بوابة التاريخ-الجزء الثاني – 3


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


تابع/ بوابة التاريخ -ج2

-" (محمد) ..".

-" ممممممم ..".

تقدم والده من الأريكة التي تمدد عليها ابنه يلقي عن كاهله شيئًا من تعب السنين، واستطرد لما أصبح بمحاذاته:-

-" لِمَ أنت قاس مع ضيفك ..؟!.".

رفع (محمد) ذراعه عن وجهه يتبادل النظرات مع والده، قبل أن يعتدل في جلسته ويشبك أصابعه أمام وجهه ويقول:-

-" لا أعلم .. كلما رأيته وتذكَّرت أنه جاء من بعيد استجابة لدعوة العمدة .. شعرت بالغضب والكره يعتمل في نفسي .. تصوّر يا أبي أنه لا يعلم من هؤلاء الذين يعتدون علينا ..؟!".

تعاطف والده مع نبرة الحسرة التي أطلت من كلمات ابنه المخنوقة، وقال:-

-" لكنه ضيف عندك يا بني .!.".

ابتلع (محمد) غصة في حلقه وقال في استكانة:-

-" بماذا تأمرني يا أبي ..؟!.".

ضغط والده على كتفه بحنان وقال:-

-" قد يكون (عمر) مقصِّرًا كبقية أقرانه .. لكن هذا لا يبرر أن تقسُ عليه بهذه الطريقة .. (عمر) فيه خير كثير .. إلا أنه لم يوجه بشكل صحيح .. .. هو لم يعتد على حياتنا هذه .. لا تنسى أنك خفت مثله عندما انتقلوا إلى مدينتنا بعد أن دمروا سابقتها .. لذا يا بني أرى أن تعتذر منه وتصلح ما بينك وبينه ..".

دفن (محمد) وجهه في يديه وهو يومئ برأسه موافقًا رأي والده، وردد قائلاً:-

-" كما تريد يا أبي .. سأفعل عندما يعود ..".

تطلع والده إلى ساعة يده وقال:-

-" لكن ألم يتأخر (عمر) كثيرًا ..؟! ".

-" لقد قال أنه سينتظر حتى تنتهي (مروة) و (نورة) من مدرستهما ليعود معهما ..".

جاءه الجواب على لسان زوج ابنه، التي قربت منه صينية تحمل كأسين من الشاي، فتناول كأسًا و(محمد) الآخر ..وقال:-

-" لكن .. مضى وقت طويل على انتهاء الدوام المدرسي .؟! .. آمل ألا يصيبه مكروه ..".

( دق .. دق .. دق .. دق ..)

فزع الجميع لطرق عظيم على الباب، ما عهدوه إلا من علوج الصرب، فأشار (محمد) لزوجه أن تدخل، وصاح من خلف بحذر:-

-" من هناك .؟!".

-" افتح يا (محمد) الأمر خطير .!!".

فتح (محمد) الباب بعد أن تعرف على صوت جاره، فدخل الرجل لاهثًا وهو يقول:-

-" أسرع يا (محمد) .. اقتحم الصرب المدرسة .".

وقع الخبر كالصاعقة على رؤوس الجميع ..

****** ******

اتجهت إلى المدرسة لاصطحاب الصغيرتين، فمرت بي سيارة عسكرية أظنها التي كانت على مفترق الطرق، مرت مسرعة .. لابد أنهم في طريقهم لاقتحام منزل وهدم آخر.. لكن .. هذا الطريق ..!!.. هذا الطريق لا يفضي إلى تجمعات سكنية..؟!! أو بالأحرى بقايا لتجمعات سكنية إلا إن قصدوا .. المدرسة ..!!.. جريت بكل قوتي حتى لاح لي المبنى المدرسي من بعيد، دعوت الله ألا أكون قد تأخرت .. لن أسامح نفسي إن حدث أي مكروه (لمروة) و(نورة) .. بم أجيب والدهما..؟!.. وصلت إلى البوابة فاستقبلني عندها الحارس متبسِّمًا..

-" ما الخطب يا سيد (عمر) ..؟!".

أمسكت به وصحت فيه:-

-" ألم تمر سيارة عسكرية من هنا ..؟!.".

هز رأسه نفيًا.. فغمغمت مرخيًا قبضتي:-

-" لابد أنهم انحرفوا في طريق فرعي .. الحمد لله .!".

عدل الحارس هندامه متسائلاً:-

-" ما الأمر يا سيد (عمر) .. هل حدث شيء .؟!".

رسمت ابتسامة باهتة على وجهي:-

-" لا .. لا شيء يا عم .. هل انتهت الفتيات من دروسهن .؟.".

أومأ إلي إيجابًا، فقطعت المسافة إلى الفصول، وقابلت تلميذات صغيرات إلى جوار معلماتهن يقفن بانتظار الآباء، فسألت أقرب معملة عن (مروة) و(نورة) إذ لم أجدهن، فأشارت إلى أنهن لازلن في صفهن مع المعلمة، سرت إلى الفصل وقفت خلف زجاج النوافذ أرقب اللهفة المطلة من أعين التلميذات، شعرت بارتياح كبير يغمرني .. جعلني أتربع على الأرض بانتظار خروجهن .. كل شيء حتى هذه اللحظة كان على ما يرام .. لكنه انقلب باقتحام السيارة العسكرية لساحة المدرسة .. أصدرت عجلاتها صرير أخاف الجميع، اشرأبيت بعنقي أنظر ما يجري .. فصراخ الصغيرات غمر المكان .. وليتني لم أفعل .. فكان ما رأيت بشعًا للغاية.. كان الواحد منهم يضع الطفلة تحت قدميه ويبدأ بتقطيع يديها .. غير آبه بصراخها وبكائها.. انكمشت في مكاني أرتجف خوفًا.. " لم أكن أعلم أنك جبان لهذه الدرجة..!" .. هزتني العبارة التي لم تفارقني لحظة، وكان لابد لي من قهر الخوف في داخلي.. نهضت وأشَرْتُ للمعلمة ألا يغادرن الفصل .. بحثت عن شيء حولي يصلح للقتال .. لم أجد سوى مكنسة مرمية بإهمال، تناولتها وتقدمت من مسرح الجريمة .. أردت أن أباغت أقربهم إلي، لكنه لمحني وشهر سلاحه في وجهي، وأمرني بالتوقف ورفع يدي عاليًا .. وتطلع خلف كتفي قائلاً:-

-" أهناك غيرك ..؟!".

هززت رأسي نفيًا وأنا أتقدم منه قائلاً:-

-" لا .. لقد نظفت المكان ولم يكن هناك أحد .".

قبض على ذراعي بقوة ودفعني أمامه إلى حيث وقف قائده يتابع المشهد برضى تام، التفت إلي وتفرس في ملامحي هنينة قبل أن يقول:-

-" أنا أعرف جميع سكان هذا الحي لكني لم أرك من قبل .؟!".

لم أجد ما أرد به عليه، فاستطرد:-

-" خذوه للسيارة .. سنعرف منه كل شيء فيما بعد ..".

والتفت إلى بقية جنوده قائلاً:-

-" يكفي هذا .. لنغادر الآن ..".

استجابوا لأوامره وبدؤوا يصعدون إلى السيارة وآخر يدفعني لآخذ مكاني على الأرضية بين أقدامهم، وعندما هَمَّ القائد بالصعود باغته صياح جنديه من ساحة المدرسة:-

-" سيدي .. هناك أصوات تصدر من أحد الفصول..".

عقد حاجبيه وقال:-

-" فتش المكان جيدًا .. وانظر من يختبئ هناك ..".

هذا كل ما أذكره قبل أن أودع هذه الزنزانة المظلمة الرطبة .. ارتميت في ركن منها منهكًا لا أقوى على الحراك، والفضل لتلك القيود التي تكبل يدي ورجلي معًا بعد الضرب المبرح الذي تلقيته، إرهاق .. جوع .. ألم فظيع .. أحاسيس اختلطت في داخلي مع شعور بالضياع .. لا نور يدرك معه المرء كم مر عليه من الوقت .!. أرحت رأسي على الجدار مستسلمًا للنوم، فهذا أفضل حل أواجه به جوعي وألمي ..

-" أنت .. استيقظ .".

رافق الصوت ركلة موجعة، تأوّهت لها وفتحت عيني بصعوبة أرمق الجندي الذي انحنى يفك قيدي مردفًا:-

-" انهض .. لقد أفرج عنك القائد .".

لم أصدق ما سمعت، حتى وقفت خارج نقطة التفتيش واستقبلتني (مروة) و(نورة) اللتان اندفعتا نحوي باكيتان من بين تسع من زميلاتهن، كان الرعب مرسومًا على وجوههن فآثرت الصمت على معرفة ما جرى .. رفعت إلي (نورة) وسرت مع البقية أوصل كل واحدة إلى منزلها قبل أن نعود إلى البيت.. وكم كانت فرحة الأسر كبيرة بعودة بناتهن سالمات، وكذا كان حال (محمد) وأسرته، غمرت الطفلتين بحنانها كي تنسيهما مرّ ما شهدتاه على أيدي الصرب، الذي لن يعلموه أبدًا فالطفلتين لا تذكران سوى أنهن فُصِلْنَ عن معلمتهن ووضوعهن في غرفة مظلمة .. وفي نهاية المطاف خلدت الأسرة إلى النوم، وقد كانت ليلة هادئة جدًا ..

****** ******

قررت العائلة إقامة حفلة صغيرة على الرغم من كآبة الجو، فهذا اليوم يصادف ذكرى مولد (مروة).. فتشاغل (محمد) بتعليق ورق الزينة تحت إشراف والده، وزوجه تعد قالب الحلوى.. أما أنا فاتخذت ركنًا أرقب منه الجميع إذ لا عمل أقوم به، ومن غرفتها خرجت (مروة) ترتدي ثوبها الجديد الذي خاطته والدتها منذ أيام، جاءت وجلست بجانبي لأحيطها بذراعي وأنا أهنِّئها.. ابتسمت خجلاً فخللت أصابعي في شعرها الفاحم وطبعت قبلة على جبينها و .. " ما هذا .؟!".. أزحت خصلات شعرها لأكشف عن أثر خياطة صغيرة .!!. لا أعلم لم راودني القلق تجاه الجرح ..!! مع أنه قد يكون لحادث قديم .. ولم أستطع منع نفسي من سؤال (محمد):-

-" (محمد) .. ما هذا الجرح في صدغ (مروة)..؟!.".

التفت (محمد) ووالده إلي بحدة، فكما يبدو فقد فاجأهما سؤالي، ترك (محمد) ما بيده وجثا على ركبتيه أمام ابنته يتفحص صدغها الأيمن، وكذلك والده الذي اندفع ينظر ما الأمر .. بدا القلق على وجه الاثنين ولاسيما (مروة) التي أفزعها إقبال الجميع عليها بكل هذا التوتر ..

-" ألم يكن هذا الجرح موجودًا في السابق .؟!".

لم يلتفت إلي أحد أو حتى يجبني، كأنهما لم يسمعا كلمة مم قلت، والأدهى من ذلك أنهما كانا يحدثان بعضهما البعض دون أن أتمكن من سماع كلمة واحدة ..!!.. فصحت:-

-" ما الأمر .. (محمد).. أجبني يا رجل .؟!".

-" لن يجيبك أحد .".

استدرت إليه صعقًا ..

-" هذا أنت .. لكن كيف .؟! ولِمَ ..؟!".

أمسك بذراعي قائلاً:-

-" فيم بعد .. يجب أن نرحل الآن .!".

انتزعت ذراعي وأنا أصرخ فيه:-

-" ليس قبل أن أعلم سر هذا الجر..".

تجمدت الكلمات في حلقي وصوت الانفجار يملأ أذني.. وجحظت عيناي مع تردده تسعًا .



أختكم/ يراع


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بوابة التاريخ-الجزء الثاني – 3

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول