ثقافة: كتاب كل أسبوع – حصاد السنين


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتاب حصاد السنين

حصاد السنين، د. زكي نجيب محمود، دار الشروق.

**

أحس الكاتب أنه وقد بلغ الخامسة والثمانين من عمره، وانتابته عوامل الضعف والمرض، أنه قد اقتربت سيرته الثقافية من ختامها، مما أوحى له بإن يكتب هذا الكتاب ليقدم به إلى قارئه صورة للحياة الثقافية كما عاشها أخذاً وعطاء.

**

كان صاحبنا منذ أوائل شبابه يرى، ويسمع، ويقرأ، فضلاً عن دراسته النظامية. وقد لحظ في نفسه منذ تلك السنين الباكرة، إقبالاً شديداً على الأفكار التي من شأنها أن تغير من حياة الناس، لتنقلها من قديم إلى جديد، ونفورا من الأفكار التي تعمل على ركود الحياة وجمودها

**

ليس هو من ذلك الصنف الذي يتوهم بأن كرامته تقتضي أن يتمسك بفكرة ثبت له بطلانها، ولم يعد لها – فيما أصبح يراه ولم يكن يراه – قوة عملية تطبيقية في ظروف جديدة استحدثتها الأيام. ومن هنا، قد نجد له فكرة أخلص لها في عهد من عهوده ثم تنكر لها في عهدٍ آخر.

**

إن صاحبنا لا يملك منع نفسه من محاولة التعليل لأي شيء يستلفت نظره في ظواهر الحياة كما يراها متمثلة في مسالك الأفراد أو الجماعات.. إنه يبحث لكل ظاهرة سلوكية عما يفسرها، وهو بحث يتم أكثره في صمت، ويخرج أقله إلى العلانية قولا منطوقا في أحاديثه، أو كتابة منشورة.

**

كم ألف مرة سمع من الناس ما يؤلمه ويؤذيه. ولو كانوا من غمار الناس لقلنا إن العدوان هو من طباع الغمار، ولكنهم كانوا أو كان بعضهم من الصفوة التي امتازت بثقافتها، ممن كان لابد لصاحبنا من أن يلتقي بهم من خلال حياته التي غلبت عليها صلات اجتماعية في مجال الثقافة

**

ورب ضارة نافعة، فقد كانت محصلة تلك النفس وطبيعتها المنطوية، أن اتسعت ساعات الفراغ أمام صاحبها، اتساعا أخذ يزداد معه كلما. تقدم به العمر، فازدادت تبعاً لذلك فرصة القراءة الجيدة المتمهلة.

**

إذا تذكرنا أن اللغات الأوروبية ينقل بعضها عن بعض أهم ما ينتجه المبدعون في كل ميدان، أدركنا أن معرفة لغة أجنبية واحدة تكفي صاحبها ليلم بجوانب الثقافة الأوروبية والأمريكية بعد ذلك، أيّاً كان مصدرها.

**

وأهم ما انتقل به صاحبنا من أفكار تشغله ويتحمس لها فكرة التطور، ومن ثم فكرة التغيير، وبالتالي فكرة التقدم..

**

والتقدم هو أن يكون بين مسلّماتنا الثقافية اعتقاد بأن الحاضر – دائماً – أفضل وأكمل من الماضي، اللهم إلا في عصور النكسات التي تتجمد فيها حركة التاريخ، أو تشتد النكسة فيرتد التاريخ منكفئاً على ماضيه.

**

كم نحرص أشد الحرص على الإشادة بالفضائل من حيث هي أسماء، وكم تغرينا ضرورات الحياة العملية بسلوك يتناقض مع ما نشيد به كلاماً. مما يوقعنا في تناقض يضطرنا اضطراراً إلى إزدواجية المعايير، فنتحدث مع الناس على صورة تتفق مع المثل العليا، ونختبئ وراء الجدران لنسلك في الخفاء على صورة أخرى، وسر ذلك هو أننا لم نكن قد عرفنا معنى ما نقوله عن الحياة الخلقية، بكل دقة.

**

إن حقيقة الأمر الواقع في حياتنا، هي أن التعامل بين الأفراد لا يجري على أساس المساواة بين الأفراد. فإذا كان الموقف المعين من مواقف ذلك التعامل،يشتمل على طرف ذي سلطان مع آخر من عابري السبيل لم يتوقع أحدمن الطرفين أن تكون المساواة بينهما مدار القول والفعل

**

لم يكن صاحبنا ذا مزاج سياسي بالمعنى الذي نراه متحققاً في الساسة المحترفين فكانت المشكلات السياسية عنده تتحول لمشكلات فكرية نظرية

**

وهو كثيراً جداً ما يأخذه العجب مما يسمونه سياسة لكثرة ما يراه فيها من مجافاة لمنطق العقل. وحتى إذا حدث له أن أبدى رأياً كهذا في موقف معين، قال له المحترفون: إن هذه هي السياسة.

**

إذا أراد عربي أن يرسم لنفسه صورة للطريقة التي تدور بها تروس الأمم المتحدة في خفاء الصدور، فأين يجد الصورة المنشودة إن لم يجدها في قصة الأمم المتحدة ومواقفها من الأمة العربية وشعب إسرائيل؟

**

وإن صاحبنا ليكرر القول مرة بعد مرة بإنه لم يخلق للسياسة وألاعيبها، فهو إذا وقف عند مسألة من مسائلها، فإنما يقف وقفة عقل منطقي إزاء مشكلة فكرية؛ وهكذا ينظر إلى حكاية العرب وإسرائيل والأمم المتحدة، أو قل الدول الكبرى صاحبة حق النقض في مجلس الأمن.

**

وكثيراً ما كان صاحبنا يذكر رأيه لأصدقائه وقرائه، بأن الإسراف في قيمة السلطة عند مواطنيه، هو العلة الأولى في حياتهم ولو استطعنا أن نُقلل حب التسلط لننزل من ذروته في سلم القيم عندنا لانزاح عن صدورنا كابوس ثقيل.

**

وأعجب العجب أن تسري في مجتمعنا هذه الأخلاق ولا يراها الناس، أو هم يتصرفون إزاءها وكأنهم لا يرونها. فلا المتسلط يرى في تسلطه شذوذا عن السواء، ولا الخانع أمام المتسلط يشعر بأنه قد أهدر آدميته بخنوعه وخضوعه لإنسان من البشر.

**

بينما ترى الواحد منهم وقد أوشكت حروف كلماته أن تشتعل بحرارتها دفاعاً عن الحرية، والمساواة، والعدالة، تنظر إليه في ساحات التعامل الفعلي يذل للكبار بقدر ما يستبد بالصغار.

**

أن الحرية لا تكون مطلقة لأي إنسان، وإنما هي منسوبة دائماً لما يكون الحر على علم دقيق به. وكان أفلاطون قد أدرك هذا المعنى للحرية إدراكاً واضحاً، إذ جعلها صفة تدور مع العلم وجوداً وعدما، فحينما يكون للإنسان علم بشيء، تكون له حرية بقدر علمه به.

**

وقد ألح عليه سؤال الحائر المتعجب: ما الذي يمنع أهله من السعي لكسب الحرية الصحيحة، وهي حرية من يعلمون؟ ويجيء الجواب بعد تدبر وتحليل علمي، بأن السر يكمن في الطبيعة البشرية، وهي أنه إذا كان الإنسان بحكم فطرته التي خلق عليها يريد أن يكون حر الإرادة إذا كانت الرغبة في هذه الحرية جزء من فطرته، فجزء آخر من فطرته كذلك، أن يخاف من الحرية لثقل أعبائها.

**

نحن قادرون على اصطناع المنهج العلمي الدقيق عندما نكون في غرفة البحث العلمي، ولكننا كذلك قادرون على خلع الرؤية العلمية منذ اللحظة التي نترك فيها غرفة البحث العلمي، تماماً كما نخلع ثياب العمل بعد عودتنا إلى منازلنا.

**

إنه لا عجب أن تعرض العقل ويتعرض في حياتنا لأزمات لا تنتهي. فللرأي العام عندنا قوة ضاغطة، لا يجرؤ على عصيانها إلا مغامر

**

أن تدريب المتعلم على منهج التفكير المنتج، خير ألف مرة من مضاعفة المادة العلمية المحصلة، لأن مقدار ما يحصله الدارس من مادته العلمية مهما كثر فهو قليل. وأما من زود عقله بمنهج التفكير العلمي، فهو قادر أبداً على أن يلتمس الطريق الصحيح كلما أشكل عليه أمر

**

كان صاحبنا على يقين بينه وبين نفسه، بأن الحياة الفكرية في وطنه بحاجة إلى مراجعة تتناولها من الأساس، فأقل ما يقال فيها يومئذ هو أنها على فقر شديد في الإبداع الفكري.

**

إن معظم الأفكار الأساسية التي كانت تدور حولها أوجه النشاط عند رجال الفكر منا يومئذ، لم تكن من إبداعنا العقلي، بل منقولة عن الغرب.

**

لو سألنا: ما سر الوضوح في عالم الفكر، كان الجواب أنه في الطريقة التي تُساق بها الكلمات.

**

إن العلم يزودنا بوسائل القوة، ولكل شعب حريته – في حدود ثقافته – أن يختار نمطه الخاص في استخدام تلك الوسائل.

**

صفة الصدق، لو أتيح لها أن تشيع في جماعة من الناس اتساعا وعمقا، لكانت وحدها كفيلة بأن تحقق لتلك الجماعة قفزة جبارة للأعلى وللأمام.

**

لقد كان من أهم المهام التي اضطلع بها صاحبنا ليرضى عن نفسه قبل أن ترضى عنه نفوس الآخرين، هو أن يقيم الحدود للصدق الثقافي، يقيناً منه بأن هذه الصفة لو رسخت في حياتنا رسوخ الإيمان لكانت وحدها كفيلة لتلك الحياة بما نتمناه لها من نمو وازدهار.

**

لا عيب في إنسان يعلم شيئا ويجهل أشياء، فذلك النقص إنما هو حتم محتوم على البشر، شريطة أن يكون ذلك الإنسان على بينة من أمره. ما يعلم وما يجهل، لكيلا يستبيح أن يكون له حق الرأي فيما يجهله..

**

إن أعلم العلماء عالم يعلم أنه مهما بلغ من العلم فهو لم يؤت من العلم إلا القليل.

**

خدعنا أنفسنا بإيهامها بأننا كلما غرسنا في أرضنا فسيلة مجلوبة من نبات الغرب، ونمت الفسيلة شجرة نتفيأ ظلها ونجني ثمارها، بأننا متساوون مع باذر البذرة الأولى هناك. والبذرة الأولى تلك، إنما هي الإبداع الذي يبتكر الشيء مما يشبه العدم.

**

ليس من المألوف ولا هو من المقبول أن تصف قانوناً علمياً كقانون الجاذبية مثلا، بأنه واضح أو غامض، لأن المطلوب أن يكون صحيحاً. سواء أجاء واضحاً سهل المأخذ أم تعذر على أفهام غير المختصين واستعصى.

**

المستبدون من الحكام لا يعنيهم أن ينحبس في رؤوس المفكرين ما ينحبس من أفكار، وقد يكون منهم من يتسامح في الخطوة الثانية التي تخرج الفكرة من السر إلى الجهر، ما دامت تقف ولا تتحول إلى فعل.وأما الخطوة الثالثة التي تتحول بها من كلام لفعل فهي محك الحرية الفكرية

**

لقراءة المزيد من هذا الكتاب وغيره

على ورّاق تويتر

BOOKS_GUIDE@

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثقافة: كتاب كل أسبوع – حصاد السنين

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول