً الشريعة الاسلامية ويرى أنَّ القانون الوضعي أفضل من الشريعة، فحكمه الكفر عياذاً بالله لأنه فضّل أحكام البشر على أحكام رب البشر سبحانه وتعالى .
– مَن درس القانون وهو يرى أن الشريعة أفضل منه، إلا أنه أراد الوجاهة أو الراتب وغيره من حظوظ الدنيا، فهذا فاسق .
– أما مَن درس القانون ليُبيِّن نقصه وعدم كماله مقابل الشريعة الإسلامية الكاملة، فهذا الذي يُؤجر عند الله عز وجل إن أخلص النية لله، وإذا أراد استرداد حقوق الناس والمطالبة بمظالمهم فلا يطلبها إلا بما وافق الشرع .

وهناك بعض المشايخ الذي يرى أنّ دراسة القانون لنصرة الحق جائزة والله تعالى أعلم .

مع العلم أنّ هذه الفتاوى ربما اختلفت من بلد لآخر نظراً لواقع البلد ونظرة علماء البلد للمصالح والمفاسد، ثم بعد نقاش وحوار ماتع مفيد قمنا إلى صلاة الفجر، بعد ذلك أخلدت إلى النوم في مكان مناسب قد هيئوه لي، حيث سأكمل رحلتي الجميلة قبل صلاة الظهر وأجدني متحفزاً لها كما قال أمين نخلة:
" في زاوية كل نفس إبنُ بطوطة مُتهيِّئ للرحلة، وإنما يعوزه نقلُ القدم "


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


تعليقات 5

  1. الموضوع مفيد و منعش للفكر من معلومات تاريخية و قصائد شعرية مختارة…اللخه يعطيك الصحة و العافية على هاته المعلومات.

  2. دخلت البلاد متذكراً قول الجن : { إنّا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرساً شديداً وشُهبا } قول الله تعالى وليس قول الجن

  3. وأخيراً …. شوّقتنا وابتعدت عنا ونحن منتظرين ابداعاتك ولفتاتك القيمة رجاءً لا تطل الغيبة ونحن بانتظار الآتي مع فائق احترامي ومحبتي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رحلة التين والتمر – الجزء 2

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول