الموكب – قصة


اليوم أول أيام عيد الفطر المبارك .. خرج لتوه من سجنه
لم يشمله قرار العفو الصادر قبل العيد ولكنه كان قد أمضى مدة الحبس الواجبة النفاذ , وكان اليوم موعداً لخروجه ..
 
هناك أمام بوابة السجن الكبيرة حيث كان الكثيرين بانتظاره ليكونوا فى شرف استقباله وقفت من بعيد أراقب هذا المشهد المهيب مستتراً بأحد الجدران
 
ها قد حانت لحظة خروجه … فتحت بوابة السجن الكبيرة وبدا بين مصراعيها بهامته الضخمة كالعملاق وما أن خرج حتى أوصدت من خلفه محدثة صوت ارتطام حديدى اهتز له المكان
 
علا صراخ الحاضرين ابتهاجاً بخروجه ونيل حريته .. دقت الطبول وعلت المزامير وعلت معها صيحات الإبتهاج والإحتفال وبدت كالصراخ المتلاحق الذى لا ينقطع ثم أخذ الموكب الضخم فى التحرك بعد أن حملوه فوق الأعناق
 
دفعنى الفضول أن أتتبعهم لأرى وجهتهم وأشاهد احتفاليتهم الضخمة التى أذهلتنى
أخذ الموكب فى السير إلى بعيد متخطياً أقاصى المدينة حيث انقطاع العمران متوجهاً إلى منطقة نائية عرفت بضحولتها ومستنقعاتها المحاطة بأعواد الحشائش السميكة التى ترتفع إلى عدة أمتار , وصفير الحشرات يعلو متحدياً نقيق الضفادع أيهم يفرض سطوته على المكان
 
ترددت كثيراً أن أخطو خلفهم لكنه الفضول الذى تملكنى وسيطر على قدماى ودفعهما دفعاً للسير من خلفهم
 
أحسست بقشعريرة تتسلل إلى جسدى عند اقترابى متسللاً إلى ساحة الإحتفال التى نصبوها فوق المستنقع الكبير الذى يشبه البحيره
 
كان الليل مخيماً بظلمته إلا من ساحتهم التى انبعث منها الوهج فبدت ككرة من نار تتوسط بحر من الظلام ..
 
إنطلت قمم الحشائش المحيطة بساحتهم بلون حمرة الوهج وأخذت تتمايل مع أنغام صفير الرياح فبدت كحشود من الأفاعى الضخمه تتراقص ابتهاجاً ومشاركة فى الإحتفال
 
لكننى تجاهلت شعورى بالرهبة وزادنى فضولى إصراراً على الإقتراب أكثر تسبقنى يداى تنحى الحشائش عن وجهى وجسدى وأخذت فى الإختراق حتى تمكنت من المشاهدة ويال هول ما شاهدت …
 
سطح الماء تحول إلى بساط من نار وآلاف من مخلوقات دميمة تكسوها حمرة اللهب وكأنها خلقت من النار , والمتحرر يجلس هناك فوق عرش كبير يتوسط الساحة وهم يطوفون من حوله وكأنه كعبتهم
 
تملكنى الخوف عندما حدقت النظر فيه .. فقد كان يفوقهم ضخامه كما تفوق عليهم فى الدمامة
وفجأة أشار بحربة لم أكن لأراها بيده فنزلت صاعقة من السماء مزمجرة فخروا له سجدا, وتحول الصخب إلى سكون حتى أنى لم أسمع للحشرات صفيرا ولا للضفادع نقيقا
ثم قام من مقعده ممسكا حربته وأخذ يضحك وتتعالى ضحكاته فى تكبر وتعالى ثم ما لبث أن هدأ قائلا …
 
انهضوا فلا وقت لدينا .. يكفينا ما ضيعنا
فى هذه اللحظة اعتلى وجهه القبيح كساء من الحقد والغل فازداد قبحاً وبغضا , واتسعت عيناه يتطاير منها الشرر وانشقت رأسه عن قرنين بارزين فكان أقبح ما يكون , إنه مزيج من شر وقبح لا أستطيع أن أصفه وهو يقول …
 
يجب أن يدفع بنو آدم الثمن .. فمن أجلهم قيدنا بالأغلال ولن يمحو آثارها إلا محو ما اكتسبو فى شهرهم
أقعدوا لهم قل مرصد .. لا ينجون أحدهم بعمل صالح .. فإن كان فلا تتركوه حتى يتبعه بآخر سيىء
ألبسوهم عبائاتكم .. لا تهدئوا حتى يكون مثواهم مثواكم .. من كان لاهياً فزيدوه .. ومن كان راشداً فزينوا له حتى تستذلوه .. لا تأخذنكم بهم شفقة , فما أوقفنى موقفى أمام الله إلا هم
النار مصيرنا بفعلتهم .. فلتكن كذلك مصيرهم
 
أوقع كلامه الرعب فى قلبى حتى كاد ينخلع وفجأه قفز شيئاً على قدمى فشهقت ثم كتمت أنفاسى وأنا أمد يدى لأدفعه عنى فإذا به ضفدع صغير فأمسكت به لأقذفه بعيداً لكنه كان يرتجف من البرد فهممت بوضعه بجيبى قائلاً بصوت خافت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فعلا الصراخ والعويل
 
انتفضت فى مكانى ولم أتمالك نفسى ووجدتنى أجرى بأقصى قوتى وأنا أشعر بهم خلفى وجسدى مقشعر وكأنه مجذوباً إليهم .. وشعرت بقدمى تنزلق لتهوى بى إلى هوة سحيقة فوجدت نفسى أسبح فى ظلام دامس مندفعاً إلى أسفل وكرات من الجمر واللهب تتدافع من فوقى محاولة اللحاق بى وأنا أصرخ بالإستعاذة من الشيطان الرجيم و فى هذه اللحظة شعرت بشيء يجذبنى بقوة إليه .. وإذا بها يد أمى ..
 
عمرو … إنهض ألا يكفيك ضياع صلاة الفجر فى الجماعة , هل تنوى بضياع صلاة العيد أيضاً
لم أراك متكاسلاً مثل اليوم .
 
نظرت إليها فى وجوم غير مصدق .. هل كان حلماً .. لا لم يكن حلماً … لا لا.. لقد كان حلماً .. بل كان كابوساً مزعجاً
 
إندفعت من فراشى فتوضأت وصليت ثم أسرعت بالإغتسال لصلاة العيد وارتديت ملابسى وهرعت إلى الطريق للحاق بالصلاة رافعاً صوتى بالتكبير وإذ أنا كذلك إذا بشىء يتحرك بجيبى فمددت يدى دون تفكير لأخرجه وكانت المفاجئة ..
 
فلم يكن غير ضفدع صغير هممت بقذفة لكنى عدت وقربته من فمى وأنا أصيح بصوت عال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
 
فجعل ينظر إلى بعينيه المستديرتين يطرف بهما فى براءة ثم أصدر نقيقاً رقيقاً وكأنه يعلن عن نفسه …
 
تبسمت ضاحكاً وأنا أضعه بأحد الحدائق المحيطة بالطريق ثم علا صوتى بالتكبير …
 
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله .. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد ………………..
 
تمت
طارق المصرى


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الموكب – قصة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول