بوابة التاريخ – 1


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


( الجزء الأول )
بوابة التاريخ
أشرقت الشمس بعد طول صراع مع الظلمة، التي أعلنت انسحابها إلى بقعة أخرى، وتسللت أشعتها من النوافذ في حياء، أيقظت بدفئها الجميع ليسوِّدوا صفحة أخرى في كتاب الحياة، ومن بين الجموع الغفيرة من الناس الساعية في سبيلها، وقفت أنا أمام مرآة الحمام الصغيرة أغسل وجهي، وأزيل عنه آثار النوم اللذيذ، ومنها إلى طاولة المطبخ ألتهم طعام الإفطار.. السادسة والنصف.. قد يكون الوقت مبكّرًا على الخروج للبحث عن العمل، إذ لا تفتح الشركات أبوابها في مثل هذه الساعة، إلا أني أضع في الحسبان الوقت الضائع في تنقلي من شركة إلى أخرى، وذلك بالطبع سيرًا على الأقدام فأنا لست بالثراء الفاحش الذي يتيح لي استقلال سيارة أجرة، تلتهم ما ادخرته لأشهر في سويعات قليلة .. "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين..".. وضعت الصحون جانبًا على أن أتفرغ لها بعد مشوار البحث عن عمل، وحملت ظرفًا حمّلته كل ما يمكن له أن يثبت أهليّتي لتولي أعلى المناصب – من وجهة نظري على الأقل –، وغادرت الشقة بعد أن تأكدت من إقفال النوافذ والأبواب..
الواحدة والنصف ظهرًا .. صبّت الشمس جامّ غضبها على الرؤوس، وقد خرجتُ للتو من شركة للعقارات، يفتقد صاحبها بصيرة تخوّله لتوظيفي والاستفادة من خبراتي العتيدة، إذن فهو الخاسر الوحيد .. وسرت لمسافة طويلة قادتني فيها قدماي إلى الحديقة العامة بمركز المدينة، ولا أعلم كيف تمكّنت من قطع كل هذه المسافة – إنه لإنجاز عظيم ! –، فرأيت بما أن وقت الغداء قد حان أن أبتاع شيئًا سريعًا من مطعم صغير بالقرب من الحديقة قبل أن أدلف إليها، واخترت مقعدًا مالت عليه شجرة سدر كبيرة تهمس له بأسرارها الخاصة، ووضعت الظرف إلى جانبي و.. " اللهم بارك لنا فيم رزقتنا وقنا عذاب النار"… بدأت بالتهام الطعام بنهم وشهية، فقد بلغ الجوع مني مبلغه، وجُلت بناظري في هذه الحديقة الغنّاء، فبعثت في نفسي شيئًا من الارتياح، ورأيت أنها فرصة مناسبة لوقفة محاسبة، فلِمَ طُردت من عملي السابق..؟!.. أبسبب طبعي الحاد كما يقولون.؟.. لكن رئيس القسم هو المسؤول .. عندما كشفت ألاعيبه وخداعه اتّهمني بالتدخل فيم لا يعنيني ..!.. وكتب فيّ تقريرًا كيديًّا طُردت على إثره شرّ طردة ..شُلَّت يمينه الـ…. استغفر الله العلي العظيم من كل ذنب عظيم، ألقيت ما تبقى من الخبز في فمي عازمًا على المغادرة، فكما يبدو أنني الغبي الوحيد الذي يرتاد الحديقة في مثل هذا الوقت، نهضت ورميت ما بيدي من قمامة في سلة قريبة، ويمّمتُ مغادرًا..
-" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا بني.".
فاجأني الصوت الوقور من حيث لم أعلم، فالتفت خلفي مجيبًا التحية – بآلية – :-
-" وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ..".
كان شيخًا في أواخر عقده السادس أو السابع إن لم يكن الثامن، ذا ملامح سمحة هادئة ترتسم على شفتيه ابتسامة تبعث في نفسك ارتياحًا تجاهه، وقد زيّنت محياه لحية هُذِّبت بعناية – تمنّيت لو كان لي مثلها –، فقلت له بعد أن طُبعت في ذهني صورة عامة له:-
-" أتحدّثني يا عم..؟.!".
اتسعت ابتسامته بما يحفظ له وقاره مجيبًا:-
-" هل من أحد غيرك يمكن أن أحدّثه هنا ..".
صحيح.. فالحديقة خالية هذا اليوم على غير العادة، فقلت مبتسمًا:-
-" المعذرة .. هل من خدمة أقدّمها يا عم .؟.".
اتجه إلى المقعد وأراح جسده المنهك عليه، فلمحت شيئًا من الارهاق باد على وجهه..سألني ويداه تدلكان ساقيه المتعبتين في رفق:-
-" هلاّ جلست قليلاً.. فأنا لا أقوى على الوقوف أكثر..!".
استجبت لمطلبه .. لِمَ .؟!.. لا أعرف بالضبط.. شيء ما في لهجته جذبني إليه، فجلست بجواره وانتظرت جوابًا منه، فكان منه أن رنا إلى البعيد وقال:-
-" كيف حال قومك يا فتى .؟!.".
انعقد حاجباي دهشة واستغرابًا، فقد هُيّئ لي أنّي سمعته يقول " قومك..؟!!".. فقلت مستنكرًا:-
-" قومي.. ؟!!.. ماذا تقصد بقولك قومي.؟!".
تجاهل الرد عليّ أو أنه لم يسمعني أساسًا، فقلت لنفسي أنه إما مخبول أو مخبول، وأن علي العودة إلى شقتي بأسرع وقت وذلك قبل أن تميل الشمس للمغيب، فشددت الظرف إليّ وألقيت التحية وسرت مبتعدًا، فقال عندها الشيخ دون أن يلتفت إلي:-
-" لست مخبولاً أو مجنونًا كما تظن .. إلا إذا كان السؤال عن أحوال الأمة جنونًا.!.".
تسمّرت لدى سماعي كلماته تلك، فلابد أنه قرأ ما دار بذهني لوهلة .. وإلا من أين جاء بلفظة المخبول تلك..؟!.. التفت إليه فإذا بعيني تصطدمان بعينيه ترمقاني في صمت، فسَرَت في جسدي قشعريرة باردة، أشحت بوجهي عنه واستكملت طريقي إلى البوابة الرئيسة للحديقة وكُلِّي دهشة ورهبة، وطوال سيري لم ألمح خيال عامل واحد أو زائر.. غريب.. فنادرًا ما تخلو هذه الحديقة .؟!. فلِمَ اليوم هي على هذه الحال..؟!..وصلت إلى البوابة وقد عزمت على طلب سيارة أجرة تقلّني إلى البيت، تلفت حولي أبحث لي عن واحدة.. لا شيء.. الشارع الذي طالما كان مزدحمًا.. بات في هذه اللحظة خاويًا ..أين ذهب الجميع..؟!، نظرت إلى معصمي حيث ساعتي، فلم أجدها..!! يا إلهي .. ما الذي يحدث لي هذا اليوم .؟!


يتبع….
أختكم / يراع


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بوابة التاريخ – 1

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول