الهدهد الحكيم


(كان يا ما كان في قديم الزمان) كان هناك غابة اسمها غابة السلام، وعلى الرغم من اسمها المسالم، إلا أنها كانت كمثل غابات الزمان لا تخلو من فترات انعدام السلام، وكان يميزها أمران: سلطان عادل وهدهد حكيم، وكان السلطان يهتم بأمر الهدهد ويثق بآرائه، فتعالوا بنا نرَ أحوال هذا الهدهد: هل يستحق هذه الثقة؟ كان الهدهد يحبُّ سكان الغابة حباً صادقاً حقيقياً؛ يُثني عليهم إن أحسنوا، ويعتب عليهم عتاباً محبَّباً إلى نفوسهم إن أساؤوا؛ لأنهم كانوا يعلمون صدق نواياه، وعلى الرغم من من كونه حكيم الغابة، إلا أنه كان يحمل قلباً رحيماً حنوناً، وصدراً يسع الجميع، وتمتد محبته إلى جميع السكان دون تفرقة بينهم، بل كان يرحم فقيرهم وضعيفهم ومريضهم، وكلَّ معذبٍ ومضطهد عندهم، ويرفع أمرهم للسلطان، فشاع صيته وازدحمت الجماهير أمام بيته؛ لأنه لم يكن يعطيهم حِكَماً نظرية، بل يقدِّم لهم برامج عملية ليضع حلولاً دائمةً لكل من عانى مثل معاناتهم، وبالطبع – مثل سائر غابات الدنيا – لم تخلُ الساحة من الحساد الذين تطوَّعوا، بل هرولوا للفتنة لدى السلطان قائلين: إنه يسحب البساط من تحتك، والناس يحبونه أكثر منك. ولكن هل تذكرون ماذا كانت صفة السلطان؟ لقد كان السلطان العادل. أجاب السلطان: هذا خبر مفرح وليس محزناً، مثل هذا سيعينني على العدل مع الرعية، أيها الكاتب! اكتب: أصدرنا (فرماناً) بأن يعيَّن الهدهد الحكيم مستشاراً في مجلسي. وطارت طيور الفرح تنشر الخبر عبر الغابة، ووصل الخبر الجميعَ قبل أن يصل منادي السلطان، ففرح الجميع إلا شخصاً واحداً اهتمَّ وحزن، من هو يا تُرى؟ إنه الهدهد الحكيم نفسه. أغلق باب بيته لأول مرة وأعلن الحِداد، وتدخَّل المصلحون: – هذا شرف يتمناه الجميع. الهدهد: إلا أنا؛ فأنا لديَّ الشرف، ولديَّ المال؛ فما الذي سيزيدني إن أصبحت مستشاراً؟ – ستكسب حب الناس. الهدهد: أنا في موقعي أكسب حب الناس أفضل، وإن أضيفت لي صفة الرسمية، أخاف أن أفقد حب الجميع، السلطان والناس. – لماذا؟ الهدهد: ألا ترون المستشارين السابقين كيف يتكلمون؟ إنهم مقيَّدون. شهق الجميع باستغراب وصرخوا: مقيَّدون؟! طارت طيور الفرح لتعود بعد قليل قائلة: – سيدي الحكيم! اقتربنا إلى كل المستشارين ولم نرَ أي قيدٍ في أقدامهم أو رقابهم. الهدهد: لا، بل توجد، ولكنها خفية؛ فكيف أتنازل عن حريتي وانطلاقي؟ – سيدي الحيكم هؤلاء تزيِّنهم المناصب ولكنك أنت تزين المنصب؛ وفرق شاسع بين من يبغي إصلاحاً ومن يبغي وجاهة. الهدهد: ولكن المنصب له فتنة. – وأنت ستصمد أمام هذه الفتنة؛ فإن رفضت فسيأتي غيرك قد يعيث في الأرض الفساد، ولا تنسَ أن هذا أمر سلطاني لا يقبل الرفض. وقَبِل الهدهد الحكيم سائلاً الله أن يكون نافعاً لأهل الغابة. وبدأ العمل، وبدأت أشياء كثيرة لم يكن معتاداً عليها… رسميات وقيود بدأت تثقل عليه. وفي أحد المجالس الرسمية، طُرحَ موضوع لم يعجبه، فأحب أن يبدي رأيه، ولكنه شعر أن هناك قيداً حول رقبته، لم يصدق نفسه، تلمَّسه بيده… إنه موجود! خاف وذُعِر وقفز يريد الهرب، ولكنه صُدِم حين أحس أن هناك قيداً آخر في قدمه! حاول الخلاص منه، ولكن دون فائدة، شعر زميله في المجلس بما يعانيه، فحاول أن يخفف عنه (كما تعودنا). فقال الهدهد: لا، لا، أنا سأستقيل. – من الأفضل أن تُعوِّد نفسك على ذلك؛ لأنها قيود ستبقى آثارها حتى بعد أن تستقيل. أَصدُقُكَ القول: أن تكون هنا بقيودك ستنتج أفضل من الآخرين. فقال متنهداً: آهٍ على زمن الحرية.


تابعوا جديد شبكة أبونواف على فيس بوك وتويتر

   


تعليقات 4

  1. B طيب؟؟؟ الحين؟أنت تكتب قصة؟؟؟ وربي مآإني فآإهم؟؟ يعني كل اللي كتبتة عشآن تقول أم يآزمن الحرية؟؟

  2. مقاصد كثيره .. وكل ما فهمت مقصد تتشعب آخرى من أجمل القصص بصراحه .. وتستحق إعادة القراءه شكراً دكتوره بشرى ووفقك الله ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الهدهد الحكيم

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول