بوابة التاريخ – الجزء الثاني


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


تابع/ بوابة التاريخ -ج2-

-" رأيته .. أنا متأكد من ذلك .!".
قلتها لنفسي وأنا ألتفت يمنة ويسرة..
-" رأيته .. ورآني .. و ..".
وجدته .. يجلس ذات الجلسة التي عهدتها منه، ويرمقني بهدوئه ووقاره، فاندفعت نحوه وقلت:-
-" السلام عليكم يا عم ..".
ابتسم لي ورد التحية، فهممت بطرح العديد من الأسئلة التي تزن برأسي، إلا أنه سبقني:-
-" لِمَ تأخرت في المجيء .؟!".
باغتني سؤاله، فتنحنحت قائلاً:-
-" بصراحة يا عم .. أنا لَمْ أتوقع أن تكون تلك الأحداث حقيقة .. وقلت لنفسي أنها مجرد أضغاث أحلام .".
ردد خلفي:-
-" أضغاث أحلام ..؟! .. هذا وقد تركت الرسالة في جيبك ..!! كيف إن لَمْ أفعل.؟!".
عقدت حاجبي مستغربًا:-
-" رسالة ..!! أي رسالة .. أنا لَمْ أجد في جيبي أية رسائل .؟!".
التفت إلي وقال:-
-" متأكد ..".
فكرت مليًّا واسترجعت ما حدث، لكني لَمْ أتذكر أني وجدت رسالة واحدة في جيبي .!!، فربت على كتفي قائلاً:-
-" دعك من الرسالة الآن .. ودعنا نلحق بها..".
أومأت له برأسي وأنا أنهض معه.
****** ******
  وقفت معه على طريق رملي، وقد لاحت لنا مدينة صغيرة في الأفق، فتقدمني (التاريخ) بصمته المعتاد، وشغلت باستكشاف المنطقة ببصري، كانت السماء ملبدة بالغيوم، تنذر بأمطار غزيرة..
-" أليس لديك ما تسألني عنه.؟!".
التفت إليه وأنا أقول:-
-" لدي الكثير .. هلا أخبرتني عن الذي حدث في الرحلة السابقة .. كنت في الحقل وفجأة انتقلت إلى الطريق خارج البلدة ..؟!".
-" لا أريد أن أخسرك يا سيد (عمر) ..".
-" لا تريد أن تخسرني .. ماذا تقصد .؟!".
تجاهل سؤالي مستطردًا:-
-" واحفظ مني هذه العبارة جيدًا .. لا يقدر أحد مهما بلغ نفوذه على تغيير التاريخ ..".
قلبت عبارته في ذهني لأفهم ما يرمي إليه، وعلى ما يبدو أن المسافة التي بدت طويلة بادء الأمر كانت أقصر مم توقعت، فقد توقف الشيخ أمامي وقال:-
-" حان وقت مغادرتي .".
تشبثت به وقلت:-
-" لكنك لم تجب على جميع أسئلتي بعد ..!."
اتكأ على عصاه وقال:-
-" لن يتسع المجال إلا لسؤال واحد..".
شعرت بالحيرة والارتباك، فعقلي يضج بالأسئلة ولا أدري أيها أفضل، وما أن شعرت بتململه قلت:-
-" ألن تخبرني شيئًا عن المكان الذي سأذهب إليه ..؟! في المرة السابقة وفقت برجل استضافني عنده واليوم .؟! .".
ربت على كتفي وقال:-
-" لا تقلق كل شيء معد .".
-" كل شي معد .!!".
تمتمت بعبارته الأخيرة وأنا أستدير متجهًا إلى المدينة.
****** ******
تجولت في طرقاتها، التي لم تخلو من الحياة كسابقتها، رجال ونساء وأطفال .. يتنقلون من محل لآخر، لكنك تلمس الوجوم في كل مكان، حزن ثقيل يغطي المدينة، لِمَ ..؟!. لا أدري ..؟!..
-" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.".
استدرت إلى مصدر التحية وأجبتها تلقائيًا:-
-" وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ..".
كان رجلاً سمحًا، مد يده إلي مصافحًا وهو يقول:-
-" السيد (عمر) ..؟!".
صافحته بريبة..
-" أجل .. ".
أشار إلى نقطة خلفه قائلاً:-
-" لقد أخبرني العمدة أنك غريب هنا وتحتاج للمساعدة .. فاقبل ضيافتي لك .".
تطلعت إلى حيث أشار، فرأيت (التاريخ) يومئ لي برأسه وابتسامته لا تفارق شفتيه، فابتسمت بدوري وأنا أشد على يد مصافحي مرددًا في داخلي .. " كل شيء معد ."..
-" تفضل معي يا سيد (عمر) .. لابد أنك متعب من عناء السفر .".
سرنا معًا إلى حيث منزله، وقد تبادلنا أطراف الحديث، فعلمت منه أنه يدعى (محمد)، يقطن مع أسرته ووالده المقعد، كما حدثني عن المدينة وأهلها، وأن الوجوم الذي يعتريها إنما سببه ..
-" تلك الدبابة ..".
أشار إلى نهاية زقاق جثمت عليه الدبابة وإلى جانبها مجموعة من الحثالة، يتمايلون ويغنون .. فملت على أذن (محمد) أسأله:-
-" من هؤلاء يا (محمد) ..؟!.".
كاد حاجباه يمتزجان من شدة الغضب، وشفتاه تـئنان تحت ضغط أسنانه، لم يجبني بل قبض على ذراعي يجرني خلفه وحتى وصولنا إلى منزله لم ننطق بكلمة واحدة..
قدمني لوالده ضيفًا جاء من بعيد، الذي رحب بي بدوره ابنًا له طوال فترة مكوثي بينهم، حل المساء ونحن في حديث مستمر، وبعد أن قُدم لنا طعام العشاء وتناولناه في هدوء، أرشدني إلى غرفة والده لأشاركه المبيت فيها، وقد سبق ورتبت النسوة لي أغطية ومراتب فرشنها على الأرض، وقال لي (أبو محمد):-
-" اعذرنا يا بني .. لا غرف إضافية لدينا أو أسرة..".
ربتُّ على كتفه وأنا أبتسم له شكرًا:-
-" لا بأس يا عم .. هذا يكفيني.".
وخلد كل منا إلى فراشه .. ولتعب شعرت به غفوت مباشرة، وبشكل غير متوقع، اهتز البيت وعلا دوي الرصاص والقنابل .. فقمت فزعًا مذعورًا .. " بسم الله الرحمن الرحيم .. ما هذا ..؟!".
رفع (أبو محمد) رأسه وقال:-
-" إنهم الصرب يا بني .. يقصفون المنازل ليلاً ويهدمونها على رؤوس أصحابها .. لكن اطمئن .. هم ليسوا في حيّنا ..".
أطمئن ..!!.. لابد أنه يمزح .!.. فأصواتهم تكاد تثقب أذني من شدتها ..
****** ******
أشرقت الشمس وما كنت أظنها تفعل، فقد كانت الليلة الماضية طويلة للغاية، تناولت إفطاري للتو وارتديت بعضًا من ملابس (محمد) استعدادًا للخروج، فقد صارحني والده بأن (محمد) قد خرج منذ الصباح الباكر لشغل يهمه، وطلب مني اصطحاب الصغيرتين لمدرستهما، وشرح لي الطريق الذي يجب أن أسلكه، وحتى تجهز الصغيرتين وقفت إلى جانب النافذة أرمق الطريق، أتفكر في الليلة الماضية.. فما حدث لا أظنني أنساه أبدًا، فلم أعش في حياتي رعبًا كما عشته البارحة.!، كنت أتوقع سقوط الجدران في أية لحظة، وعلى ما يبدو أنهم قد اعتادوا على هذه الحال..
دخل (محمد) المنزل، ليشاركني الوقوف والتطلع لسيارات الجيش التي لم تهدأ محركاتها منذ ليلة البارحة، وقال دون أن يحول عينيه عن النافذة:-
-" لم أكن أعلم أنك جبان لهذه الدرجة .!".
التفت إليه بغضب:-
-" ماذا تقصد .؟!".
وضع (محمد) يديه في جيب بنطاله قائلاً:-
-" أخبرني والدي أنك كنت ترتجف خوفًا من أصوات القنابل .".
لم أملك سوى عقد حاجبي والإعراض عنه، فاستطرد بسخرية واضحة:-
-" هم مجرد كلاب تنبح على الدوام .. ولكنها للأسف تعض وبشراسة..".
خرجت الصغيرتان في هذه اللحظة لتعفياني من عبء إجابته، وغادرنا المنزل لنسلك طريقًا فرعيًا يجنبنا الاحتكاك بجنود الصرب، ولله الحمد وصلنا إلى المدرسة دون مشاكل تذكر، ودعت الصغيرتين على وعد باصطحابهما في طريق العودة ..
ولأن دروسهم لم تكن تستمر أكثر من خمس ساعات تحت ظروف الاحتلال، آثرت السير في طرقات المدينة على العودة من إلى منزل (محمد)، وبصراحة كلماته لي قبل خروجي جعلتني أتحاشى مواجهته ثانية، إنه لا يعلم ما أكتمه في صدري، يفرغ فيّ غضبه دون أن يقيم لمشاعري أي وزن .. قد أكون جبانًا في نظره .. لكن ما الذي ينتظره من شخص ما ألف صوت القنابل والرشاشات إلا من خلف الشاشة ..؟!.. يعلم أنها لن تتطاله يومًا وهو في بيته .. "" إن فعلوها فأنت أول المتقاعصين .!"" .. "" جبناء .. جبناء .. يكدسون الأسلحة حتى تصدأ ."" …. "" أنت بالكاد تضبط صلاتك في المسجد وتريد أن تقنعني بأنك ستتقدم صفوف المجاهدين ..!""… "" لم أكن أعلم أنك جبان لهذه الدرجة .!!"" .. دوت الكلمات في أذني بقوة، كانت سهامًا لا ترحم.. هل أنا جبان..؟! ربما .. لكن أي شخص في مكاني كان فكر كما فكرت .. وخاف مثلما خفت .. ليس سهلاً أن تتعايش مع هدير الجنازير ورعود القنابل .. قادتني قدماي إلى مفترق طرق تربع فيه جنود صرب، تفصلني عنهم أمتار عدة .. " هل تملك الشجاعة يا (عمر) لتقذف هؤلاء الأوغاد بحجر صغير .؟". .. انحنيت ألتقط حجرًا من على الأرض وانتصبت أرمقهم، وكأني بعين الخيال أرى الدماء تسيل من وجه أحدهم .. " هيا افعلها .. "طفل صغير يقف أمامهم دون خوف .. فمل تتردد ..؟" .. ضغطت الحجر بيدي أحثها على رميه، وخيالي يصور لي سوء مصيري إن فعلتها، ملأت صدري بنفس عميق في ذا الوقت الذي التفتت أعينهم ترمقني بقسوة، وسرت فيّ قشعريرة ارتخت معها قبضتي تفلت الحجر، واستدرت عائدًا إلى المدرسة .." يا لك من جبان يا (عمر) .. جبان ورعديد ..".
****** ******
يتبع..
أختكم/ يراع





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بوابة التاريخ – الجزء الثاني

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول