ذوقيات غائبة


من العلامات الفارقة التي تميزنا السرعة الفائقة، بل المتهورة التي نقضيها في تناول الطعام ..ولو كان هناك مسابقة عالمية في سرعة الأكل لسجل الرقم العالمي باسمنا ولا شك !!

ويا ليت تلك العجلة تهدف للحفاظ على الوقت أو لإنجاز أكبر قدر من المهام في اليوم لكنا قد سلكنا بها سبيل ابن عقيل رحمه الله واقتفينا أثره عندما قال :
(وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي حتى اختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفراً على مطالعة أو تسطير فائدة لم أدركه )
ولكن الإشكالية أنها مجرد عادة سيئة لا أكثر! وقد حكى لي أحدهم أنه في كثير من الأحيان عندما تضع والدته الطعام (وزوجته لاحقاً) على المائدة، ثم تذهب لإحضار شيء من المطبخ فبمجرد عودتها بعد دقائق معدودة تكون الأطباق قد مسحت وصارت قاعاً صفصفا فلا ترى فيه عِوَجاً وَلَا أَمْتاً !

لذا أنصح كل زوجه بألا تضع الطعام إلا بعد أن تتأكد وبنسبة 100% أن المائدة اكتملت تماماً, وألا تتهور وتدعو أفراد العائلة قبل اكتمال المائدة, وعلى النقيض تجد الشعب الأنيق الفرنسي يقضي ساعات طوال على الوجبة، حيث الاستمتاع بكل لقمة وبكل رشفة والأكل لديهم بناء على مراسيم وطقوس وبرتوكولات جميلة ووفق ترتيب لطيف ناعم , فاحتساء الشوربة فقط لربما استغرق أكثر من ساعة!! والوجبة عندهم ليست مجرد أكل أبداً، فالعقود تبرم على الوجبات والمشاكل المستعصية تحل عليها وبعضهم لربما صنع أجواء رومانسية حالمة على سفرة الطعام .

وبالمناسبة فالفرنسيون لا يقدمون على تناول الوجبات إلا حال وجود الرغبة التامة، كما أن الفرنسيين لا يتناولون الطعام إلا في المطاعم أو على موائد الأكل بعكسنا للأسف, فلا تستغرب إن رأيت أحدنا يلتهم الساندويتش في سيارته! ولا يستنكر من بعض الرجال التسلل للمطبخ والهجوم على قدر الرز وهو لا يزال يطبخ! وأمر طبيعي جداً أن تلاحظ بقايا الأكل في إحدى غرف النوم! وهو ما يعده الفرنسيون أمراً همجياً وغير متحضر! ومن الملاحظات في هذا الشأن التي تنم عن ضعف في الإحساس بالآخرين وعدم تفهم لمشاعرهم تلك الأوامر التي لا حصر لها من قبل الأب لأولاده وزوجته أثناء تناول الطعام، فتجده متربعاً كالإمبراطور الحاكم بأمره وبينما الصغير (المتضور جوعاً) قد شرع في الأكل وبدا يستطعمه وإذا بوابل الأوامر ينهال من الأب (شطة – ملح – ثلج – ببسي – وغيرها من الأوامر)، فتجد العائلة بين روحة وجيئة لخدمة هذا الأب حتى أن الوجبة تصبح حملاً ثقيلاً وهمّاً عظيم !

* وبعض الآباء الذي لا يراه أبناؤه إلا أثناء وجبة الغداء تراه يتقمص دور ( المحقق والقاضي والشرطي) في وقت واحد حينها وتجده يحضر بنفسية متأزمة وروح ضيقة وبقلب أقسى من الحديد ولسان أحدّ من السيف، منتفخ الأوداج مكشر الأنياب ويمضي وقت الغداء وهو يسرد الملاحظات والانتقادات، فتجده راصدا للعثرات وعاداً للأنفاس ومتعقباً للسقطات ومضخماً للأخطاء (ليه المكيف مفتوح؟ وليه ما طفيتوا اللمبات؟ وليه درجاتك ضعيفة؟ وعقالي من ضيعه؟) وألف ملاحظة وملاحظة! قُضيت الجلسة بوعيد يكسر العظام وترتعد له الفرائص وقد حجب عنهم ابتسامته وضن عليهم بحنانه وستر عنهم خيره وبمجرد أن ينتهي وقد تمددت أضلاعه من الشبع لا تجده أزجى شكراً لزوجته أو نشر جميلها مبرزاً صفحة الوقاحة وخالعاً جلباب الذوق !

* فلماذا لا نتعلم من الفرنسيين؟ أليست الحكمة ضالتنا؟ !
وأيسر منهم درباً وأصفى نبعاً وأجمل طبعاً وأكمل خلقاً في سلوكيات حبيبنا اللهم صلّ وسلم عليه.. فالله الله في سيرته .

ابتسم
مرَّ طُفَيْليّ بقوم يأكلون فقال لهم: ما تأكلون؟؟ فقالوا : نأكل سمًّا! فأجاب الطفيليّ: لا خير في الحياة بعدكم!! وقام يأكل معهم .


قبل الأخير
بفضل من الله صدرت الطبعة الثانية من كتابي افتح النافذة ثمة ضوء وقريبا في الأسواق كتاب أنت الربيع فأي شيء إذا ذبلت ,اسعد بتواصلكم واقتراحاتكم
حافظ ودكم د خالد المنيف
[email protected]


تعليقات 14

  1. توجد بعض الأشياء التي ذكرتها عندي مثل السرعة في الطعام والأكل في غير مكانه، فما الذي يجعلنا أن نقول عنها سلبية؟ لما لا تكون إيجابيه؟ ما هو الميزان الذي نقيس به السلبية والإيجابية؟ على العموم درس لطيف منك:) وفعلاً الحكمة ضالة المؤمن

  2. شكرا دكتور خالد على هالطرح المتميز كعادتك ولسنا مقيمين لمثلك دكتور لكن من سلبيات ناالفرنسيين في اكلهم اضاعة الوقت فتخيل وجبة غداء ساعتين وليست ساعات فقط ساعتين كم من الوقت ضيع ؟ وان كنا نعلم ان في المقال مبالغات للاثارة لكنها تغيرت مع تغير ثقافة الاباء وفهم نفسيات الابناء ملاحظة اخيره لم اجد تعليق على الامات او بعض الامهات حال وضع السفرة وسرد طلبات وملاحظات للزوج عن نقص كذا وبروح هنا الى ما تسد نفسه وربما تخلق مشكله تطول الجميع اكرر شكر واعجابي بسردك المتميز اخي خالد

  3. عندما تضع والدته الطعام (وزوجته لاحقاً) على المائدة، ثم تذهب لإحضار شيء من المطبخ فبمجرد عودتها بعد دقائق معدودة تكون الأطباق قد مسحت …. هاذي العاده كانت تصير كثيييير:~ …بس الحمد لله سيطرنا عليها8) ..محد يمد يده لحد متجتمع العائله كلها موضوع رائع ..انشاء الله يستفيد منه الجميع

  4. مقالك اكثر من قيّم وربما لايعجب الكثيرين لانه كلمة حق وهذا يحصل فعلا في كل البيوت التي انعدمت منها الاذواق — وبالنسبة للاخ الذي بريد انتقادا للمهات –والزوجات فأقول يكفيهم منك شكرا وتقديرا لانهم يبذلون كل مابوسعهم لحمل ثقل طلبات البيت التي لاتنتهي – بدلا عنك -وكثرة طلباتها هذا يعني اهمتامها بكل ماينقص هذا المنزل الذي تسكنه والذي انت سيده فلا اعلم لمن تطلب وممن تطلب –؟؟

  5. الغريب بالأخر ياأخي ,أنه السرعه بالأكل مستحبه ,ولاأقصد السرعه التي بدون مضغ لكن بمضغ وبسرعه أيضا. السبب أنه العضله المغلقه لفتحة المعده ,تبقى مفتوحه لفتره طويله إذا طولت بالأكل . وبعد فتره من الزمن تتعب هذي العضله ,وتكون مفتوحه بشكل بسيط ,حتى بوقت ليس وقت طعام ,وهذا مايسمى بالطب heart pain أي ألم القلب ,بسبب قوة الالم,وبالعربي القرحه B للمعلوميه هي مسببه لسرطان المريء بسبب الأحماض الخارجه من المعده إلى المريء لذلك كل بسرعه ووقف ههههه. تغص أفضل من أنك تصاب بالسرطان:( تحياتي

  6. جزاك الله خير اسلوب راقى وسلس ونحن المسلمين لو اخذنا بواصيا النبى صلى الله عليه وسلم فى الطعام مثل ثلث لطعامك والتسمية وغيرها ممالايحضرنى لكفتنا مع احترامى لرأيك والاختلاف لايفسدللود قضية

  7. الحكمة ضالتنا لكن بدلا من ان اأخذها من الفرنسين نجده بشك اوضح في سيرة النبويه (ياغلام سم الله وكل بيمينك وكل ممايليك ) وغيرها الكثير فلماذا نتخلى عن حضارتنا التي هي الاساس ونذهب الى حضارة اخرى هي من وضع البشر شكرا جزيلا

  8. لايمنع أن يكون الجلوس على الوجبة للإستمتاع ,, و فرصة للحوار مع المصاحبين لك .. وليست بغرض الأكل فقط ,, لك تقديري ..

  9. موضوع طيب …………. للغايه بارك الله فيك… منتظر منك موضوع عن الوعي المروري الغائب عننا والله يادكتور معاناه ……….خصوصا في الرياض من جد منتظر

  10. :$:$تسلم لنا يادكتورعلى الموضوع الرائع والاسلوب الأروع ,,, واشوف البعض ماعجبه الموضوع لانه لا يتطلع لرقي في اسلوب حياته ويطور من نفسه ودائم كلمت الحق تزعل هه:$:$

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ذوقيات غائبة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!
ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول